قد لا أكون مبالغاً إذا ما قلت بأن العدالة هي من أهم مرتكزات الفكر الديني عامة، والإسلامي بشكل خاص، والإمامي بشكل أخص. وتقف مقولة العدالة إلى جانب مقولة الإيمان في تحقيق مقاصد الفكر الديني، وأهدافه، وقيمه. وإن كان هناك أكثر من اختلاف بين هاتين المقولتين.


وعندما نأتي إلى البعد التعبيري في هذا الفكر، وإلى الخطاب الديني المعبّر عنه، نجد أن هذا الخطاب – بما هو صناعة بشرية تصل الفكر بالواقع، للتعبير عن الفكر، ولتحقيق أهدافه في واقع ظرفي محدّد ــ لا يحتوي على ثقل مقولة العدالة بالمستوى نفسه لثقل تلك المقولة في الفكر. وإنما يمكن أن نلحظ تدنياً في مستوى الحضور عندما يتعلق الأمر بالخطاب، أو التربية، أو السياسات، أو التطبيقات العملية، أو البرامج... بل يمكن الحديث عن ضعف في الحضور، أو لربما خفوت فيه، أو حتى اضمحلال في بعض الموارد.
وعليه، تُطرح هذه المفارقة في مستوى الحضور بين البعد النظري، والبعد العملي، العديد من الأسئلة والإشكاليات؛ أن المشكلة هل هي في مستوى حضور مقولة العدالة في البعد النظري، ومدى أهميتها؟ أم أنها تكمن في عدم القدرة على تسييل تلك المقولة، وتطبيقها، وتحويلها إلى برامج، وسياسات، ومشاريع عملية؟ أم أنها تكمن في أسباب أخرى ساهمت في تعطيل تلك المقولة إلى حدٍّ بعيد، أو في إضعاف حضورها من قبيل الكثير من التطبيقات الدينية، وتحديداً في المراحل التاريخية الإسلامية الأولى، والتي حملت الكثير من الانحراف في الممارسة، وتشوّهات التطبيق، لكنه جرى التعامل معها بكثير من القداسة، أو النظرة الطهرانية، والتبريرية، والتسطيحية الى حدّ السذاجة. ما عطّل أية قدرة على النقد، والتحليل، والاستنتاج. لتتحول تلك التطبيقات ــ بعد دهرٍ من الزمن ــ إلى مرجعيات دينية متعالية على أي مشروع نقدي، جدّي، وفعّال، بعد أن أُقحمت في التراث، وأصبحت جزءاً منه، ومن الوعي الديني، والذي يوجد من يرى أنه لا يجوز المس بهما، أو الاقتراب منهما. وهذا ما أدى إلى حدوث اختلافات وتشوّهات مزمنة في الوعي، والثقافة، والسلوك، والممارسة. ليصبح الوضع عصياً على المعالجة إلى حدٍ بعيد. لأن الأزمة لا تقتصر على تلك الطبقات العليا في المعرفة والوعي، وإنما هي تمتد لتصل إلى الجذور، أي إلى مقولات التراث، وما أحدثته أكثر من سلطة، وما افتعلته أكثر من تجربة سلطانية من مقولات تراثية، استطاعت أن تقحمها في التراث، بهدف إعادة إنتاجه وصياغته. ولتتسلّل من خلال تلك المقولات إلى جملة من مفاصل ذاك التراث، لتمارس استيطاناً معرفياً في مجالاته المختلفة.
بل يمكن القول إن تلك التجارب السلطانية قد احتلت التراث، وأعادت بناءه، بما ينسجم مع مشروعها، ويتناسب مع مصالحها، ويتماهى مع حقيقتها؟
إن ما تقدم يتطلب منا البحث في موقع العدالة في القرآن والسنّة، وفي الرؤية الإسلامية، ثم في الأبعاد المختلفة للعدالة، وصولاً إلى توصيف ما آلت إليه التجربة الدينية في هذا الإطار، وتحليل أسبابها، كمقدمةٍ لتقديم التوصيات اللازمة، التي قد تتمحور حول الخطاب، أو تتعداه.

1- العدالة في القرآن والسنّة:

العدالة (أو القسط) هي من أهم مرتكزات الفكر الإسلامي وأهدافه العملية.
يقول القرآن الكريم: «أرسلنا رسلنا بالبينات ليقوم الناس بالقسط 1»
عن رسول الله (ص): «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، قيام ليلها، وصيام نهارها 2»
عن الإمام علي(ع): «إن العدالة ميزان الله الذي وضعه في الخلق 3»
أيضاً يقول: «جعل الله العدل قواماً للأنام 4»
كما جاء عنه: «ما عمّرت البلدان بمثل العدل 5»
ومن هنا يمكن القول إن مقولة العدل، قد أخذت موقعاً كبيراً ومهماً في النصوص الدينية، التي عرضت لمجمل ما يتصل بتلك المقولة في المئات من الأحاديث الشريفة، والآيات القرآنية.

2- أبعاد العدالة:

سوف يكون من المبرّر منهجياً طرح هذا العنوان لأننا إذا كنا نتحدث في مفارقة حضور مقولة العدالة بين البعد النظري والبعد العملي، لا بد عندها أن نشير إلى مجمل أبعاد العدالة، حتى يتضح لنا أن أبعاد هذه المقولة من شأنها أن تستوعب الكثير من الجوانب والمجالات، وأن الذي حصل لا يتصل بالقدرة النظرية والفكرية لتلك المقولة على الشمول والاستيعاب، وإنما هو يتصل بأسباب أخرى أشرنا إليها، وسوف نوضحها أكثر لاحقاً.
أما أبعاد تلك المقولة، فيمكن القول إن مقولة العدالة تستوعب مختلف مجالات الحياة الإنسانية من نظرية وعملية. وأنه لا يوجد من مجالٍ إنساني يخرج عن حدود هذه المقولة وشعاعها، وأنها مقولة عابرة لجميع تلك المجالات، وموارد الفعل البشري ومتعلقاته.
فلهذه المقولة أبعاد معنوية، ترتبط بالقرب من الله تعالى العادل. ولها أبعاد تربوية، تتصل بتربية النفس على العدالة. ولها أبعاد أسرية واجتماعية، تهدف الى قيام الاجتماع الإنساني في جميع مفاصله وشؤونه على العدالة. كما لها أبعاد اقتصادية، ومالية، تعنى بتوزيع الثروات والسياسات الضرائبية. وكذلك لها أبعاد ثقافية، وأخلاقية، وفكرية، ودينية، وفقهية، وكلامية، وعملية، ونظرية.
بل يمكن القول إن فلسفة الخلق في الرؤية الدينية تقوم ــ فيما تقوم عليه ــ على أساس من اختبار العدالة، بمعنى أن الله تعالى قد منح الإنسان عامل الاختيار، وجميع الأسباب المساعدة، وذلك بهدف بناء الاجتماع الإنساني كلّه - في جميع مجالاته ـ على أساس من مقولة العدالة تلك، لما في ذلك من منافع ومصالح مختلفة له في دنياه، وليكون ذلك أيضاً من أهم السبل للوصول إلى الله تعالى ورضاه.
بل إن الله تعالى قد وعد بقيام ذلك الاجتماع الإنساني على أساس من العدل بأوسع معانيه، وأرقى درجاته، قبل انقضاء الدنيا، ليكون ذلك باعث أمل، ودافعاً إلى مزيد من العمل، لتحقيق العدالة، وتأكيداً على أهميتها، ومحوريتها، بأن البشرية حتى لو أخفقت في إقامتها ــ بعدما مُنحت الفرصة لفعل ذلك ــ لكنه لا يمكن لهذه الحياة البشرية أن تنقضي على هذه البسيطة دون انتصار العدالة، وسيادتها. وهذه هي فلسفة المهدوية، ومعنى غيبة الممهدي.
وإن من أشد ميادين الاختبار لذلك الاجتماع البشري ــ فيما اختُبر فيه ــ هو اختباره في مقولة العدالة، حيث فشل وأخفق في إقامتها وتحقيقها. ولعل السبب في ذلك يكمن فيما سوف نبيّنه تالياً.

3- العقم التراثي وحبس العدالة:

إن العدالة بأوسع معانيها، تعني شمول تطبيقاتها مختلف مجالات وموارد الاجتماع الإنساني. أي إنها تعني العدالة في توزيع الثروات، والعدالة في الفرص، والعدالة في السياسات الضرائبية، والعدالة في المواقع السياسية، والعدالة في الإنماء، والعدالة في الإنفاق، والعدالة الاجتماعية، والعدالة المالية.
وعليه، هل سوف يرضى المترفون بهذه العدالة؟ وهل سيقبل المفسدون بهذه القضية؟ وهل سيوافق من كان همّه في التنافس في جمع الثروات والأموال على تطبيق تلك المقولة؟
من الطبيعي أن هؤلاء سيواجهون العدالة، ولن يقبلوا لهذه المقولة أن تمسّ مصالحهم، أو تقترب من نفوذهم، أو تضر منافعهم. وإذا كان الدين يتبنى مقولة العدالة هذه، فلن يتوانوا عن مواجهة الدين نفسه، وبمختلف الأساليب، والتي منها أن يستحوذوا على ذلك الدين، ليفرغوه من جميع معاني العدالة، وليعيدوا إنتاجه، بطريقة لا مكان فيها للعدالة، وقيمها، وأحكامها، إلا بالشكل، والصورة، واللفظ، الذي لا معنى له، ولا تطبيق يُرجى لديه.


صحيحٌ أن هناك خفوتاً في حضور مقولة العدالة في الخطاب الديني




وإذا كان الإيمان توأماً للعدالة في الاعتقاد والعمل، فلا مانع لديهم أن يواجهوا مقولة الإيمان بالتأويل، ويقابلوا مقولة العدالة بالتعطيل. أي أن يقدّموا تفسيراً للإيمان والدين، يؤدي إلى إضعاف مقولة العدالة لديه، وتهميشها عنده، وحبسها في تلك الأبعاد النظرية، وتعطيل أي فعلٍ يحاول نقل تلك المقولة إلى أبعادها العملية، والاجتماعية، وإلى مختلف تطبيقاتها في مجمل ميادين الاجتماع الإنساني ومجالاته. ليتحول الدين تالياً إلى مقولات طقوسية، لا معنى لها في الواقع، وليس لها من دورٍ فيه. فلا هي تنكر على مُفسد. ولا تضرب على يد ظالم. ولا تخالف مترفاً. ولا تعارض طاغياً. ولا تعمل لمصلحة المظلومين، أو المستضعفين، أو الذين أُريد لهم أن يكونوا وقود الأرض لمصالح المترفين، والظالمين، وأهوائهم.
نعم هذا الذي حصل في التاريخ، حتى آلت مقولة العدالة إلى الوضع التالي:
1- أصبحت مقولة شبه تجريدية، تُدرس أكثر ما تدرس في مجالات الكلام أو الفلسفة.
2- تمّ حبسها إلى حدٍ بعيد في الطبقات النظرية العليا في الفكر الإسلامي. وجُهد في المنع من ترشّحها وتنزّلها إلى الطبقات الدنيا في الفعل، والواقع، والممارسة.
3- عُمل على إنتاج تراث السلطة، كنقيضٍ لتراث العدالة. ليتم تحويل ذاك التراث إلى مرجعية فقهية، دينية، ثقافية، متعاليةٍ على النقد، والتمحيص.
4- إن التشوّهات التي انتابت العديد من المرجعيات التراثية (مرجعيات السلطة)، هي التي تسهم في تشويه الوعي، والعقل، والفعل، والممارسة، والمجتمع، والثقافة...
5- لقد تمّ تعطيل قدرة مقولة العدالة على الفعل، والإنتاج، والتنزّل، بسبب عوامل العقم التراثي الذي زرعته في التراث مرجعيات التجارب السلطانية في التاريخ الإسلامي.
6- إن مستوى الخلل الذي حصل، لم يبق مجرد خللٍ موضعي يقتصر على المادة فقط، وإنما تحوّل إلى خللٍ بنيوي، أصاب المنهج، والفكر، وأدوات المعرفة، والتفكير.
7- عُمل على تنميط الفكر في موضوع العدالة. فبدل أن تتحول إلى مقولة خلّاقة في إنتاج التطبيقات، ووصلها بالواقع؛ أضحت مقولة مقفلة على موارد دراسيّة محددة، يُتعاطى معها بنمطية زائدة، وموغلة في العقم المعرفي.
8- لقد تم الحجر على تلك المقولة في موارد معرفية محددة، وفي مساحات عملية جداً جزئية، لتغيب في المقابل عن مجمل الموارد ذات الصلة، مع كونها أساساً فكرياً، ومعرفياً، عابراً لجميع المجالات، والقضايا المعرفية والعملية.

4- جواب الإشكالية:

يمكن القول مما تقدم إن تلك الإشكالية لا تكمن فقط في الخطاب، لأن الخطاب هو مجرد معبّر عن الفكر. وهي لا تكمن فقط في الفكر، لأن الفكر هو نتاج مصادره، والمنهج المولّد له. وعليه لا بد من القول إن تلك الإشكالية، وذاك الخلل، ينبعان من التراث، ومصادره، ومنابعه، والمنهج المستمد منها، وصولاً إلى الفكر، والوعي، والثقافة. وانتهاءً بالخطاب، وأشكاله التعبيرية عن ذاك الفكر، ومضمونه.
من هنا، لا بد من الاعتراف بأن تلك الأزمة هي أزمة بنيوية، وشاملة. ولن يكون من الصحيح حصرها في الخطاب فقط، وإنما هي أبعد من ذلك. وتشمل جميع حلقات المنظومة المعرفية، التي تحمل ذلك الخلل، وتشوهاته التراثية، والتواءاته المنهجية.
ولذلك إن قيل هناك خفوت في حضور مقولة العدالة في الخطاب الديني، أو هناك ضعف فيه؛ فهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن الأزمة ليست فقط أزمة خطاب.
وإن قيل بأن هناك ضعفاً ما، أو نقصاً ما، في حضور تلك المقولة في الوعي، أو الفكر؛ فهذا أيضاً صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن الأزمة تتعدى الفكر، والوعي، إلى منابع الفكر، ومصادر الوعي، والمنهج، وأدواته المعرفية. ولذلك ينبغي القول، إن الخطاب الديني ــ في أغلبه ــ يفتقر إلى حضور فعّال وقوي لمقولة العدالة ومعانيها، ويعاني من نقصٍ حادٍ في القدرة على تسييلها، وتطبيقها، واجتراح تجلّياتها، ومصاديقها. وهذا يعود إلى مشكلة منظومية، أو إلى أزمة بنيوية، تتجاوز الخطاب، وتفوق قدرته على المعالجة، والحلّ، والإصلاح.
ما الذي ترتب على ذلك الخلل البنيوي، وعلى عطالة التراث تلك، وعقمه؟
إن جملة من النتائج قد ترتبت على ذاك الخلل، لعلّ من أهمها، أو منها، أن الاجتماع الديني ــ في العديد من نماذجه – قد أضحى أكثر نجاحاً في العمل الدعوي، أو في النشاط الاحتفالي (الشعائري)، أو في ميدان التدافع والفعل العسكري... لكنّه أصبح أقل نجاحاً - ولربما بمسافات ودرجات- في إقامة الاجتماع الإنساني على أساس من العدالة، وفي بناء الدول والمجتمعات بشكل عادل، وفي تقديم نماذج حضارية أو مدنية، تتميّز بقدرتها على محاكاة القيم الإسلامية الأساسية، وفي قلبها العدالة، والتعبير الفعّال عنها، وفي القدرة على اجتراح حلول لمجمل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية القائمة، من خلال الاتكاء على تلك المعاني الصافية للعدالة وقيمها، وفي إمكانية استخراج تطبيقات أصيلة لتلك المعاني والقيم، يُعمل على تسييلها في مختلف مجالات الاجتماع الإنساني، وشؤونه، وقضاياه.

5- الخاتمة، الحل والتوصيات:

في الخلاصة هناك أزمة بنيويّة ومزمنة في مجمل المنظومة المعرفية الدينية، انعكست على الخطاب الديني، وظهرت في مفرداته، وفي السياسات والرؤى المنبثقة عن تلك المنظومة. ولهذه الأزمة أسبابها العديدة، ونتائجها المختلفة... لكن السؤال المطروح هو التالي: هل مستوى الأزمة قد وصل الى درجة، لم يعد هناك من مجال للحديث عن فرصة للحلّ، أو العلاج، أو الإصلاح، أم أنه يوجد ما يمكن الانطلاق منه، والاتكاء عليه، في تلك المعالجة، وذاك الإصلاح؟
يمكن القول إنه وعلى الرغم من وجود معوقات هائلة في التراث والوعي والثقافة، لكنه في المقابل هناك ما يمكن الاعتماد عليه، لإعطاء مقولة العدالة حقّها في الحضور، والفعل، والتطبيق، ولاستعادة محوريّتها في الوعي، والفكر، والثقافة، وصولاً إلى إعادة بناء مختلف مجالات اجتماعنا الإنساني على أساس من تلك المقولة، وقيمها.
وعليه إن كان الاعتقاد بأن ما ينبغي أن يكون عليه الهدف الأساس للأديان ــ وخصوصاً الإسلام ــ، وأحزابها، وحركاتها، ومشاريعها، وبرامجها، وسياساتها؛ هو إعادة إحياء مقولة العدالة، بل إعادة إحياء وعينا، واجتماعنا، ومجمل شؤوننا بهذه المقولة، ومعانيها؛ فلا بدّ حينها من الإلفات إلى ما يلي من خطوات منهجية، ومعرفية، وثقافية، وتربوية، قد تشكّل منطلقاً في هذا المجال:
أ- ضرورة العودة إلى المصادر الأم للدين، أي القرآن الكريم، والسنّة الصحيحة، والموثوقة فيما جاء عن النبي (ص)، وأهل بيته (ع) ومدرستهم.
ب- تجاوز مجمل مساحات التراث السلطاني، الذي تلّوث بالكثير من التشوّهات، وحوى العديد من الالتواءات بفعل فساد السلطة وتغوّلها، واحتلالها لمقولاته، ونصوصه، من خلال ما ابتدعه فقهاء السلطان، واجترحه يراعهم.
ت- إعادة بناء أصالة المنهج، وأدواته المعرفية، بعيداً عن ذلك التراث السلطاني، وتلوّثه المعرفي، والتوائه المنهجي.
ث- إعمال هذا المنهج الجديد في تفكيك معيقات التراث، ومعالجة عقمه المعرفي، وإزالة جميع الموانع، التي تحول دون تسييله، وإنزاله الى الطبقات الدنيا في الوعي، والسلوك، والممارسة.
ج- إعادة إنتاج فهم جديد في الوعي، والفكر، والثقافة، من خلال توظيف ذلك المنهج الجديد والأصيل في قراءة النصوص الأصلية، التي لم يصلها عبث السلطة، ولم يصل إليها فساد السلطان، وتلوّثه المعرفي، بعيداً عن أي تأويل سلطاني، أو لاهوت سلطوي، أنتجته أكثر من سلطة في التاريخ، وألبسته لباس القداسة، وأقحمته عنوةً في التراث.
ح- إعادة إحياء مقولة العدالة، والعمل على ذلك بقوّة وفعاليّة، من خلال إدراجها في برامج، ومناهج مختلف المؤسسات البحثية، والفكرية، والأكاديمية، والتربوية.
خ- لعلّ من أهم ما يمكن أن يُعمل عليه في الإطار الآنف الذّكر، هو إعداد مناهج تربوية، وبرامج عملية، بهدف التربية على العدالة، ومفرداتها.
د- إطلاق العنان للمجال المعرفي للعدالة، باعتبار كونها مقولةً عابرةً لمختلف المجالات المعرفية، والعملية من اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وإدارية، ومالية، وتربوية، وذلك لتستعيد حضورها في مختلف تلك الميادين، والمجالات، فضلاً عن المنهج وأدواته، والتراث ونصوصه، والوعي وثقافته، وصولاً إلى الخطاب ومضامينه.
هنا يستقيم الخطاب، ويستعيد عافيته، بحضور العدالة ومعانيها فيه. وذلك عندما تستقيم المرتكزات الفكرية والمنهجية المؤسسة لذاك الخطاب، وتستعيد سلامتها المعرفية. وهذا يحصل عندما تتطهّر من تشوهات السلطة، وتتحرر من احتلالها المعرفي للوعي، والدين، والتأويل.
* أستاذ جامعي