في عداد غرائب الصيغ و«الأفكار» والاقتراحات التي «فرَّخت» في مجرى الصراع الضاري على مشروع قانون الانتخاب الجديد (وعلى مجمل العملية الانتخابية)، الكيفية التي تمّ عبرها تناول مسألة إنشاء «مجلس شيوخ» كانت قد تطرّقت إليه المادة 22 من الدستور اللبناني.


لقد وجد المطالبون بتطييف كامل لقانون الانتخابات أن في وسعهم الاستنجاد بالدستور نفسه لإضفاء مشروعية ما على صيغهم المتعارضة، جوهرياً، مع بنود هذا الدستور! يحصل الآن، مرة جديدة، ما حصل في السابق، إذ يجرى استحضار الدستور بشكل مجتزأ واستنسابي وفئوي ومزوّر. هذا ينطبق، بامتياز، في هذه المرحلة، على التداول بشأن «مجلس الشيوخ» الذي أقرّ في سياق بنود اتفاق «الطائف» ذات الطابع الإصلاحي، وثُبت في الدستور بموجب التعديل الذي أدخله القانون الدستوري رقم 18 بتاريخ 21/9/1990. في نص المادة 22 من الدستور أنه: «مع انتخاب أول مجلس نواب وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية». الربط بين مجلس النواب «الوطني» و«مجلس الشيوخ» غير الوطني (ضمناً) أي الطائفي، هو ربط كامل: الأول فيه يتقدم على الثاني، بحيث يجرى «استحداث مجلس الشيوخ» العتيد بعد انتخاب مجلس نواب «وطني» أي خارج القيد الطائفي. وقد استكملت المادة 95 من الدستور تحديد الآلية المطلوبة، إذ طالبت «مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة» (أي مجلس عام 1992) بـ«اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب والوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية...».
لا مجال للاجتهاد عندما يكون النص حاضراً وواضحاً وحاسماً، كما هو الأمر بالنسبة إلى موضوع إلغاء الطائفية السياسية عبر إنشاء مجلس نواب «خارج القيد الطائفي» (وطني) وإحالة الهواجس والشؤون ذات الطابع الطائفي إلى مجلس شيوخ مهمته محدودة ومحصورة في «الشؤون المصيرية». وحددت المادة 95 أيضاً مهمة «الهيئة الوطنية» المذكورة بـ: «دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». وفي السياق الواضح والحاسم نفسه أكدت المادة نفسها على أمرين في «المرحلة الانتقالية» أي تلك التي تسبق تنفيذ «الخطة المرحلية» الكفيلة بإلغاء الطائفية: الأمر الأول: «تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». والثاني: «تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفيما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة».
من النصوص الدستورية المشار إليها ونصوص أخرى ذات صلة يتضح، دون أي لبس أو إبهام، أن مشروع «مجلس الشيوخ» هو لاحق ونتيجة لإنشاء مجلس نواب خارج القيد الطائفي بعد تحرير المؤسسات السياسية والإدارية، بالكامل، من التوزيع الطائفي (أو ما تبقى منه في مجلس الوزراء وفي الفئة الأولى). فمجلس الشيوخ ليس مجلساً طائفياً يضاف إلى المجالس الأخرى ويخضع لنفس معايير إنشائها. إن استحداثه مرتبط بإلغاء الطائفية من المؤسسات السياسية والإدارية والأمنية والقضائية كافة وحصر كل الشأن الطائفي في هذا المجلس ذي الصلاحيات المحصورة في الشؤون المصيرية (من نوع مشاريع الوحدة مع دولة خارجية، أو فدرلة النظام، أو مسائل تتصل بقوانين الأحوال الشخصية لجهة فرضها أو إلغائها...). ليس من الممكن، بشأن النص الدستوري المذكور، الاستنتاج بأن رئيس مجلس الشيوخ سيكون من هذه الطائفة أو تلك، رغم ما تناهى في حينه من أن رئاسته يمكن أن تسند إلى أحد ممثلي الطائفة الدرزية. وخصوصاً ليس من المنطق أبداً النظر إليه بوصفه موقعاً طائفياً جديداً، فيما هو من المفترض أن يكون الموقع الطائفي الوحيد. أما بشأن رئاسته فيمكن أن تخضع لمبدأ المداورة أو أن يجرى التناوب عليها، من قبل الطوائف الأضعف والأقل عدداً. وفيما عدا ذلك فإلغاء «الطائفية السياسية» خصوصاً، والطائفية عموماً (كما في النص الدستوري)، هو تعبير عن انتقال كامل إلى نظام المواطنة والمساواة في المواطنة التي يؤكد عليها الدستور تكراراً في مواد عديدة. في نص المادة 7 مثلاً: «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون، بالسواء، بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم». وفي المادة 12: «لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة. لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون».
الواقع أن التناول المشوَّه لـ«مجلس الشيوخ» إنما يشكل امتداداً لإضفاء طابع دائم على «الأحكام الانتقالية» التي حددها الدستور ومنها، بشكل أساسي ومحوري، مسألة «المناصفة». إن فصل «مجلس الشيوخ» عن السياق الإصلاحي الذي يقع فيه، إنما هو موقف يُراد منه توجيه ضربة قاضية إلى الإصلاحات الدستورية بعد أن تمَّ تجاهل هذه الإصلاحات لعقدين ونصف العقد، أي منذ عام 1992 حتى اليوم. مسؤولية ذلك يتحملها الجميع ولو بدرجات متفاوتة: بحسب الموقع من القرار في السلطة، وبحسب التوجه الممارس في إدارات الدولة وكل مرافقها بما يتعارض مع أحكام الدستور.
إن ما يتخبط فيه لبنان واللبنانيون، الآن، وبشكل متكرر ومتواصل، من العجز والخلل والانقسام والفشل والخسائر المادية والمعنوية، إنما هو، بالدرجة الأُولى ثمرة عدم احترام الدستور والقانون. المسؤول عن ذلك، طبعاً، مراكز قوى أدمنت الفئويات، وتوسّلت خصوصاً الإتجار بالعصبيات الطائفية والمذهبية، وكرَّست لنفسها جملة امتيازات عبر نظام محاصصة ألغى مفهوم المواطنة، وجعل الدولة الطرف الأضعف في منظومة الولاء والانتماء والمرجعية... لحساب مرجعيات وعصبيات داخلية وخارجية، وبالتالي لحساب دويلات نشأت في هذا السياق، ولا زالت تنمو وتتوسع (مستقوية بالخارج) على حساب الدولة المركزية، وبالتالي، على حساب وحدة البلد الوطنية، وبالانتقاص من سيادته ومصالحه العليا من قبل قوى داخلية وخارجية في الوقت نفسه.
الغريب أنه، ورغم كل ما أشرنا أو لم نشر إليه من العبث المتواصل والمتفاقم بالدستور، يتعالى الصراخ الفاجر من مخاطر عقد «مؤتمر تأسيسي» بذريعة الخوف على «الطائف» وعلى التوازنات التي أرساها! هذا علماً أن فرض تطبيق بنود الدستور و«الطائف»، هو ما يحتاج إلى مؤتمر مشابه. وهو يحتاج، قبل ذلك حكماً، إلى ميزان قوى، سياسي وشعبي، قادر على مواجهة قوى المحاصصة والنهب والفساد والتخلف والتبعية، ووضع نهاية لعبثهم بمصير البلاد والعباد!
* كاتب وسياسي لبناني