تبدأ الخطوة الأولى لفهم ثلاثية فرويد عبر استيعاب الجدل في حقيقة أن الإيد والسوبر إيغو هما شيء واحد. السوبر إيغو هو بالفعل قوة أمر خارجي تحرك الإنسان، ولكن بعكس الفكرة البسيطة، فإن هذه القوة ليست قوة أمر أخلاقي جيدة، بل هي قوة عشوائية تأمر الإنسان بلا محتوى.


هو ليس عاملاً يتكون بغرض تحويل الإنسان إلى مخلوق أخلاقي، هو عامل أمر مبهم موجود أصلاً كجزء من «الغريزة» الإنسانية أو الإيد. يمكن ملاحظة ذلك في حقيقة أن أوامر السوبر إيغو هي أوامر لا يمكن إيفاؤها، هي أوامر تجعلك تشعر بالذنب أكثر كلما امتثلت لها.
وهي أوامر غير أخلاقية وغير مفسرة بالمحصلة. في الفيلم «سنة سعيدة» (A good year) يواجه راسل كرو، وهو يؤدي دور موظف مرموق في إحدى المؤسسات المالية، سؤالاً بسيطاً حول السبب الذي يجعله يواصل المهنة التي لا تتيح له أي مجال لعيش حياة سعيدة. عندما يقرر أنه سيترك هذه المهنة ليعيش مع حبيبة تعرّف عليها في الريف الفرنسي، يذهب كرو إلى ربّ العمل الذي يضع نسخة من إحدى لوحات فان غوغ على مكتبه، ليقدم استقالته؛ يسأله كرو عن اللوحة الأصلية فيخبره المدير بأنه يحتفظ بها في المنزل، فيسأله كرو: متى تجد الوقت لتنظر إلى اللوحة الأصلية؟ هذا السؤال يدهش المدير. يستطيع المرء أن يتخيّل بسهولة هذا النوع من التساؤل البسيط وهو يحيّر الكثير من اللاهثين خلف «النجاح» أو «تحقيق الذات» أو «الشهرة»... إلخ. ما يحرك هذا النشاط اللانهائي هو التزام شبه أخلاقي (بمعنى أنه لا تحركه منفعة واضحة، ويؤدي أحياناً إلى تعاسة الإنسان) قاهر ولكنه غير مفهوم وغير واضح. ويأتي معه دائماً شعور بالفراغ الداخلي وإحساس بالذنب (لذلك فإن هذا النمط من الحياة يرافقه دائماً تدين «روحاني» مفرغ من أي أخلاق وغرضه توفير راحة نفسية فقط. ممارسات التأمل البوذية أصبحت رائجة هذه الأيام). هذه الحركة يدفعها السوبر إيغو بأوامره اللانهائية. و كما هو واضح، فإن هذه الحركة هي حركة غريزية وليست أخلاقية، أو بصورة أكثر دقة، فإنها تشير إلى الأساس الغرائزي للأخلاق الإنسانية نفسها.
وإن كانت الوحدة الجدلية بين السوبر إيغو والإيد تشير إلى الأساس «الخام» للنفس الإنسانية، فإن الإيغو يمثل المقابل الذي يتشكل عبر تحول الإنسان إلى مخلوق رمزي، داخل اللغة والتفكير. ولفهم الإيغو فإن علينا أن نفهمه داخل تعقيدات التفكير، وهنا سيكون المثلث اللاكاني مفيداً 1.
لشرح الخليط الذي يتكون الإيغو منه، قام لاكان بتقسيم العالم النفسي إلى ثلاث وحدات:
ــ الخيالي Imaginary: هذه الوحدة تمثل قدرة الإنسان على «تخيّل نفسه». بصورة عامة، فإن الصورة التي يراها الإنسان عن الواقع هي صورة خيالية وليست حقيقية. على سبيل المثال، إذا جلس أحدهم إلى جوارك فأنت ستستثني تلقائياً من صورته حقيقة أنه توجد في داخله سوائل مقرفة وهي تخرج منه (هذا بشكل أساسي، في الواقع فإننا نستثني ونضيف أشياء كثيرة جداً تصل إلى العِرق والطبقة، وأحياناً فإننا نضيف إلى الشخص جمالاً وذكاءً هما غير موجودين، فقط لأننا نحبه)، هذه الصورة هي صورة خيالية. وتماماً مثل هذه الصورة، فإننا نخلق صورتنا عن نفسنا. ولذلك فإن للإيغو دائماً أساساً خيالياً.
ــ الرمزي Symbolic: هذا الفضاء، وكما شرحنا سابقاً، هو فضاء اللغة والمعنى الذي يتكون نتيجة الاتصال مع الآخرين. وعبر تكوّن هذا الفضاء، فإن الإيغو (الإنسان) ينفصل عن نفسه. بدخول الإنسان في فضاء المعنى فإنه يتحول تلقائياً إلى مخلوق يوجد جزء منه خارج ذاته المباشرة. وكأن الإنسان يصنع فضاء المعنى في البداية عبر قدرته على التفكير، ثم يبدأ فضاء المعنى بالتفكير بالنيابة عنه. إذا تشكل واقع المعنى بالنسبة إليك على قاعدة أن السرقة هي أمر سيّئ، فإنك حال ارتكابك لفعل السرقة ستشعر بالذنب، حتى وإن كانت هذه السرقة مفيدة بالنسبة إليك. شيء ما فيك سيكون موجوداً هناك في فضاء المعنى وسيجعلك تشعر بالذنب.
يختبر البشر هذا الانفصال في داخلهم في تجربة تحدّث المرء مع نفسه، مع ضميره (يجب عدم الخلط بين الضمير كشعور وكصواب... الجزء الرمزي في الضمير هو الجزء المنطقي البارد، أما الشعور فهو ينتمي إلى الخيالي. أنت تستطيع أن تستعمل مشاعرك لخداع نفسك، لكن المنطق والصواب موجودان في الخارج دائماً، إن لم نقل كحقيقة فعلى الأقل هما موجودان في «موقع» الحقيقة، وهو الفضاء الرمزي).
ــ الحقيقي The Real: يعرّف لاكان «الحقيقي» بأنه ذلك الذي لا يمكن احتواؤه داخل فضاء المعنى. يمكن بسهولة ملاحظة العلاقة بين هذا التعريف والفكرة الكانطية المعروفة والقائلة: هنالك دائماً «شيء في ذاته» يبقى دائماً خارج قدرة الإنسان على الإدراك. هنا يمكننا القول إن السوبر إيغو كأمر أخلاقي غريزي هو جزء من «الحقيقي» كما هو واضح وليس جزءاً من «الرمزي» كما هو شائع.


ما هي التبعات السياسية العملية لمثل هذه القراءة للشخصية الحديثة؟

كيف يدخل الإنسان بشكل كامل في فضاء المعنى؟ الإجابة المفصّلة عن هذا السؤال تتطلب حديثاً طويلاً عن مرحلة الطفولة ودور القانون الذي يمثله «الأب» في تكوّن الفكرة الأساسية لدى الطفل بأن هنالك فضاءً يحكم الجميع، بما فيه الأم والأب، وبالتالي فإن الطفل لا يختبر القانون كشيء قاهر بل كشيء محرر، القانون هو مرجعية تحكم حتى السلطة «الأب/ الأم» نفسها 2.
لكن، ولغرض التبسيط، فإنه يمكن القول بصورة عامة إن ما يقوم به الفضاء الرمزي هو توفير الأساس الخارجي الضروري لتكون الهوية، الأساس الذي يجعل للإنسان قدرة السيطرة على الغريزة، إن كان في شكلها «الإيد» أو في شكلها «السوبر إيغو». وعبر الفضاء الرمزي، فإن الإنسان يتحرر من هذه الغرائز عبر قدرته على التفكير. هنا يمكننا أن نشير إلى الحكمة القديمة بأن «الكتب» و«القراءة» تحرر الإنسان. أن هنالك «تنويراً» ما يأتي مع التفكير. القانون الغرائزي يتحول عبر الدخول في الفضاء الرمزي إلى «قانون داخلي».
وبهذا يمكننا أن نعطي النرجسية تعريفاً؛ هي حالة عدم نضج سببها غياب القدرة لدى الإنسان على تقبّل أنه كائن موجود داخل فضاء معنى. بهذه الإشارة إلى الفضاء الرمزي يمكننا أن نفهم النرجسية خارج تناقض الإيغو المتضخّم الضعيف. سبب ابتلاع النرجسي لكل الأشياء في الخارج هو أنه يدرك الأشياء كلها داخل الفضاء الخيالي، لذلك فهو بالفعل إنسان لا يرى أي شيء إلا عبر مخيلته. وسبب عدم قدرة النرجسي على التواصل والارتباط الأصيل مع الآخرين هو أن هذا التواصل هو تواصل رمزي بالتعريف، والنرجسي لا يؤمن بهذا النوع من التواصل. يمكننا أن نفسر العديد من الأشياء، ولكنني سأكتفي بهذه الإشارة البسيطة: سبب عدم قدرة النرجسي على الحزن هو أن الحزن طقس رمزي بالتعريف. تذكر مثلاً أن الواحد منا يقدر فقط على تجاوز صدمة الفقد والتحول إلى الحزن عندما يقوم بحركة رمزية تجعله يضع الفقد في مكان معين داخل الفضاء الرمزي، كأن يذهب إلى قبر الميت ويضع باقة من الزهور، هذه الباقة ليس لها أي تفسير عملي، كل ما تقوم به هو الإشارة رمزياً لفكرة أن الآخر قد رحل وأننا قبلنا هذا الرحيل. بعد وضع الباقة على القبر سيكون بمقدور الشخص أن يبكي منفّساً عن نفسه. مثل هذه الطقوس الرمزية هي طقوس غريبة على الشخص النرجسي، وسيسخر منها في الغالب بتهكميّته المعروفة.
أخيراً، يمكننا الإشارة إلى عبارة لاكان «في المجتمع الحديث فإن الفرد العادي هو فرد مختل عقلياً» وأخذها بكامل الجدية. يعرّف لاكان الذهان Psychosis بأنه غياب القدرة على الدخول في الفضاء الرمزي. ما يميّز الفرد المختل عقلياً عنّا هو أنه يتحرك في فضاء رمزي مختلف. لذلك فهو لا يفهم لغتنا. النرجسي أيضاً، بمعنى من المعاني، هو شخص مختل عقلياً، لأنه لا يستطيع أن يفهم أن اللغة والرموز هي أمور جدية. دائماً كانت تحيّرني الكيفية التي يستطيع بها بعض الناس تجاهل الحقائق وتكوين سرديات بدائية بليدة والتمسك بها. تشعر في بعض الأحيان بالحيرة وأنت تتحدث مع أحدهم وهو يرفض القواعد البسيطة للمنطق، فقط لأنه «يريد» ذلك. في المجتمعات الحديثة، فإن هذا النوع من «الجنون» هو أمر عادي، ما تريده الذات النرجسية من حقائق ستحصل عليه.
وأعتقد أنه لا داعي للقول إن هذا النمط من الذاتية هو نمط غير فردي بامتياز. الفردانية الحقيقية، كما هو واضح، تبدأ من التزام رمزي. مثلاً، يعرّف آلان باديو «الذات»، بأنها نتاج التزام تجاه «حقيقة» ما. وهو يعرّف الحقيقة بأنها ذلك الشيء الذي يمكن إضافته إلى الواقع. هو شيء حقيقي وغير واقعي، لأنه في الوقت نفسه ليس جزءاً من الواقع ولكن يمكن إضافته إلى الواقع، التغير السياسي الجذري مثلاً، أو الإنتاج الفني، أو الاكتشاف العلمي، أو الحب. يمكن القول إن هذه الحقائق هي حقائق رمزية، وبالتالي فهي حقائق خارج مجال البحث النرجسي، وأصبحت بالتالي أموراً رومانسية تركها الفرد الحديث العملي الذي يبحث عن المال فقط.
ما هي التبعات السياسية العملية لمثل هذه القراءة للشخصية الحديثة؟ أعتقد أن الأمر واضح؛ على الحركة السياسية الجذرية أن تبدأ من نقطة التمسك بفضاء المعنى. المشكلة في العزلة التي يشتكي منها اليساريون هي ليست في العزلة، بل في أنهم يشتكون منها.
العزلة داخل فضاء المعنى، داخل الحقيقة (مثلاً الحقيقة هي أن الصراع الاجتماعي هو صراع مادي طبقي) هي عزلة يجب الحفاظ عليها، لأنها هي الطريق نحو تحويل الحركة الجذرية إلى حركة شعبية لها قبول.
من دون تحول الحركة الجذرية إلى حركة رمزية تستعمل فضاء المعنى (الثقافة والأخلاق والنقاش العلمي والحقائق) بجدية، فإن هذه الحركة ستتحطم داخلياً وبصورة مستمرة عبر المشاكسات النرجسية بين أعضائها (تتماسك بقية الحركات إما بالمصالح المباشرة أو بتديّن أصولي أو بوجود نزعات عنصرية بدائية. هذه الأمور غير متوافرة في الحركة اليسارية الجذرية). وبالتالي فإنها ستبقى معزولة عن الناس، رغم تخليها عن كل أسباب عزلتها (اليوم هنالك يسار غير يساري، تخلى عن كل أسباب كونه يساراً «بداية بالتخلي عن أسمائه ورموزه»، ولكنه معزول عن الناس أيضاً).
الأمر الآخر الذي علينا ملاحظته هو أنه في عالم اليوم النرجسي، فإن الحقيقة نفسها لها موقع «بروليتاري». إن عرفنا البروليتاريا على أنها الجزء الذي ليس له مكان في المجتمع؛ فالمثقف الحقيقي هو بالتعريف فرد بروليتاري، لأنه في موقع عداوة مع النظام فقط لأنه يريد أن يتحدث الحقيقة. هذا النوع من التحالف مع الطبقات القاعدية، التحالف الذي لا يبنى على تنازل المثقف عن منتجه الثقافي بل على تمسكه المضاعف به، هو فن غائب هذه الأيام.
بدلاً من محاولة بناء «الحزب» في داخل الشعب (بالمعنى الشعبوي النضالي البسيط الرائج)، المحاولة التي ستنتهي دائماً بالفشل والتذمر من عدم قبول الناس لنا، علينا أن نبني الحزب أولاً داخل فضاء المعنى، وأن نصنع ثانياً الكوادر الملتزمين بهذا الفضاء، مهما كان عددهم قليلاً. هذا هو الدرس الأساسي للحزب الشيوعي السوداني؛ انهار عندما اعتقد أن السياسة يمكن أن تدار حسب النزعات الآنية للسياسيين الضحلي الفكر. بلا ثقافة ولا مثقفين 3.
هوامش:
1- لشرح مفصّل للمثلث اللاكاني يمكن مشاهدة محاضرة سلافوي جيجك The Reality of the Virtual، وهي متوافرة على موقع يوتيوب.
2- يمكن العودة إلى ورقة جيجك الآنفة الذكر.
3- راجع رسالة عبدالله علي إبراهيم إلى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني، والمعنونة بعنوان «المثقف والحزب»، على موقع سودانايل الإلكتروني.
* كاتب سوداني