لا يبدو أن الوجبة الثقيلة التي تخترق سمع اللبناني ونظره، وتساهم بصناعة وعيه بين السابعة والتاسعة مساء كل يوم، معدّة من مكونات لبنانية خالصة. فوكالات الأنباء الأجنبية ومحركات البحث على الانترنت تشكل المكوّن الرئيس لمحتوى الطبق الإخباري، أما المضمون فموزع على نسبة عالية للأخبار السياسية مقابل انهيار في نسبة أخبار الثقافة والمجتمع وتأرجح في نسبة التحقيقات الخاصة.

قد تكون علاقة الجمهور اللبناني بالأخبار من الغرابة والفرادة ما يستدعي البحث فيها، لا سيما في ظلّ ما يمكن وصفه بـ«هوس» اللبنانيين بنشرات الأخبار والإقبال عليها بنسب تصل إلى ذروة المشاهدة في فترة المساء التي تبث خلالها قنوات التلفزة اللبنانية نشراتها الرئيسة.

والسؤال الأساس الذي يُطرح في هذا المجال: إذا كان اللبناني قد أُخذ في راهنه وأشهره الآفلة بفورة الغذاء غير المطابق للمواصفات، فهل ما يُقبل على تلقفه بنهم من أخبار يومية مطابق للمواصفات؟

طغيان المضمون السياسي
يمكن أن يشير إلى الدور الذي تؤديه هذه القنوات

هل يعرف جميع متلقي الأخبار كيف يعد محرّرو النشرات الإخبارية أخبارهم؟ وكيف ومن أين يستقون معلوماتهم؟ وما هي المادة التي يتم تقديمها شكلاً ومضموناً؟ وما هو حجم الأخبار وتقارير التغطية مقارنة بالتحقيقات الخاصة؟ وما هو حجم المضمون السياسي مقارنة بالاجتماعي والثقافي؟ إلخ.
هذا ما حاولنا الإجابة عنه في دراسة أكاديمية، تناولت سلوك البحث عن المعلومات والمصادر التي يستخدمها الصحافيون العاملون في قنوات التلفزة اللبنانية الثماني التي تحمل ترخيص فئة أولى. إذ شرحت هذه الدراسة طريقة بحث الصحافيين عن المعلومات لإعادة بثها عبر التلفزيون، والسلوك الذي يتحلون به خلال عمليه بحثهم هذه، وما هي مصادر المعلومات المتاحة لهم، فضلاً عن تأثير عدد من المواصفات الديمغرافية للأشخاص الباحثين عن المعلومات كالعمر والجنس والتخصّص الدراسي وعدد سنوات الخبرة وحتى المؤسسة التي يعملون فيها.
ولأن هدف الصحافي هو إعداد نشرات الأخبار المسائية فلا بد من الاطلاع على محتواها، لذلك جرى اختيار خمسة أيام متتالية على مدى ثلاثة أشهر لمشاهدة نشرات الأخبار الثماني. حصيلة المشاهدة 120 نشرة إخبارية موزعة بالتساوي بين التلفزيونات الثمانية، ما يوازي 4800 دقيقة بث إخباري وهي عبارة عن 2739 قطعة إعلامية صُنفت الى قطع حسب الشكل (خبر، تقرير، تحقيق...) وحسب المضمون (سياسة، أمن، قضايا اجتماعية...).

طغيان السياسة

أظهر هذا التصنيف لمحتوى النشرات تواضع الجهد المبذول على مستوى الشكل، إذ يقتصر ما يتم تقديمه من تحقيقات خاصة على 5%، بينما يتم توليف الأخبار والتقارير بنسبة مجتمعة تصل إلى 83%. أما من حيث المضمون فقد طغى المضمون السياسي المحلي من نشاطات وتصريحات بنسبة 43%، الأمن وكل ما له علاقة بالخطف وقطع الطرقات 6%، أما القضايا اجتماعية، وتضم كل ما له علاقة بأمور الناس من ماء وكهرباء ومدارس وصحة واتصالات وبيئة ومطالب نقابية وقضايا المرأة، فكانت نسبتها 9%، ولم تحز الثقافة والتراث والسياحة على أكثر من 1%.
وبما أن مصادر المعلومات المتوفرة في غرف الأخبار، تشكل نقطة الانطلاق للصحافي، محرّر أو مراسل، في عملية بحثه عن المعلومات، فإنه ومن خلال مقابلات مع فاعلين أساسيين في غرف أخبار التلفزيونات الثمانية، تبيّن أن المصادر المتاحة تقتصر على الاتصال بالإنترنت والاشتراك بوكالات الأنباء الأجنبية. وكان الاشتراك بوكالة «رويترز» القاسم المشترك بين غرف الأخبار كافة، ومع «وكالة الصحافة الفرنسية» من قبل سبعة باستثناء NBN، أما وكالة APTN فهي موجودة في كل من الجديد، Mtv، المنار، LBC، المستقبل. في حين لم يحو أي من مباني التلفزيونات الثمانية مكاناً مخصصاً يمكن تسميته مكتبة، سواء بمعناها التقليدي كمجموعة من الكتب المنظمة، أو بما يمكن أن تقدّمه من خدمات المعلومات المتمثلة بالأرقام والإحصاءات والحقائق السريعة المعدّة مسبقاً من مصادر متخصصة لكي يستخدمها الصحافيون عند إعدادهم القطع الإعلامية. فالتجارب العالمية تُظهر تحول أرشيف التلفزيون إلى مركز معلومات يضم مختلف أوعية المعلومات كالكتب والصور الفيديوية والثابتة والتقارير البحثية كما هي الحال في CNN وBBC على المستوى العالمي، وصحيفتي الأهرام المصرية وعكاظ السعودية على المستوى العربي.
واذا كانت التلفزيونات اللبنانية لا تستفيد مما تعده شركات خدمات المعلومات للصحافيين مثل Lexis/Nexis بسبب مضمونها العالمي، فيمكن الاستعانة بما تعده في لبنان كل من مراكز المعلومات الصحافية، ومراكز الدراسات والتوثيق من دراسات إحصائية ونشرات وتقارير متخصصة بموضوعات تهم المتابع المحلي، وتخدم الصحافي في التأسيس لموضوعه بناء على حقائق.

لا وقت للتدقيق؟

يبلغ عدد العاملين في غرف الأخبار الثمانية 122 صحافياً، تم استفتاؤهم جميعاً لكن 76 منهم تجاوبوا. شكّلت الإناث منهم 60% في مقابل 40% للذكور، وهم بالإجمال جيل شاب، 87% منهم دون الأربعين، يحمل 74.67% منهم إجازة جامعية، أما الحائزون إجازة من كلية الإعلام والتوثيق فنسبتهم 54%، ويجيد 60% من مجمل المستفتين ثلاث لغات.
وأظهرت الدراسة أن أول ما يهم هؤلاء الصحافيون هو البحث عن المعلومات السياسية 76%، ومصادر حصولهم على المعلومات هي وكالات الأنباء 52%، ثم محركات البحث 61.11% وبعدها الاتصال بمعنيين في الموضوع 38.89%. واعتبر الصحافيون أن المعيار الأساس لتقييم موقع معلومات على الانترنت هو الجهة التي يتبع لها الموقع بنسبة 35.14%، أما المعلومات التي ترد عبر خدمات الرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي فمن الضروري تدقيقها من وجهة نظر 65.84% من الصحافيين. واذا كان أمراً إيجابياً عدم اعتبار أي من الصحافيين أنه لا يوجد وقت لتدقيق هذا النوع من المعلومات، فإن اعتماد محركات البحث المجانية يفترض أن يكون مبنياً على نسبة عالية من الوعي لتقويم المواقع المعتمدة، كأن تكون مواقع حكومية، مواقع منظمات دولية وكبرى المؤسسات الاعلامية ومراكز الدراسات والأبحاث، وعدم الوقوع في شرك ما يمكن أي ينشره أي شخص على الانترنت لأهداف شخصية أو دعائية معينة مثلاً.

تمايزات جندرية

كما كان لعوامل مثل الجنس والعمر واللغة تأثيراً على سلوك البحث لدى الصحافيين، فمن حيث الجنس مثلاً برز اهتمام الذكور بالمعلومات الأمنية في مقابل اهتمام الإناث بالصحة. أما بالنسبة للفروقات حسب الفئة العمرية فقد كانت بين من هم دون الاربعين ومن هم فوق الاربعين، الفئة الأولى وهي من الجيل الجديد المأخوذ بالتكنولوجيا والخبير في التعاطي معها، تولي أهمية لاستخدام Youtube بينما تبتعد عنه الفئة الثانية التي تولي أهمية للتواصل مع الزملاء كمؤشر على نضج العلاقات الشخصية، والبحث في الأرشيف واستخدام مراكز المعلومات الصحافية، وهي الخدمات التي اعتادوا على الاستفادة منها مع بداية عملهم في مهنة الصحافة.
وعلى مستوى إجادة اللغات الاجنبية، فقد أولى الصحافيون الذين يجيدون أكثر من ثلاث لغات أهمية لاستخدام المكتبة كمصدر للحصول على المعلومات، بينما اعتبر الصحافيون الذين يجيدون لغة واحدة (العربية) أن من معايير تقييم موقع على الإنترنت هو إمكانية تنزيل المعلومات منه ويعود ذلك لمحدودية خيارات الحصول على المعلومات لديهم من مواقع بلغات أجنبية. وعليه فإن الإضافة التي يشكلها الجيل الشاب للتلفزيون لجهة اتقانه لغات عدة وامتلاكه المهارات التكنولوجية، لا تلغي ما تضيفه أيضاً الفئة التي تخطت الأربعين عاماً، بدءاً من نضج علاقاتها الشخصية مع الزملاء وصولاً الى تفضيل واعتماد مصادر معلومات تتحلى بمعايير عالية من الدقة كمراكز المعلومات الصحافية.

خاص... عبر الانترنت!

وقد تمايز الصحافيون في ما بينهم بحسب القناة التي يعملون فيها، فاعتبر إعلاميو «الجديد» أن الدافع الأول للبحث عن المعلومات هو لإعداد التحقيق الخاص بنسبة 90%، وتكتلوا بنسبة 90% تجاه محرّكات البحث كأهم خدمة يؤمنها انترنت. في المقابل أعطى إعلاميو LBC نسبة 26% للتحقيق الخاص كدافع للبحث عن المعلومات، ثم 50% لمحركات البحث المجانية كأهم خدمة يؤمنها انترنت، في ترابط واضح بين أهمية محركات البحث المجانية في إعداد التحقيق الخاص لدى الصحافي.
ومن جهة أولويات البحث حسب المضمون، ظهر تطابق بين اهتمام إعلاميي المنار بأولويتهم للبحث عن المعلومات السياسية بنسبة 100%، وبين ما يتم عرضه على شاشة المنار من قطع سياسية بلغت العدد الأعلى (189) بين القنوات الثمانية أثناء فترة رصد النشرات وتصنيفها. والتطابق نفسه بالنسبة لإعلاميي «الجديد» الذين رأوا أولوية في البحث عن المعلومات السياسية 30%، وبالفعل يتدنى عدد القطع السياسية التي بُثت على شاشتهم والبالغة 113 قطعة جعلتهم في المرتبة السابعة بين القنوات الثمانية. أما الاختلاف بين اهتمام الإعلاميين، وبين التلفزيون الذي يعملون فيه فقد ظهر في LBC، إذ أعطى الإعلاميون فيه نسبة 80% للمعلومات السياسية كأولوية للبحث في حين تم بث 105 قطع فقط، شكّلت العدد الأدنى من القطع السياسية مقارنة بباقي القنوات في الفترة التي تم رصدها وتصنيفها. وهذه الأرقام تدل على قدرة القناة على حرف مسار التوجه والميل الشخصي للصحافي، خدمة لأولويات الشكل والمضمون في التلفزيون، في حال عدم وجود تطابق بين تلك الميول وأجندة التلفزيون كما في LBC.
إن طغيان المضمون السياسي في مؤسسات إعلامية جرت محاصصتها بين السياسيين أصلاً، يمكن أن يشير إلى الدور الذي تلعبه هذه القنوات. ففي ظل الانقسام السياسي الحاد في لبنان، يتسم الخطاب في نشرات الأخبار بالاصطفاف وتصنيف الآخر، ما يهدد السلم الأهلي ويؤجج الصراع لدى الجمهور اللبناني من مختلف الفئات الاجتماعية. فالمقدمة الإخبارية المعبّرة عن توجهات المحطة السياسية من الأوضاع الراهنة، تضاهي ما يتم تقديمه من تحقيقات خاصة، هذه التحقيقات التي لا تقتصر على الشأن الاجتماعي بل تتناول أموراً سياسية أيضاً.
أما بالنسبة لمصادر المعلومات، فاعتماد الصحافيين على وكالات الأنباء الأجنبية، ولو من مكاتبها الإقليمية والمحلية، يكرس نظرية الأحادية في التدفق الخبري من الدول الكبرى. فهذه الوكالات تقوم بنقل أخبار الدول النامية ودول الشمال من وجهة النظر التي تريدها وفقاً لاعتبارات يتداخل فيها المالي بالسياسي. والجهد الإضافي الذي يبذله الصحافي للحصول على المعلومة يُترجم اعتماده على محرّكات البحث المجانية من دون مراكز المعلومات الصحافية أو خدمات قواعد البيانات المدفوعة، في ظل نتائج تظهر غياب أي دور للمؤسسة الإعلامية في تشجيع استخدام هذا النوع من المعلومات، غياب يتجلى بوضوح في عدم تأمين اشتراك بهذه الخدمات وتالياً في عدم تدريب الصحافيين على استخدامها.
وإذا كان لوسائل الإعلام ومنها التلفزيون وظائف متعددة، فإن هذه الوظائف لا تقتصر على نقل الأخبار والأحداث بل تتعداها الى زيادة الثقافة والمعلومات وصولاً الى تكوين اتجاهات جديدة في المجتمعات. فتركيز وسائل الإعلام في لبنان على قضايا من قبيل تشجيع التآلف مع النظام العام، طرح القضايا الاجتماعية، الثقافية والبيئية وترشيد استخدام الموارد المتاحة، يرفع مستوى الجمهور الثقافي من جهة، وينفس احتقانه السياسي من جهة أخرى. ولكن ما سلف من نتائج لا يدل على استفادة وسائل الإعلام اللبنانية من نسب المشاهدة العالية في فترة المساء، للقيام بدور يتخطى الإخبار والإعلام مع إفراط في التسييس!
* طالبة دكتوراه في الإعلام في الجامعة اللبنانية