بريطانيا فخورة بتاريخها وبإنجازاتها الاستعمارية، ليس في فلسطين فقط، بل في مختلف أنحاء العالم. لكن وجّه نظرك صوب أي بقعة في المعمورة، ترَ آثار دماء سالت أنهاراً على يد المستعمر البريطاني، ودموعاً لا تتوقف أضحت بحاراً حيث تركت في كل منطقة من العالم مشكلة: الهند وكشمير، وماليزيا وإندونيسيا، وماليزيا وسنغافورة، وبيافرا في نيجيريا، والصهاينة في فلسطين، وفي شرق الأردن وفي العراق، وحاولت الأمر ذاته في ليبيا عبر مشروع «بيفن سفورزا» لتقسيم البلاد إلى ثلاثة أجزاء تنال منها ما كان يعرف بإقليم برقة.


كنا قد كتبنا في هذا المنبر عن تاريخ واشنطن المسكوت عنه، ومن ذلك إقامتها عام 1914 معسكرات اعتقال لليابانيين المقيمين في الولايات المتحدة، وأيضاً لمواطنيها من أصول يابانية، حتى أولئك الذين ولدوا هناك ولم يروا بلدهم الأصلي ولا يعرفون عنه شيئاً، سوى الاسم. حملة الاعتقالات تلك طالت الرجال والنساء والأطفال.
بريطانيا بدورها مارست الأمر ذاته، بوحشيتها المعتادة. وهي ليست وحشية تتميز بها عن غيرها من المستعمرين، بل تماثل سياسات كافة الدول الأوروبية المستعمِرة، والحديث في ذلك يطول. لكننا نودّ هنا الإشارة إلى جريمة مسكوت عنها وبالكاد يعرف عنها بعض الأكاديميين في الغرب، ألا وهي تجارة البشر من ذوي البشرة البيضاء.
موضوع تجارة الحكومة البريطانية بمواطنيها من البشر ذوي البشرة البيضاء لم يُتعامل معه ضمن تاريخ بريطانيا الاستعماري المخزي حقاً، سوى ضمن مجموعة ضيّقة من الأكاديميين. لذا نجد أن المؤلفات والمقالات عن الموضوع، على قلتها، صيغت بلغة أكاديمية.
بعض الأكاديميين رأى أن الحديث عن «العبيد» من ذوي البشرة البيضاء سيؤدي إلى سوء فهم، وتبرير لتجارة «العبيد» البشر من ذوي البشرة السوداء، أي القول إن البشر البيض عانوا معاناة البشر ذوي البشرة السوداء أو السمراء نفسها. هذا كلام غير مقبول إطلاقاً. فثمة حقائق مرعبة في تاريخ الاستعمار البريطاني وجب الخوض فيها، وفضحها وتعريتها وإدراجها في المناهج المدرسية.
نعود إلى الحقيقة الاستعمارية وليس إلى الحقائق البديلة، وفق تعريف اليمين الشعبوي الحاكم في بريطانيا. فبدءاً من القرن الـ17 بدأت الحكومات البريطانية بإرسال حمولات من البشر ذوي البشرة البيضاء للعمل عبيداً في أميركا، واستمر ذلك نحو قرنين من الزمان.
إجمالي عدد المرحّلين للاستعباد في القارة الجديدة قارب نصف مليون نسمة وفق بعض التقديرات، ووضعوا في خدمة ملاك الأراضي ملكاً رسمياً بمعرفة حكومات بريطانيا المتعاقبة.
ما يقارب نصف مليون من البشر، أطفالاً ونساءً ورجالاً، تم شحنهم إلى أميركا الشمالية، لم يصل كثير منهم إلى «أرض الميعاد» الجديدة، حيث قضى عدد منهم في الطريق أضعاف من وصلها سالماً، والرقم الأخير نحو 300 ألف نسمة. البشر قضوا في الرحلة بسبب وحشية المعاملة وسوء الأحوال في سفن الشحن والأمراض التي أصابتهم والأوبئة التي تفشّت بينهم.
لقد أخلت الحكومات البريطانية سجونها من المجرمين والقتلة، وتم جمع الأطفال من الشوارع وأرسلوا إلى القارة الأميركية. كذلك جمعت النساء من المواخير في مختلف أنحاء البلاد وأرسلن إلى القارة الجديدة لزيادة أعداد المستعمرين والعمالة هناك.
الرقيق «الأبيض» خدع بأنه ذاهب إلى أميركا للعمل مقابل أجر، ليعود بعدها إلى بلاده، لكن الحقيقة هي أنه كان عليهم الخضوع لعقود تضليلية فرضت عليهم العمل عدة سنين مقابل كلفة شحنهم، لكنهم بقوا في وضع العبيد إلى أن قضوا. ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من أولئك البشر أتوا من اسكتلندا وإيرلندا، وكانوا يعانون من التمييز.
لكن النخب الحاكمة والمهيمنة في القارة الجديدة نظرت إلى هؤلاء «العبيد» البيض البشرة نظرة دونية. التمييز تم أيضاً على أسس دينية لا على أسس إثنية فقط. وهكذا كان الاضطهاد مزدوجاً أو ثلاثة أضعاف. أما التوصيف لهم فكان قاذورات وحثالات.
هذه إحدى حقائق الاستعمار البريطاني الذي كان على استعداد حتى للتجارة بأرواح قطاع من شعبه مقابل مضاعفة أرباح الطبقة المسيطرة على البلاد وثرواتها، ولنا عودة إلى هذا المبحث. فالمسألة لم تكن فقط التخلص من كلفة إيواء المجرمين المدانين و«تنظيف» المدن من «الحثالات»، بل أيضاً تحقيق أقصى الأرباح من خلال تشغيل «العبيد».