لقد عبر مارتن لوثر كينغ قبل حوالى نصف قرن تقريباً عن حلم متواضع. حلم بأميركا غير عنصرية ومتعددة الألوان. إلا أن حلم مارتن لوثر الذي اغتيل في 4 أبريل/ نيسان 1968 في مدينة ممفيس الأميركية لا يزال بعيداً عن التحقيق بحسب كل المؤشرات.

لقد كان للحركة التحررية الأميركية المطالبة بحقوق السود والملونين أيام عزها في الولايات المتحدة الأميركية.

تيار كبير كان قد تبلور في الستينيات، يشكل تجمعاً ضخماً من الليبراليين والحقوقيين والديموقراطيين اليساريين. وقد ظهر قادة كبار: مالكوم إكس وحركة الفهود السود، على رأسهم المناضل الكبير مارتن لوثر كينغ.
تشير الوثائق اليوم إلى أن المباحث الفيدرالية الأميركية كانت تتعامل مع الموضوع بوصفه حرباً سرية حقيقية يجب خوضها. لقد تم نزع السرية اليوم عن ما بات يُعرف «ببرنامج الكوانتليرو» (برنامج المخابرات المضاد COINTELPRO) الذي كان ليس أكثر من هجوم مضاد وكثيف ضد جميع المنظمات اليسارية والديموقراطية في البلاد بمختلف تلويناتها. وقد عرف هذا البرنامج أعلى درجات التنسيق والتكامل بين إدارة المباحث الفيدرالية ووكالة المخابرات المركزية. وتميز بالفعالية والوحشية، فاغتيال مالكوم إكس 1965 ومارتن لوثر كينغ 1968 لم يكونا سوى مقدمة (وكلاهما تحوم فوقهما ظلال إدارة المباحث الفيدرالية). السبعينيات كانت مرحلة الانتصار والإبادة شبه الكلية. لقد توجه البرنامج ضد أخطر ثلاثة قوى في الحراك اليساري الأميركي: الحزب الشيوعي الأميركي ــ حركة الفهود السود ــ الجناح الراديكالي من الحزب الديموقراطي. وقد نص البرنامج على ضرورة «كشف» قادة هذه المجموعات وأعضائها وأنصارها و«بترهم وزعزعة استقرارهم والحط من شأنهم وتحييدهم». وبالتأكيد قتلهم عند الحاجة. وقد صرح إدغار هوفر في عام 1968 بأن «الفهود السود هم فعلاً أكبر تهديد للأمن القومي الأميركي». وبالفعل هذا ما كان، إذ أن حملة الاعتقالات والتصفيات التي تمت بين أيلول 1968 وكانون الأول 1969 قضت تقريباً على وجود الحركة وزجت بأغلب قادتها في السجون وبأحكام مؤبدة.
برغم التخلي «الرسمي» عن هذا البرنامج إلا أنه ظل فعلياً قيد التطبيق في «بلد الحرية». وكانت الغاية دائماً وعلى طول الخط واضحة: عدم السماح بوجود تنظيمات يسارية على المستوى القومي كبيرة أو ذات أهمية. وعدم السماح بوجود حركات جماهيرية شعبية من أي نوع ومن أي لون. وعدم السماح ببروز قادة (خاصة من السود أو الملونين) كبار أو محاطين بهالة، هذا ما يشهد عليه حكم الإعدام الذي نزل بالصحافي والقيادي الأسود موميا أبو جمال عام 1982 (والذي كان ناطقاً رسمياً باسم حركة الفهود السود) وحكم السجن المؤبد ضد ليونارد بيليتيه القائد الهندي «للحركة الهندية».
لعل حقيقة المشهد في بلد الحرية والمبادرة الفردية غير معروف بشكل كامل. يصفه الناشط روبير ماك بأنه ليس بأقل من «أبارتهايد على الطريقة الأميركية». فالمسألة السوداء في الولايات المتحدة هي نتيجة لسياسة نبذ مزمن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأيديولوجي. حيث أن 97% من مدن وتجمعات السود الديموغرافية خاضعة لمراقبة بوليسية مشدّدة وفقاً لسياسة أمنية كان قد تم البدء بتنفيذها منذ عام 1972. وتسمى اليوم من قبل الناشطين والحقوقيين الأميركيين «بالمدن السفلية». أشبه «بالغيتويات» المحاصرة والتي يمكن السيطرة عليها وفرض الأحكام العرفية فيها من قبل الجيش والبوليس خلال بضع ساعات فقط. فتبقى ضواحي الأثرياء والطبقات الغنية والمتوسطة من البيض «مستقرة» وآمنة. وقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً صادماً عن أوضاع السود في أميركا: مدينة «هارلم» في نيويورك على سبيل المثال هي المكان الذي يوجد فيه أعلى معدل جريمة في العالم. والعيش فيها أشبه ما يكون بمعركة يومية. معدلات القتل فيها أعلى بستة أضعاف من باقي نيويورك أو شيكاغو. «إن فرصة بلوغ الرجل الساكن في هارلم سن الخامسة والستين من العمر أضعف من فرصة رجل يسكن في بنغلادش»!
أما بالنسبة إلى نظام السجون والنظام القضائي فهو طبقي وعنصري بامتياز. ففي بلد حوالى 20% من سكانه فقط هم من أصول غير أوروبية تتراوح نسب الأفارقة والملونين الذين يقتلون على يد البوليس سنوياً بين 45% و55%. أما في شيكاغو وفيلادلفيا فتصل النسبة إلى حوالى 70%. نصف تعداد الأشخاص الذين يشغلون الإصلاحيات وسجون الدولة والبلديات هو من الأفارقة الأميركيين. البوليس يعتقل السود ــ كمعدل وسطي ــ أكثر مما يعتقل البيض بسبع مرات. أسود من أصل أربعة سوف يسجن في حياته في سجون تصل معدلات الوفيات فيها بسبب الإيدز إلى نسبة تتجاوز 60% مع نظام قضائي عنصري ومتحيز يؤدي غالباً إلى توجيه أحكام لأغلب السود الذين يتم توقيفهم.
وأكثر الأرقام فظاعة هي تلك التي تبين النصيب الذي يحصل عليه السود والملونون من أحكام الإعدام التي تصدر سنوياً. فهذه العقوبة في الولايات المتحدة الأميركية عنصرية وطبقية في آن. 90% من المحكومين فيها هم أفقر من أن يدفعوا أجور محام، و42% منهم من العمال، وحصة السود حصة ملكيَة بالطبع: حوالى 48% من مجمل المحكومين.
أوباما وبعد كل الآمال الكاذبة التي أوحى بها في مستهل عهده، سارت المسألة في مسارها المتدهور نفسه. لا بل ازدادت الأوضاع سوءاً لتبلغ حداً متفجراً. أكدت صحيفة «غارديان» أن استهداف الشرطة للسود بلغ ذروته في عهد أوباما مما بات يشكل تهديداً حقيقياً للمجتمع والسلم الأهلي الداخلي. فموجات احتجاجية ضخمة اندلعت إثر قضايا حركت الرأي العام وأعادت مسألة اضطهاد الملونين إلى الواجهة. مقتل إريك غارنر ومايكل براون وحادث وفاة الشاب فريد غاري. كلها أحداث أثارت إضرابات وتشييعات جماهيرية وشعبية تزامنت مع أعمال عنف، لتؤكد أن المجتمع الأميركي أبعد ما يكون اليوم عن المساواة ولو حتى الشكلية. وكل ذلك في عهد رئيس كانت إحدى أهم ركائز حملاته الانتخابية تتمحور حول استعادة حقوق الملونين وتحقيق المساواة ونفي العنصرية... ليتبين أن انتخاب رئيس «أسود» ليس سوى خدعة من قبل نظام عرقي وعنصري على كافة المستويات. فكيف سيكون الأمر في عهد ترامب الذي يجهر في عنصريته، ويعتبر أن إحدى أهم أسباب تدهور البلاد «تسامحها المفرط» مع الملونين والمهاجرين!
إن الأوضاع التي وصلت إليها بلاد العم سام بعد حوالى نصف قرن على وفاة مناضلها الكبير مارتن لوثر كينغ ليست مبشرة إطلاقاً بل على العكس. تؤكد الحكمة القائلة بأن عجلة التاريخ لا تسير بالضرورة دوماً نحو الأمام.
*كاتب سوري