«(...) كثرٌ انتظروا الضربة الأميركية في آب 2013، وأنا من الناس الذين لو حصلت الضربة لكنتُ رقصتُ في الشارع»، قال بشار حيدر يوم الجمعة خلال الجزء الختامي من ندوة تكريمية للمفكر السوري صادق جلال العظم في الجامعة الأميركية في بيروت.


«ما نوع الرقصة التي كنتَ سترقصها؟» سألنا بفضول الأستاذ المحاضر في قسم الفلسفة في الجامعة نفسها، مقاطعين نقاشه لكل من الباحث السياسي والأستاذ في الجامعة نفسها ربيع بركات والمعارض السوري ثائر ديب، اللذين قدما مداخلتين في الجزء المتعلّق بالتزام العظم السياسي.
استُحدث دور «المناقش» في هذا الجزء من الندوة فقط، لتوقّع الجامعة ربما أن مداخلتَي بركات وديب لن تكونا على «الهوى» السياسي للندوة وما يُنتظر منها، وهو بالفعل ما حدث، حين استطاع كلٌ منهما مساءلة جوانب عدة في البعد السياسي والثقافوي لدى العظم.
لم يُجِب بشار حيدر عن السؤال المذكور. للأسف، لم يتسنَّ لنا معرفة إن كانت الرقصة التي لم تتمّ في حينه (ولا نعرف إذا عاد ورقص ابتهاجاً بالضربة الأميركية قبل أسبوعين)، من نوع الرقصة نفسها التي أدّاها حين دخلت قوات الغزو الأميركي إلى بغداد في آذار 2003.
معروفٌ بشار حيدر بمواقفه، ولا سيما مقالاته التي نظّر من خلالها لاحتلال العراق. سيرته شهيرة مثل العديد من زملائه من مثقفين وأكاديميين عرب، كان غزو العراق محطةً مفصلية سمحت لهم بالمجاهرة بتأييدهم للتدخل الخارجي في بلادهم، وبحسم انتقالهم من ضفّة إلى أخرى، غالباً من اليسار إلى اعتناق الليبرالية وإعلان «نهاية التاريخ» بالنسبة إليهم.
لا جديد في ما عبّر عنه حيدر، فهو دائماً حاضر لتأييد التدخل الغربي في الدول العربية. على سبيل المثال، عبّر الأكاديمي اللبناني عن وجوب التدخّل الغربي في سوريا لأغراض إنسانية، وذلك في ندوةٍ بعنوان «مسؤولية حماية المدنيين: وجهات نظر إقليمية ودولية»، نظّمتها الجامعة الأميركية في نهاية كانون الثاني الماضي. خلالها، قال حيدر إن الليبيين مثلاً «كانوا محظوظين بالتدخل الغربي»، في مقابل عدم إجابته عن سؤال حول اليمن وحال المدنيين فيه.
قبل يومين، عاد حيدر وتطرّق إلى موضوعه الأثير. من قاعة «الكولدج هول»، أكد أنه يعلم أن الغرب «يتدخّل لمصالحه»، لكنّه تساءل «ما المشكلة إذا تقاطعت هذه المصالح مع أهداف الشعوب المظلومة؟». يعلّق الرجل على ما ذكره بركات حول التنبؤات الخاطئة للعظم في سنواته الأخيرة، قائلاً إن «الخطأ في التنبؤ السياسي ليس مشكلة»، لأنه «لا ينفي أخلاقية الموقف وصوابيته». وإذا ما طبّقنا هذه المنهجية على مسألة التدخل التي لم تفارق ردّ حيدر، فيصبح مآل العراق بعد الاحتلال الأميركي، أو ليبيا بعد التدخل العسكري الغربي، أموراً تفصيلية أمام «الموقف الأخلاقي». وكلمة «أخلاقية»، بالمناسبة، ستتكرر كثيراً في كلام صاحبنا الذي كان أقرب إلى عظة منه إلى محاورة أو نقاش.
«أن نخطئ في توقع فوز هيلاري كلينتون لا يعني أن موقفنا من وصولها إلى الرئاسة أمرٌ غير صائب». إذاً، يبدو أن ما يسميه حيدر «موقفاً أخلاقياً» أو الحكم بالصواب والخطأ، هو طريقته للتنصّل من القصور في قراءة المعطيات المادّية. يبدو «الموقف الأخلاقي» في حديثه كالسجّادة التي نُخفي تحتها القذارات، والتي قد تكون في هذا السياق قراءة خاطئة لواقع ما، تجعل من المحتلّ حليفاً وطوقاً للنجاة.
ينطلق حيدر دائماً مما يعتقد أنه مسلّمات. هناك أشرار وأخيار. وطبعاً أميركا في المعسكر الثاني، وليس ضرورياً أن نحصي عدد الحروب الذي شنّته أو الكوارث البشرية التي ارتكبتها، أو عدد ضحاياها في العالم. لماذا نُتعب أنفسنا بهذا الأمر، «إذا كان الموقف الأخلاقي صائباً؟».
يتفق حيدر مع العظم على أن ما يجري في سوريا ليس حرباً أهلية، «لأنه ليس هناك تكافؤ في موازين القوى العسكرية»، ومثاله على ذلك أن «دمشق واللاذقية وطرطوس لا تزال آمنة». يقول حيدر ذلك بنبرة آسفة، ثم يتابع «حتى لديّ أقرباء في البقاع يذهبون إلى دمشق بشكل طبيعي ويسهرون»، أما هذه فيقولها بنبرة من اكتشف للتوّ ديناصوراً على قيد الحياة! أما في استدلاله على عدم تكافؤ القوة، فيدعو الحاضرين إلى بحثٍ صغير على «غوغل» لتبيّن الفرق بين عدد الضحايا في الجانبين.
ينتقل حيدر إلى المسألة الطائفية، في معرض ردّه على النقطة التي أثارها بركات حول «التشخيص الهوياتي» لدى العظم، والتركيز على الهوية الطائفية في التحليل السياسي للأزمة السورية، معتبراً أن هناك «طائفة مظلومة» في سوريا وأخرى «ظالمة»، في إطار ما يسمّيه «العلوية السياسية».
«الجيش علوي في سوريا، وفيه يقاتل الفقراء العلويون ليحموا بشار الأسد لأنهم يخشون رحيله». لم يحصِ حيدر قط عدد الضباط والجنود السنّة في الجيش، حتى إنه لم يستعن بـ«غوغل» لهذا الغرض على ما يبدو.
معتقل سابق في سوريا، كان من بين الحاضرين، رفض الكلام عن «علوية سياسية»، واعتبر أنه يمكن الحديث فقط عن مؤسسة أمنية يمسك بها ضباط علويون. لم يعجب هذا الكلام حيدر كثيراً. فهو يسمح لنفسه بالمزايدة على معتقل سابق، لأن اللغة التي يتكلّم بها طوال الوقت تظهره ممتلكاً «مفاتيح الحقيقة»، في ندوةٍ عن رجل لعلّ أكثر ما يُحسب له في إرثه، هو الحثّ على التشكيك والنقد.
على العكس، يصرّ حيدر على الفهم الهوياتي للحرب. يعترض ثائر ديب في مكان آخر من النقاش على هذه المقاربة، مؤكداً أنه لا يمكن فهم الواقع بهذا الشكل. «يقلّص» حيدر نبرته ليتحدّث عن «حالة علوية»، بعدما كان قد استهلّ حديثه بالتأكيد، بالكثير من الشمولية، على أن «العلوي يظلم السنّي»، بأسلوب يكاد يلامس أدبيات النازية بالحديث عن «روح يهودية»، أو العنصرية البيضاء في تصديق أن هناك «روحاً سوداء» مثلاً.
بالعودة إلى مديح التدخل العسكري، يعجب حيدر من استغراب بعض الناس من تأييد التدخل الخارجي الغربي. يتساءل لماذا هذا التدخل غير مستحب، فيما «ليس هنالك مشكلة في تدخلات أخرى؟». لم يسمِّ التدخل الروسي والإيراني. لكنّ الرجل الذي كان للتوّ يؤكد أن ما يحصل في سوريا ليس حرباً أهلية لأن هناك دولة قوية، لم ينتبه إلى أن التدخلين الآخرين جاءا بطلب من الحكومة السورية، وليس كعدوان ضد مؤسسات الدولة، مهما كان «الموقف الأخلاقي» من هذه الدولة. يعطي مثالاً هنا عن «طلب العراقيين الشيعة تدخلاً أميركياً عام 1991»، في ما يظنّه على ما يبدو رداً مفحماً على من يعترض اليوم على الضربة الأميركية. كشف حيدر، الغارق في الفهم «الهوياتي» للصراعات، أنه يعتبر كل من يعارض تدخلاً غربياً في سوريا «شيعياً» بالضرورة، لذا يصبح مثل كهذا كافياً للمحاججة برأيه.
حسناً، بماذا يفيد هذا الكلام اليوم وسط كل الضجّة الإقليمية المهيمنة؟ وما الجديد في الحديث عن مثقف يبتهج بالسير في طليعة الزفّة يوم تأتي أميركا لقصف بلاده؟
لقد كتب الزميل عامر محسن مرةً عن «الخطوط الحمراء»، وخصوصاً تلك التي بدأ مثقفون عرب بمحاولة طمسها منذ غزو العراق. في السنوات الأخيرة، تشعّبت الوقائع كثيراً في بلادنا، وتكاثرت الفصائل والميليشيات، وجاءت جيوش وأساطيل عدة إلى هذه البلاد. قد يظنّ البعض أن بإمكان هذه الضوضاء أن تغطّي «الخطوط الحمراء» إياها وتمحو أثرها، مثل التمسك بالمقاومة ورفض الغزو والاحتلال، على سبيل المثال، أو أن بإمكانها أن تضيّع معنى «الوطنية» لمصلحة «موقف أخلاقي» ملتبس وغير واضح الأسس ولا المعايير، وقد يصبح هو نفسه باباً للتهليل للغزو.
ما يزال ثابتاً في هذا الإطار، هو أن إسرائيل لا تزال عدوّاً (لسوء حظ البعض)، على الأقل بالنسبة إلى الدولة في سوريا التي تشهد حرباً اليوم. لذلك، إن أدوات التحليل لن تتغيّر في المدى القريب لأنها ستظلّ ترتكز بشكلٍ أساسي على هذه «الخطوط الحمراء»، مهما حاول البعض اجتراح خطاب جديد مقبول عربياً باسم «الأخلاق». إلى حين تغيّر هذا المعطى، بإمكان بشار حيدر أن يرقص طبعاً، ولكن بين هذه الخطوط. ستكون رقصة متعبة لا شك، لكنّ قليلاً من تمارين اللياقة قد يفي بالغرض.