من أخطر أسباب تخلُّف العمل السياسي (وتخلُّف بلادنا) أننا لا نحترم الدستور. نحن نتذكَّره فقط إذا كان ذلك يخدم مصالحنا الخاصة. ويكون استحضار الدستور، بالضرورة، عبر ممارسة انتقائية، مجتزأة وفئوية.


مناسبة هذا الكلام الآن، وهو، عموماً، لا يحتاج إلى مناسبة بسبب إدمان حكامنا على عدم احترام الدستور، هي لجوء الرئيس ميشال عون إلى تعطيل جلسة مجلس النواب التي كانت ستنعقد قبل ١٠ أيام، والتي كانت مخصصة للتمديد، مرة جديدة، لمجلس النواب المستمر منذ عام ٢٠٠٩ حتى يومنا هذا. علَّق العماد الرئيس انعقاد جلسات البرلمان لشهرٍ كامل سنداً إلى صلاحية واضحة تنص عليها المادة ٥٩ من الدستور.
من حيث المبدأ، جيِّد أن يعود الرئيس إلى الدستور من أجل تطبيق مادة تمكّنه، بأسلوب شرعي، من تعطيل توجُّه غير شرعي كان يمكن أن ينزلق إليه، مرة جديدة، مجلس النواب، بالتجديد لنفسه ولايةً أو بعض ولاية جديدة. غير أن تطبيق الدستور لا ينبغي أن يتم بشكل استثنائي واستنسابي ومجتزأ و»وقت الحشرة» فقط. الدستور هو القانون الأساسي. تطبيقه واجب، وعدم تطبيقه يضيِّع البوصلة والمرجعية، ويفسح لمبدأ الغلبة ولشريعة الغاب. منذ وقت مبكِّر تنبَّه ونبَّه فيلسوف الحركة والجدلية الأول هيراقليطس (القرن السادس ق. م) إلى أهمية وجود واحترام القانون في حياة الأمم كناظم للعلاقة بين السلطة والمواطن، حين طالب الشعب بأن «يدافع عن القانون كما يدافع عن أسوار المدينة».
لا ينبغي أن يعني ذلك بأن الدساتير محصَّنة ضد التعديل والتبديل، وأنها مناسبة وصالحة لكل الظروف والأزمان. ثمّ أن الدساتير تتضمن، في فلسفة وضعها وفي نصوصها نفسها، آلياتٍ وشروطاً للتعديل والتبديل. ويكون ذلك بسبب التطوير والتجديد، أو بسبب التعبير عن مصالح قوى صاعدة باتت هي التي تمسك بالدفة وباتت قادرة على تكريس أفضليتها في الدستور والقوانين. ليست الدساتير محايدة. لكن تعديلها لا بد من أن يمر بتطبيقها أولاً: تجنباً للفوضى، ومنعاً لاندلاع أزمات مستعصية على غرار ما يحصل في بلدنا، تقريباً، منذ الاستقلال حتى اليوم.
طبعاً نحن نلوك الكثير من الكلام الفارغ بشأن ما نزعمه من التمدن والانتساب إلى العصر وروحه وأساليبه. لكننا، في الواقع نقبع في أسفل قائمة الدّول التي تحترم حقوق الإنسان وتكرس ذلك في قوانينها وتسهر على تطبيقه بشكل فعلي.
أزمة قانون الانتخاب الراهنة هي تعبير صارخ عن مشكلة عدم احترام سلطاتنا المتعاقبة للدستور والقانون، وعن سيادة الفئوية والأنانية في مواقفها وسلوكها: دون حدود أو ضوابط. لا يبدأ البحث في قانون الانتخاب من الموجب الدستوري الذي يحدد ويحكم الجوهري في القانون العتيد. ما يوجِّه البحث في القانون موضوع التجاذب والصراع هو المصالح الخاصة والفئويات الجامحة أبداً، من دورة إلى دورة، بغية تفصيل المشروع الجديد على قياس الحاكمين وبما يجدد سلطتهم وهيمنتهم على مقدرات البلاد ورقاب العباد. ولهذا النقاش المرير بين أطراف السلطة قناع طائفي ومذهبي يزداد استخدامه كوسيلة مخادعة لإضفاء طابع عام على مصالح خاصة ولتأجيج الغرائز والعصبيات خدمة لهذه المصالح والأهداف الفئوية.
في النص الدستوري، أن الطائفية «قيد». ولقد نُظر إليها وصُنفت، منذ حكومة الاستقلال الأولى، حتى دستور «الطائف»، على أن اعتمادها ذو طابع مؤقت. بل إن دستور «الطائف» النافذ حالياً، قد ربط، ضمناً، ما بين الطائفية السياسية والحرب الأهلية. وهو لذلك اعتبر، في مقدمته وبين أبرز بنودها «إلغاء الطائفية السياسية هدفاً أساسياً يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية». لم يكتف النص الدستوري بذلك، بل هو وضع آلياتٍ لتطبيق ذلك الإلغاء في المواد ٢٢ و٢٤، وفي المادة ٩٥ خصوصاً، التي هي آخرة مواد الدستور ومسك خاتمته. تنص المادة ٩٥ دون لَبْس أو مواربة على ما يأتي: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية...». أما مهمة هذه الهيئة، وفق ما تستطرد المادة ٩٥ المذكورة، فهي «دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية».
لا داعي للبرهان أن البحث الجاري واحتدام النقاش بشأن قانون الانتخاب يتجاهل كلياً هذا النص الدستوري الملزم. والتجاهل هذا ليس جديداً. وهو لا يقتصر على طرف واحد بل يشمل الجميع. لكن، مسؤولية خاصة يتحملها «التيار الوطني الحر» في تجاهل النص الدستوري، بسبب تماديه العزف على الوتر الطائفي إلى حدود الانقلاب الكامل على النص المذكور، وبسبب موقعه في السلطة، خصوصاً بعد أن أصبح مؤسسه وقائده العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. الأنكى أن الكل يدعي وصلاً بـ»الطائف» وتمسكاً به، وذلك يدخل، طبعاً، في نطاق ما درجت عليه السياسة التقليدية اللبنانية من النفاق والابتذال. «الطائف» أُقر وأُدخلت بنوده الدستور بعد حرب أهلية مديدة أدمت ودمرت. والجميع على المحك الآن لجهة عدم المجازفة بتجديد الانقسام ودفعه إلى حدود قد تتعذر السيطرة عليها في ظروف إقليمية مشتعلة بالتطرف والتمذهب والتدخل الخارجي المقرون بالغزو وتشجيع الاحتراب والتدمير...
طبيعي أن تتجه الأنظار إلى رئيس الجمهورية الذي أكد على الالتزام الكامل بتطبيق الدستور وأقسم، حسب الموجب الدستوري، على ذلك. ويطرح السؤال، هنا: هل أن الرئيس الذي استخدم المادة ٥٩ من الدستور، سيواصل العودة إلى ما كان يسميه الرئيس الإصلاحي الراحل فؤاد شهاب بـ»الكتاب»، ليصل، في الوقت المناسب، إلى المادة ٩٥ من الدستور، ويرفع البطاقة الحمراء في وجه الجميع، وخصوصاً في وجه قادة حزبه السياسي؟! هذه أمنية تبدو بعيدة المنال الآن، لكنها المخرج الوحيد من «العصفورية» الدائرة والتي قد تنتهي بأزمة وطنية مخيفة في ظروف الحريق الذي يلتهم الأخضر واليابس في هذه المنقطة المنكوبة من العالم.
إذا لم يفعل الرئيس ذلك فإنه سيتحمل مسؤولية جسيمة عما ستؤول إليه الأمور من مخاطر وتدهور، هذا فضلاً، طبعاً، عن مخالفة صريحة للدستور، ينبغي أن يحاسب عليها الضمير قبل القانون والتاريخ.
لقد ربط العونيون في احتفالاتهم ببلوغ رئيسهم سدة الرئاسة ما بين ١٣ و٣١ تشرين. هل ثمة أمل بأن يكون تطبيق المادة ٥٩ مقدمة لتطبيق المادة ٩٥؟! لا إصلاح ولا تغيير حقيقيين من دون ذلك، ولكي يكون لبنان فعلاً، وطن الحرية والتنوع والانفتاح والمقاومة لا ليصبح بؤرة تعصب وانقسام وتوترات ستكون وبالاً على الجميع!
* كاتب وسياسي لبناني