إعلان قيادات حركة «حماس» الأخير يجب ألا يشكل مفاجأة لأيّ متابع. فقيادات الحركة أعلنت منذ سنين موافقتها على برنامج القيادة الفلسطينية المنبطحة واللاهثة وراء سلطة وهمية «ولو على ظهر حمار في أريحا»، كما كانت تردد بعد فرض برنامجها الانهزامي المسمى «البرنامج المرحلي» أو «برنامج العشر نقاط» في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي عقد في القاهرة عام 1974.


ذاك البرنامج لم يكن نتاج «انتصارات» حرب تشرين الوهمية وإمكانية انسحاب العدو الصهيوني من أراض فلسطينية احتلها في عدوان عام 1967، وكي لا يسيطر عليها نظام عمّان، كما حاولت قيادات الهزيمة تسويقه. تبني ذلك البرنامج الانهزامي، الذي لم تعارضه داخل المجلس المدجن سوى شخصيتين هما، الراحلان محمد داود عودة (أبو داود) وناجي علوش (أبو إبراهيم)، كان نتاج استكمال خضوعها لضغوط دول «سايكس ــ بيكو» العربية وتحضيراً لاستعداد مصر السادات السري للتصالح مع العدو وبيع فلسطين، الذي بدأ في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في القاهرة في عام 1970 لبحث عدوان نظام عمان على العمل الفدائي البرعمي.
مع أن نتائج حرب قوات البادية الأردنية على العمل الفدائي في أيلول الأسود عام 1970، لم تكن لصالح الطرف الأول، إلا أن «إخواننا جلالة الملوك وفخامة الرؤساء العرب» قرروا أن يسحب العمل الفدائي قواته من عمَّان وبقية مدن الأردن ويسلم سلاحه الثقيل ويتوجه إلى مناطق «محاصرة» في أحراج جرش وعجلون وجبالها وتسليم سلاح القوات الشعبية، أي الميليشيا، في المدن.
لنتذكر أن زعامة العمل الفدائي في ذلك الوقت هي التي فرضها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على الشعب الفلسطيني، بعدما تمكن من إجبار رئيس المنظمة المؤسس أحمد الشقيري على الاستقالة. السبب أن الراحل أحمد الشقيري رفض محاولة هيمنته على المنظمة وقراراتها وفرض سياساته السائرة في طريق التصالح مع العدو الصهيوني على حساب فلسطين أرضاً وقضية وشعباً، وأعلن التزامه بالقضية الوطنية وبتحرير فلسطين، وخروجه على «إجماع» العرب، الانهزامي، في مؤتمر الخرطوم عام 1967 الذي عقد عقب هزيمة حزيران واتخذ قراراً بالتخلي عن فلسطين وتحريرها، لصالح «إزالة آثار العدوان» مقابل بترودولارات النفط لمصر والأردن (سوريا والجزائر رفضتا المشاركة ورفضتا قراراته مقدماً)، مع أن الزعامات العربية المجتمعة في المؤتمر حاولت خداع الجماهير برفع ما عرف بلاءات الخرطوم الثلاث «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض». وقتها أعلن الراحل أحمد الشقيري أن العرب باعوا فلسطين في مؤتمر الخرطوم، فكان إصرار جمال عبد الناصر على التخلص منه وفرض رحيله عن قيادة منظمة التحرير.
ما يهمنا هنا أن أموال البترودولار التي كانت أقل من مقاديرها الآن، مارست الدور الأساس في تحول العمل الفدائي إلى مليشيا تأتمر بأوامر العربان وقممهم ودولاراتهم. قبل ذلك كان مصدر دخل العمل الفدائي هو التبرعات التي كانت تأتيه من الفلسطينيين عبر ضريبة الـ6% المقتطعة من معاشاتهم في الدول العربية، ومن قوميين عرب في الخليج، إضافة إلى المساعدات العينية التي ترد من سوريا والجزائر على نحو رئيس، ومن دول اشتراكية ومنها الصين والاتحاد السوفياتي وكورية وفيتنام وغيرها. لذا فقرار العمل الفدائي كان مستقلاً عن الأنظمة لكنه مرتبط على نحو عضوي بالشعب الفلسطيني ومطالبه الوطنية/ القومية. فما دام مصدر الدخل هو الشعب، فالأمر للشعب ولقراره.
صدق القول الألماني الذي يطلق على المال صفة «فحم» لأنه يلوث كل من يمسه!
لذا، فإن قرار زعامات حركة «حماس» الرسمي محاولة الانخراط في التسوية السرابية مع العدو العنصري، والتي لا تعني أي أمر سوى التخلي عن فلسطين لصالح كيان قصبي هزيل ككيانات مشيخات العمالة والعمولة في الخليج الفارسي، خاضع للعدو الصهيوني، هو نتاج طبيعي لسياساتها منذ السيطرة على غزة، وعلى نحو أدق منذ قبول الانخراط في مؤامرات واشنطن على المنطقة وتأييدها لبرنامجها القائم على إقامة جدار من الدور الإسلامية التابعة لها، من مشيخات العمالة والعمولة في الخليج الفارسي إلى تركيا، لمواجهة الإسلام الإيراني «الثوري»، المعادي لواشنطن والغرب «الناتوي».
من الأمور المعروفة، أن حركة «حماس» وضعت خبراتها العسكرية، خصوصاً ما يتعلق بحفر الأنفاق الذي تعلمته من «حزب الله» اللبناني، بتصرف الجماعات المسلحة في سوريا، بل وشاركت في أكثر المؤامرات إضراراً بشعبنا من سكان مخيم اليرموك عندما ساعدت الجماعات التكفيرية على السيطرة عليه، وبالتالي إخلاؤه من أهله وتدميره.
ومن الأمور المعروفة أيضاً أن حركة حماس أرسلت قوات لدعم العدوان الأميركي ــ السعودي على اليمن وشعبه المظلوم.
ما قامت به «حماس» أخيراً يشابه ما قامت به الزعامات الفلسطينية المليشياوية في لبنان عندما أرسلت قوات لتحارب إلى جانب قوات المغدور معمر القذافي ضد تشاد، وعندما أرسلت قوات لدعم عيدي أمين في أوغندا.
أموال البترودولار لا تقدمها المشيخات لأنها تحب فلسطين أو لكرمها الحاتمي، ولا تقدمها بمبادرة منها، ولا تقدمها مجاناً. مشيخات العمالة والعمولة في الخليج الفارسي لا هي دول ولا تملك قرارها. هي أقيمت أصلاً لتنفيذ أوامر السيد الآمر الناهي، رئيس شعبة الخليج الفارسي في وزارة الخارجية البريطانية؛ فلنتذكر في هذا المقام أنه ما أن أعلنت لندن عن قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي حتى هرول طوال العمر متدافعين لإعلان نيتهم استثمار مليارات الدولارات في بلاد المستعمر البريطاني المسؤول مسؤولية مباشرة عن كثير من أحزاننا وآلامنا وضحايانا من رجال ونساء وأطفال.
إن تبني قطر لحركة «حماس» بعد مغادرة قياداتها سوريا في أعقاب اندلاع الحرب فيها وعليها، لم يكن عملاً خيرياً، وإنما تنفيذاً لأوامر واشنطن، لا غير. هو عناق حتى الاختناق! أما الثمن الذي دفعته «حماس» فهو ما أطل برأسه أخيراً، أي برنامجها الجديد وانخراطها في المشروع الإخونجي والانصياع لأوامر المرشد. لا يهمنا توظيف ذلك البرنامج العبارات الحماسية (وليس الحمساوية) لأنها محسنات لغوية هدفها دسّ السم في العسل وتوجيه النظر بعيداً عن الجوهر، أي التخلي عن فلسطين. ولنتذكر الآن في هذا المقام أن المناضل الراحل جورج حبش عندما أعلن موافقة الجبهة الشعبية على البرنامج التسووي للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 طالب بإضافة عبارة «مقاتلة» إلى صفة «السلطة الوطنية»، فجاءته الإجابة الساخرة من زعامات مليشيا «فتح»، «مش بس مقاتلة، ونفاثة كمان!».
المهم قبول مبدأ الخضوع والانخراط في الاستسلام، ثم ضعه في أي قالب لفظي ثورجي لتسويقه بين الجماهير، إن تمكنت.
قيادات «حماس» السياسية لم تقدم أيّ تحليل علمي لموازين القوى وللأوضاع القائمة ولكيفية خروجنا من المآزق التي أوصلتنا إليه سياسات الانهزام والتبعية، سياساتها وسياسات ميليشا المقاطعة في رام الله، ولم تقدم أيّ شروح نظرية تسوغ برنامجها الجديد/القديم وكيفية تحقيقه، أي انضمامها إلى منهاج التسوية، وبكلمات واضحة: الانبطاح أمام العدو وشروطه.
لقد كان على «حماس» مراجعة تجربتها والتخلي عن سياساتها التي أوصلتها ومعها شعبنا المظلوم في القطاع إلى المأزق الحالي. لكن بدلاً من ذلك آثرت التمسك بالسلطة، مثل زملائها المليشاويين في «الضفة» ومحاولة كسب رضا العدو في واشنطن وتل أبيب، وكأنها تعيد اكتشاف العجلة.
هذا كلّه لا ينفي تخلينا عن تقديم الاحترام لشهداء القسام ولمقاتليها، وإن صار لزاماً عليهم تقديم أرواحهم من أجل التخلي عن فلسطين. النيات ليست ذات مغزى هنا لأن الطريق إلى جهنم عادة ما يكون معبّداً بالنيات الحسنة.
ختاماً لا يبقى أمامنا سوى ضرب كف بكف مرددين مع الشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان الذي جاء قوله عقب وقف إضراب عام 1936 الذي تم «استجابة لطلب القادة والزعماء العرب وثقتهم بوعود صديقتهم بريطانيا وحسن نواياها»:
ما جحدنا أفضالكم غير أنَّا لم تزل في نفوسنا أمنية
في يدينا بقية من بلادٍ فاستريحوا كيلا تضيع البقية