منذ أن اخترتُ عنوان «تغيّر خطاب» («تحليل خطاب»، وليس «تحليل مضمون») «حزب الله»، أُثيرت أسئلةٌ واعتراضات كثيرة من قِبَل مهتمين (متخصصين وغيرهم) حول مدى التغيّر، أو «التطور» كما فَضّل البعض، في هذا الخطاب.


(Progress not Change). وقد صَدَر بيان رسمي من قبل الحزب، قبل ساعتين من حفل توقيعه في قصر الأونيسكو في تشرين الثاني الماضي، وربما للمرة الأولى في حق كتاب، حول عدم علاقة الحزب به. شهد الحفل مشاركة كثيفة ومتنوعة بحيث نفدت النسخ، ونقاشاً غنياً، خلاله وبعده، هو المطلوب في زمن كثرة الشكاوى من تراجع الثقافة.
الكتاب في أساسه أطروحة في جامعة أميركية عام 2008، وخضعت لمناقشة مستفيضة. لذلك، هي تتوافق مع المعايير الأكاديمية، وليست عملاً صحافياً أو نقداً سياسياً. فيجب أن يكون مستوى التقييم صادراً عن قارئ يملك خلفية أكاديمية بالأساس. وعندما كان التوجه لنشرها في كتاب، كان هناك توقّف عند التعديلات المطلوبة في كتاب، ومدى استجابة جزء من الجمهور لكتاب باللغة الإنكليزية. الدافع الأساس للنشر كان خلو المكتبات من كتاب أكاديمي ممنهج حول خطاب «حزب الله»، ويوجد هنا فراغ لم يُملأ تماماً. فهو بغنى عن الحاجة الى مناقشة الناطقين باللغة الإنكليزية حول ما في خطاب الحزب من مضامين ورموز. وليس غائباً عن ذهن القراء أن الدراسات الوثائقية التحليلية لا تنتج بالضرورة حقائق صادمة جديدة، بل استنتاجات دقيقة وحساسة.
في الكتاب جهد منهجي مكثّف (الفصل الأول)، حيث يتناول النظريات الثماني في تحليل الخطاب (DA)
وتطبيقاته، على 160 نصاً مختاراً، من بين آلاف الصفحات، وهو ما قد يصعّب على القارئ غير المتخصص تقييمه. في الحقيقة، يتميّز الكتاب بشرح نظريات التحليل ومناهج أخرى بين الصفحات 14 و37، كما يمكن لأي قارئ على صلة
باللغة الانكليزية، مثلاً، قراءة الفصل الثالث، حول «الرسالة المفتوحة»، وتحليلها وفق نظريات
(International Sociolinguistic, Ethnography of Communication & Foucaultian Approach).


الكتاب موجه لشريحة القارئين بالإنكليزية ممن لا تتوفر بين أيديهم مادة موضوعية عن «حزب الله»

أما استخدام «الملفوظات»، فكان جزءاً أصيلاً من التحليل
(Lexical Choices) وهذا ظاهر في الكتاب، كما كان واضحاً البحث المكثّف حول المتغيرات المستقلة
(Independent Variables) وفق منهج التحليل السياسي الحديث، بمراحله الخمس
بالأساس، كان العرض أن تنشره دار أميركية، لكن بسبب طول مدة الإجراءات المطلوبة، تم اختيار دار هي الأوسع انتشاراً في بيئتها اليوم. وقد اطلعتُ على كل الكتب التي ألّفت عن «حزب الله» بالإنكليزية (وغيرها).
ولاحظتُ أنها تنقسم، بأغلبها، إلى ثلاثة أقسام: سطحي، أو ذو خلفية مغرضة، أو دعائي. أستطيع الادعاء بأن الكتاب كان متشدداً في موضوعيته، كما أنه أثار استحساناً أو نقداً وصلت أصداؤه إلى مؤسسات دولية وأجنبية.
أما أن تَستيقظ صباحاً لتجد في الصحيفة مقالاً (فادي يونس: تحليل خطاب حزب الله بين العنوان والمحتوى)
يرد فيه أنك قلتَ أشياء لم تقلها، فهو أمرٌ لطيف ولا شك. اكتشفتُ من خلال المقال أنني كتبتُ عن «تخلّي الحزب عن حلم الدولة الإسلامية»، أو «امتنع الحزب عن توجيه أيّ نقد للإدارة السورية للبنان»، البحث جارٍ في كتابي عن مكان هاتَين الملاحظتَين. وإنْ كان «المقال» عبارة عن انطباعات عامة لقراءة متسرّعة، فهناك «استدلال» وحيد حول عرض الكتاب «لأسباب صعود العامل الطائفي الإسلامي بشكل مجتزأ ومنقوص» (صفحة 52)، فهو كان، بوضوح، عرضاً للعوامل المؤسّسة للسلوك السياسي، وليس الطائفي، عند الشيعة اللبنانيين، وهذا جلي في النص، وعنوانه «Patterns of Orientation to Political Action»، أي أن الناقد اكتفى بقراءة عابرة للنص.
السؤال «لمن وُجِّهَ الكتاب؟» سؤال جيد. وُجّه لشريحة القارئين باللغة الإنكليزية ممن لا تتوفر بين أيديهم مادة موضوعية عن «حزب الله» من خلال خطابه هو، وليس بالإسقاط عليه، ومقتضى الموضوعية عرض الأمور كما هي بلا تحيز، فاشتمل الكتاب على نصوص ربما يُعرض بعضها للمرة الأولى، وهي التي كانت تستأهل الإشارة إليها في النقد بالأولوية. وهذا التحليل المحيط (360 درجة)، والمنهجي، برغم كونه مركّزاً، هو الجديد الذي يقدمه الكتاب.
Hezbollah: Change of Discourse. Beirut: Dar Al Mahajja, 2016. Print.
* كاتب لبناني