بعد انتهاء التحالف الاجتماعي العريض الذي قاده حزب سيريزا لإنهاء سياسات التقشّف المفروضة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، دخلت البلاد في أزمة مستعصية يصعب الخروج منها. فالحزب الذي قاد الاعتراض على سياسات التقشّف ونظّم الاستفتاء على رفضها بعد انتخابه بأشهر في تموز من عام 2015، انتهى بعد تبيُّن هشاشة طروحاته وعدم ارتباطها بالواقع، كما يجب، إلى القبول بها، منهياً بذلك حقبة صعود «اليسار الراديكالي» على خلفية أزمة الديون، ومفتتحاً بفعل هذه النهاية وما رافقها من تغيُّر للتحالفات الاجتماعية والطبقية له سلسلة جديدة من الاقتطاعات من المدَّخرات ومعاشات التقاعد.


عودة الاستقطاب

لم يحصل ذلك فجأة ومن خارج سياق المواجهة، بل أتى كمحصّلة لتناقضات الحزب العديدة واستراتيجيته المتعثّرة في قيادة الاعتراض على سياسات التقشّف. إذ بمجرّد انتهاء الاستفتاء الشهير في تموز من عام 2015 وحصول اليكسيس تسيبراس على التفويض اللازم لرفض شروط الترويكا (الاتحاد الأوروبي، صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الأوروبي) اكتشفت القاعدة الاجتماعية للحزب أنّ أصواتها قد ذهبت لسياسة تدعو إلى القطيعة مع نهج الترويكا، ولكن في سياق تحسين شروط التفاوض، على أمل الحصول على أفضل صفقة ممكنة مع الدائنين. هنا انقسمت الفئات والشرائح الاجتماعية التي صوّتت بالرفض إلى قسمين: الأول أيّد استراتيجية تسيبراس على قاعدة التسليم باستحالة القطيعة النهائية مع سياسات الاتحاد الأوروبي والمؤسّسات المالية الدولية - وهؤلاء سيشكلون مع الوقت القاعدة الجديدة للحزب بعد خروج النواة اليسارية الصلبة منه وتحوّله في ضوء هذه الانعطافة إلى حزب اشتراكي ديمقراطي آخر. أما القسم الثاني، فقد رفض تأييد السياسة الجديدة لسيريزا، ومع أنه لم ينتظم في حزب جديد أو يتبنى مشروعاً مماثلاً لبدايات سيريزا، إلا انه واصل اعتراضه على سياسات تسيبراس والجناح اليميني في الحزب، مقترباً من طروحات النقابات التي لجأ إليها الناس بديلاً من الأحزاب التي كانت تقود الاعتراض قبل أن تنهار تحالفاتها الاجتماعية تماماً.
هذا الاستقطاب الجديد لم يتحوّل بعد إلى رافعة لصعود تيار بديل من السلطة الحالية التي تقودها سيريزا، لكنه بدأ يتحوّل إلى حالة شعبية فعلية، بحيث أصبحت الحكومة أمام مأزق لا يقلّ خطورة عن ذاك الذي واجهته الحكومات اليمينية إبان صعود سيريزا إلى الحكم. فخلال سنتين ونصف سنة تقريباً من حكم هذه الأخيرة، وتحديداً بعد حدوث الانقسام داخلها على خلفية الموقف من نهج التفاوض مع الترويكا، حصلت إضرابات عديدة شلّت الحياة الاقتصادية والحركة المرورية في البلاد لأيام عدّة، وأهمها على الإطلاق ــ بالإضافة إلى إضراب الأربعاء الماضي ــ ذاك الذي حصل في أيار من عام 2016، وأفضى إلى شلل كامل في مرافق الدولة، وقادته في حينه النقابات اعتراضاً على تصويت البرلمان على تعديلات مُقترحة في قانون التقاعد وضريبة الدخل. طبعاً لم ينجح الإضراب حينها في تحقيق أهدافه، ومضت الحكومة في سياسة التنازل للترويكا لقاء إقرار حزم جديدة من المساعدات التي قُدّمت لها في ضوء الاتفاق المُبرَم مع الدائنين.غير أنّ السلطة وجدت نفسها أمام استعصاء جديد يتعلّق بتكوّن كتلة اجتماعية معارضة على أنقاض تحالفاتها السابقة. هذه الكتلة لم تتبيّن ملامُحها بعد، ولم تستطع بالإضافة إلى ذلك تشكيل حاضن اجتماعي يستطيع الوقوف في وجه حكومة تسيبراس، ليجبرها على العودة إلى «الشعب» قبل أيّ إقرار لحزمة جديدة من الاقتطاعات. وما استطاعت فعله حتى الآن هو تثبيت فعل الاعتراض عبر اللجوء المتكرّر إلى الإضرابات العامة، على أمل أن يعمّق ذلك من الاستقطاب الناشئ في البلاد على خلفية الموقف من سياسات الحكومة، وبالتالي يدفع القطاعات التي لا تزال متردّدة إلى نزع التفويض من حكومة سيريزا، ومنعها من الاستمرار في سياسة المسّ بالمكتسبات الاجتماعية ومعاشات التقاعد لقاءَ الحزم المالية التي تتلقّاها من الدائنين.

سياق الاعتراض أوروبياً

لكن المشكلة الفعلية التي تواجه هؤلاء في مسعاهم للضغط على حكومة تسيبراس تتمثّل في انعدام وجود أفق للاعتراض خارج التحالفات التي تتشكّل حالياً في أوروبا على خلفية الموقف من قضايا الهجرة واللجوء وسياسات بروكسل. هذا التطوُّر لم يكن موجوداً في أثناء صعود سيريزا إلى الحكم وقيادته إلى جانب بوديموس في إسبانيا مسار الاعتراض على سياسات التقشّف، حيث كانت مجمل القضايا التي يجري الاعتراض عليها مرتبطة مباشرةً بسياسات الاتحاد الأوروبي واملاءاته المالية، وبالتالي لم يكن الاعتراض يمرّ كما هي الحال الآن بقضايا جزئية مثل الهوية الوطنية وسواها، مسبّباً كلّ هذا الخلط بين اليمين واليسار، ومفضياً إلى وجهة يستحيل الاتكال عليها لتعميق المسار الذي بدأ في عام 2015. هكذا، يغدو استكمال المسار من حيث انتهى سيريزا عقب «تفكُّكه» متعذّراً، ومحاطاً بتعقيدات عديدة، أهمّها صعود اليمين المتطرّف وحلوله بدلاً من اليسار في قيادة مسار الاعتراض، لنصبح أمام إشكاليات جديدة تتعلّق بالأولويات التي يضعها اليمين لنفسه وللمسار عبره. وهي في مجملها لا تمسّ مباشرةً الطبقات الاجتماعية المتضرّرة من سياسات التقشّف، وإذا مسّتها لا تكون ثمّة اقتراحات فعلية لمجابهة هذه السياسات، على اعتبار أن اليمين المتطرّف لا يملك حلاً لتجاوزها، ويكتفي باستخدامها كذريعة لصعوده على أنقاض تحالفات اليسار الطبقية والاجتماعية. من جهة أخرى، تبدو المتابعة صعبة، ومن دون التطرّق حتى لإشكاليات صعود اليمين، حيث يمرّ «اليسار البديل» حالياً بأسوأ مراحله، في ظلّ افتقاده للقواعد التي بدأت تتسرّب إلى اليمين المتطرف، وتعثُّر نماذجه الأساسية تباعاً، وصولاً إلى القبول بصيغة المشاركة في السلطة على قاعدة جعله طرفاً في عملية التراكم التي تقودها الكيانات الرأسمالية في أوروبا والولايات المتحدة. كلّ ذلك يجعل من الاعتراض الحالي الذي تقوده النقابات العمالية في اليونان إلى جانب أحزاب لا تملك قاعدة شعبية كبيرة ــ مثل الحزب الشيوعي ــ «أمراً هامشياً»، ولكنه رغم هامشيّته وانعدام قدرته على التأثير يسبّب صداعاً لحكومة سيريزا، ويضع عقبات فعلية أمام إقرارها لمزيد من الاقتطاعات المالية. وهذا كافٍ وحده في ظلّ موازين القوى الحالية لهزّ شرعيتها، في انتظار تبلور تحالفات داخلية وإقليمية تمكّن «الكتلة الجديدة» من استكمال المسار الذي بدأه سيريزا قبل تحوُّله إلى طرف في عملية النهب التي يقودها الاتحاد الأوروبي إلى جانب شركائه في المؤسّسات المالية الدولية.
* كاتب سوري