لم يكن التكريم للجنس الإنساني يوماً إلا انعكاساً مفتوحاً لإرادة إلهية تريد انتظام النسق الاجتماعي على أساس زرع ثقافة تهدف للكمال، وتربية المشاعر من خلال تناغم الخبرات واللحظات البشرية عبر مسيرتها خارج حدود سطوة الأنا التي تفرغ هذه اللحظات من قوة حضورها ودفعها لتلك الثقافة نحو التجذّر الراسخ في ميادين الحياة.


إن هذا التكريم هو التمظهر الأعلى الذي يعبِّر عن فعالية العقل العملي المنتج والمحلِّل والواعي لدقائق الأمور والمستنفر على الدوام لربط كل اللحظات الراقية والإفادة منها في إعادة رسم خريطة العلاقات والأوضاع بين الناس بما يتناسب مع كراماتهم التي أهدرتها الأهواء المنحرفة والحسابات الضيِّقة العاملة على خلق جوٍّ مناقض تماماً لغاية مجتمع التكريم عبر تخدير العقول وتفريغها من دورها المطلوب.
فما يطغى اليوم هو جوّ الانشداد إلى النزوات وتلبيتها وبالتالي توجيه العقل نحو صوغ أنماطٍ من الثقافات والعادات التي تعمل على تسليع الإنسان وتسطحيه، وكبح تعقلاته والإنصات إلى صوت فطرته من الداخل، لا بل قتل المحتوى الداخلي للإنسان كي لا يعود إلى التفكير من جديد ولو لبرهة عبر شغله بتعقيدات العيش وجعله كائناً متابعاً لما يصنعه الآخرون، لا كائناً مراقباً ومحاسباً وضابطاً لإيقاعات الحياة المعاصرة السالبة لفعل بشري مؤثر يعيد تشكيل أولوياته وتصحيح مسار غاياته، وربطها بتجليات التكريم المستدعية لتأصيل الشخصية وفهم أبعاد هويتها وتراثها بشكل تجديدي فعّال، لا تبريري يختزل أية فرصة لنقد اللحظات العابثة، والتأسيس للحظات إبداعية تقرأ بتدبّر وتطلّع لتواكب ما استجد عليها من آفاق يمكن لها الإفادة منها في إعادة تفعيل ثقافتها وأنماط سلوكها وتفكيرها.


لا بد لتعاطينا مع قيمنا الدينية أن يتغيّر بما يؤسس لإنسان التعارف والتواصل

يقول تعالى في كتابه العزيز {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً} (الإسراء/70).
هذا التفضيل لم يكن ليكون لولا وسائل وُجدت في الإنسان من فطرة سوية توحيدية تنظِّم كل شيء، ومن عقل مراقبٍ ومتابع ومنتج، ومشاعر تحس بما عليها في سبيل تنسيق لحظاتها في آلامها وآمالها بغية صوغ تجاربها المتدفقة على مستوى التأهيل المطلوب لاستحقاق التفضيل الذي هو أساساً محفز قوي لتحمّل المسؤولية وتنشيط الوعي، والتأثير في تشكيل عقل جمعي رافض للخطابات واللحظات المشدودة إلى التخلّف في أشكالها الدينية والسياسية والثقافية التي تتقاطع سياساتها على تأطير الإنسان وتقزيم ما يستحقه من تفضيل رباني في الوجود.
مَنْ منّا اليوم من شرق المجتمع العربي الإسلامي إلى غربه يشعر بالتفضيل أو يلتفت إليه؟! ويحس بالقدرة على التأثير والنهوض في أوطانٍ أنهكتها لغة الأنانيات والعصبيات.. يقول تعالى: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} (البقرة/143).
إن مفهوم الشهادة يزاوج بين البصر والبصيرة في التحامهما معاً وتساوقهما في خلق لحظات ترقى بالتفضيل الآدمي نحو المطلوب منه لجهة رفض الاستسلام لمظاهر القهر والظلم والإسفاف والانحطاط في كل شيء، بما يولّد عقلاً جمعياً يلائم حجم الأمة في تطلعاتها وحماية مسيرتها من المصطادين في الماء العكِر من تجار الدين والسياسة. ولن يحقق الفرد ولا الأمة مفهوم الشهادة ما دام البصر يشهد على البهتان والزور في القول والعمل عند المنحرفين والمضللين. وما دامت البصيرة معطّلة لصالح تجاهل الدور المطلوب في نقل التفضيل من دائرته التجريدية إلى الدائرة العملية في الحياة من خلال تعزيز الأخلاقيات العامة الغائبة، للأسف عن أي نشاط، إذ نرى في عالمنا الافتراضي والإعلامي والسياسي، وحتى المتلبِّس بالفكري بهتاناً يشهد لصالح الانحدار بدل الدفع نحو تصويب المسار نحو التفضيل الآدمي وتأكيده قيمياً ومعرفياً بما يتناسب مع أهميته وغاياته.
عندما يشهد البصر كما البصيرة على العدوان على كرامات الناس مثلاً من خلال سرقة تمثيلهم في النوادي السياسية وتجيير أصواتهم مذهبياً لا وطنياً، ومن خلال القفز ببعضٍ ممن يتلبسون لباس الدين وتقديمهم للناس كصفوة وهم لا يفهمون من الدين إلا قشوره، ومن خلال ممارسة العنف والتطرّف والتكفير والقتل على الآخرين، فعن أي تفضيلٍ نتحدث؟! والأنكى من ذلك أن المعتدين ينطقون بآية التفضيل في كلامهم ويمارسون نقيضها في سلوكياتهم.
ليس للمسلم كما المسيحي إلا معايشة توحيده عبر تأكيد قيمة التفضيل في حياته للناس كجنس مكرّم يستحق العناء، ويأخذ بأيديهم إلى الله المحبة والنقاء في كدح مستمر، يقول تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربّك كدحاً فملاقيه} (الانشقاق/6).
فقيمة الإنسان في الحياة مدماك أساسي لعبور البشرية إلى حياة سوية بعيدة عن الشعور بالاغتراب والإحباط واستلاب الإرادة في الإسلام كما في المسيحية. الدين يؤسس لصلات قوية بين الناس على قاعدة تثبيت قيمة التفضيل في جوانبها العملية بعيداً عن الشكليات والطقوس الفارغة، إنما من خلال لغة مباشرة إنسانية تعبر القلوب لتستقر في العقول أو تحفّزها على التكامل من أجل صناعة تاريخ أصيل يسجل للحظات الفاعلة في الحضارة البشرية، لا تاريخ يخطّه الدجّالون والمخادعون والماكرون من أرباب السلاطين وفقهائهم الذين ابتليت الأمة بهم ولم تزل.
التفضيل أبرز وجوه الحرية الإنسانية المستخلصة من عمق الإيمان لأنها من مقتضياته وليست شيئاً غريباً أو خارجاً عنه بل من صميمه، فهل عندما نبتعد عن قيمة التفضيل ونعتدي على الحريات والكرامات والأنفس نكون ممارسين للحرية الوهمية والمزعومة؟!
نستحضر في هذا المقام ما قاله يوماً قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في إحدى رسائله المشهورة الموسومة بـ«الإيمان والعقل»: «لا يمكن أن تتحقق الحرية في الخيارات المعادية لله فكيف نحسب رفض الانفتاح على ما يتيح لنا تحقيق الذات وجهاً صحيحاً من وجوه استعمال الحرية...».
من المرارة أن ترى إنساناً يدعي الإيمان ويقتل باسمه ويصادر الحرية ويعتبر فعله فيه معايشة لحريته الموهومة تحت شعارات وعناوين دينية براقه وخاوية حتى إنه لا يفهم مغازيها العميقة بدقة.
إننا نشهد تناقضا حاداً بين الإنسان وأخيه، بين قوي متسلط وضعيف تُصادر كرامته، بين إنسان لا يكلف نفسه عناء النظر إلى محتواه الداخلي لتصويبه، بل يمعن في تكريس التناقض الاجتماعي والإنساني وبين آخر مطلوب منه التصفيق وعدم الفهم لما يجري. والأنكى أن هناك من يجد أشكالاً وعناوين يمرر من خلالها التناقض من صراع حضارات إلى تشريعات الحرية والديموقراطية المزيفة، هنا التغرب عن السعي لمعايشة المثل الأعلى لوحدة البشرية، والابتعاد عن تطبيق قوله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} (المؤمنون / 52).
طرح الإسلام العدالة كمحور تدور حوله كل النشاطات البشرية في وحدة مسارها ومصيرها، هذه العدالة التي تفترض تحرراً مطلقاً من تقديس الأشخاص ومن عبادة الإنسان للإنسان وانحنائه السلبي أمام إنسان أو جهة تستنفذ طاقته وتسرق روحه وتسلب فكره، وبدل أن تساعده في الامتلاء الشعوري بقوة توحيد الله تحوله بدهاء إلى توحيد غيره، توحيد الله يلغي كل عوامل الخوف والتراجع لدى الإنسان وهرولته وراء المظاهر بل يعمل على استجماع قواه ليكون منسجماً مع التفضيل الذي تتمظهر من خلاله إرادة الله في مجتمع كامل متكامل في غاياته وتعاملياته.
نجد في الخطاب الديني بوجه عام اجتراراً لكلام واحد حول أحداث وتواريخ معينة لا تغني عملياً في دفع المعرفة التي تصقل عقل المجتمع وتغير من ذهنيته الجامدة. وكل فرقة لديها أسلوبها التبريري عمّا تقتنع به، وقلّما نجد تركيزاً على المفاهيم والقيم الإسلامية والمسيحية من العدالة إلى الحرية والحقوق والتعارف والتكافل إلى الدور والمسؤوليات تجاه المجتمع والأمة وغيرها الكثير، والتي تؤسس لإنسان الله في تاريخه الممتد، الإنسان الذي يعي غيب الدين ومفاهيمه، فينطلق لحفظ ما أراده الله منه من تعارف وإبداع وإعمار وتكامل.
إن تعاطينا مع قيمنا الدينية لا بد أن يتغيّر في نمطه وأسلوبه بما يؤسس لإنسان التعارف والتواصل مع الآخر والانفتاح بما يؤكد رحابة الإيمان وعمقه وسعة العقيدة ودقتها، لنعيد شمل أمة مزّقتها الأهواء والحسابات. فالإنسان ليس معداً ليكون رقماً في حسابات الدنيا المادية فحسب، بل هو مسلّمة إلهية ينبغي حفظها لأنها معدّة للآخرة أيضاً، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في ظلّ تخلي النخب عن وظيفتها في تأكيد ما هو مطلوب منها في توجيه حركة المجتمع لصالح مراعاتها لحسابات هنا أو هناك إلا ما ندر من أصوات ونتاجات لا بد من إعادة قراءتها والإفادة منها لا خنقها ومحاصرتها، إن سكوت من بيده زمام التأثير في المجتمع لهو جريمة كبرى بحق قيمة التفضيل والتكريم وخيانة عظمى للحق والحقيقة تخرج صاحبها من دائرة التكريم إلى دائرة الهمجية.
عندما نحقق مصداق آية التفضيل {ولقد كرّمنا بني آدم} في الواقع تذوب تلقائياً كل الحواجز النفسية والمذهبية وكل العناوين الجهوية والحزبية والعشائرية لصالح عنوان الأمة العريض، عندها نصنع تاريخ الأمة النشط، وكتابها النظيف الذي يليق بالتقديم يوم عرضها على الله، يقول تعالى: {وترى كُلَّ أمةٍ جاثيةً كُلُّ أمَّةٍ تُدعى إلى كتابِها اليومَ تُجزَوْنَ ما كنتُم تعملون} (الجاثية :28).
* أكاديمي وحوزوي