تواصل الحكومة البريطانية إجراءات خروجها من الاتحاد الأوروبي، وكان الحديث عنها بأن «البريكست» سيؤثر على مجالات كثيرة؛ بينها الاقتصاد والتجارة، وهذه تنعكس طبعاً على أحوال الناس في المملكة عموماً. وهو ما تؤشر له الإحصائيات التي تنشرها وسائل الإعلام البريطانية، وخصوصاً التي تشير إلى هوة كبيرة تتسع بين أصحاب الثروات والفقراء الذين يعيشون في بريطانيا.


الإحصائيات والأرقام والأعداد تكشف وقائع متنامية لواقع حال الطبقات الاجتماعية التي تعيش في المملكة المتحدة اليوم وبعد «البريكست». وتعلن عن تمييز واضح في طبيعة الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع. فحسب التقرير السنوي الذي نشرته صحيفة «صنداي تايمز» عن قائمتها السنوية للأثرياء في بريطانيا، والتي تضم أسماء ألف منهم في مختلف مجالات الحياة التجارية والفنية والترفيه والسياحة والعقارات، بالإضافة إلى من ورث المال عن عائلته، كشف التقرير أنّ البلاد شهدت ازدهاراً في مرحلة «البريكست»، حيث زادت ثروة الأثرياء بنسبة 14% في العام الماضي. كما وجدت أن لندن فيها أثرياء من أصحاب المليارات أكثر من موسكو ونيويورك، لافتة إلى أن القائمة الجديدة كشفت عن زيادة ثروة 19 ثرياً بمقدار مليار جنيه في عام، وأن الـ 500 ثري الموجودين على رأس قائمة 2017 لديهم ثروة مجموعها أكثر من ثروة الألف شخص الذين وردت أسماؤهم في العام السابق، ويعيش في لندن 86 مليارديراً، أكثر من أي مدينة أخرى في العالم.
ووجد التقرير أنّ قوة الثروة في بريطانيا جاءت على خلاف التوقعات بتوقف التجارة وصناعة المال بعد استفتاء العام الماضي، الذي أدى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث زادت السوق المالية من ثروة قادة الأعمال والتجارة بشكل كبير، بالإضافة إلى أن عدداً من الأثرياء استفادوا من ضعف قيمة الجنيه الاسترليني منذ خروج بريطانيا من الاتحاد، حيث زادت قيمة استثماراتهم الخارجية. وبحسب استطلاع نظمته مؤسسة استطلاعات «يوغوف»، وجد أن معيار الغنى هو أن يكون الدخل السنوي 100 ألف جنيه استرليني، أو أن يكون الرصيد بمبلغ مليون جنيه، وكشف الاستطلاع عن مواقف متباينة من الغنى والأغنياء، حيث قالت نسبة 2% إن لندن لديها أثرياء أكثر من نيويورك، وهو أمر يجب الشعور بعدم الحرج منه. وتستدرك الصحيفة بأن نسبة نصف المشاركين في الاستطلاع قالت إن الأثرياء يزدادون ثراء بمعدلات أعلى من الفقراء، فيما قالت نسبة 78% إنها مع زيادة الضريبة على الأغنياء، وقالت نسبة 4% إنه يجب على الحكومة وضع السياسات التي تصعّب تحول الأثرياء إلى درجات خيالية. كما سجل التقرير تصنيف تنوع الأثرياء حسب المراحل العمرية واكتساب الثروة، ونشر كالعادة أسماءهم، ومن بينهم طبعاً أسماء أثرياء عرب، أو من أصول عربية، يستثمرون أموالهم وأرباحهم في المملكة.
تترك هذه الأرقام والوقائع أثرها على طبيعة التحولات الاجتماعية واتساع الهوة بين الغنى والفقر في المجتمع. كما تعكس صورتها في أحوال الطلاب والدراسة ومستوى التقدم العلمي والتطور الاجتماعي والاقتصادي. وقد أظهرت أرقام نشرتها وسائل الإعلام إجمالي الناتج المحلي للفرد في بريطانيا، وهو معيار غالباً ما يستخدم لقياس مستوى معيشة السكان، هو «أقل بالفعل» من المستوى القياسي الذي بلغه قبل 2008. وبحسب منظمة «تراسل تراست» الخيرية (أكبر بنك للطعام في بريطانيا)، فإن عدد المحتاجين الذين قصدوها خلال عام 2014 طلباً لمعونة غذائية طارئة ارتفع بنسبة 163 في المئة عما كان عليه في العام السابق. وهذه نسب تزداد كل عام بسبب الأزمات المتفاقمة في مختلف المجالات، ولا سيما سياسات التقشف والضغط على الحياة الاقتصادية لأوسع الطبقات والفئات العمالية والمتوسطة والفقيرة.
وكان تقرير قد حذر من ارتفاع عدم المساواة والفقر في بريطانيا على مدى السنوات الأربع المقبلة. وأشار التقرير الصادر عن مؤسسة «ريسولوشن فاوندشن» البريطانية، (مؤسسة بحثية معنية بتحسين مستوى معيشة الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط)، إلى أن دخل نصف الأسر الأكثر فقراً في المملكة المتحدة سينخفض بنسبة 2% ودخل خُمس العائلات الأكثر ثراء سيشهد زيادة بمعدل 5%.
وبحسب التقرير الذي صدر تحت عنوان «مستويات المعيشة خلال عام 2017، الماضي، الحاضر والدخل المحتمل في المستقبل في بريطانيا»، فإن هذه التوقعات ترجع كلياً إلى عوامل خارجية في الاقتصادين الأوروبي والعالمي مثل خطر ارتفاع مستويات التضخم وتباطؤ النمو في التجارة العالمية، حسبما ذكر موقع «دبليو. إس. دبليو. إس» الأميركي.
ويعزو المحلل الاقتصادي في «ريسولوشن فاوندشن» آدم كورليت، أن النمو في حجم الدخل الذي شهدته الأسر البريطانية في السنوات الأخيرة يعود إلى انخفاض مستويات التضخم وارتفاع سريع في معدل التوظيف. ولكن لم تستمر هذه الحالة طويلاً. إذ وفقاً لأرقام هذه المؤسسة الخاصة بدخل الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط والبالغ عددها 6 ملايين أسرة، والتي يتراوح دخلها بين 12 و36 ألف جنيه استرليني سنوياً، فإن 48% منهم يعيشون على دخل لا يزيد على 14 ألف جنيه استرليني في السنة.
ونوه التقرير بأن الزيادة في النمو خلال الأشهر القليلة الماضية بفضل الإنفاق الاستهلاكي، ليست دليلاً على أي انتعاش اقتصادي، بل تعود إلى حد كبير إلى عمليات الاقتراض، ومع استمرار مفاوضات البريكست بين الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، فإن عدم اليقين الاقتصادي الحالي يدفع المستهلكين إلى خفض الإنفاق، فيما ذكرت مجلة «الإيكونوميست» في كانون الثاني/ يناير الماضي أن بنك إنكلترا كشف عن أن نمو الائتمان الاستهلاكي في كانون الأول/ ديسمبر الماضي انخفض إلى مليار استرليني من 1.9 مليار استرليني مقارنة بالشهر السابق.
وحول تداعيات نتيجة الاستفتاء البريطاني، ذكر التقرير أن قيمة الجنيه الاسترليني انخفضت بنسبة 15 ــ 20%، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات، ونتيجة لذلك قفزت أسعار الوقود بمعدل 22% من حزيران/ يونيو إلى كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، وارتفعت تكاليف السفر الجوي بنسبة 20% في الفترة الزمنية نفسها، وكذلك الفواكه بنسبة 6%، وهذه الارتفاعات دفعت ثمنها الأسر الفقيرة.
كل هذا يترك آثاره على الفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة، والمتوسطة، ولا سيما في ظل سياسات التقشف الداخلية والتبعية الخارجية، ومع تفاقم حالات البطالة والبحث عن عمل وهجرة الرساميل والاستثمارات والشركات الأوروبية بعد «البريكست»، ما يوسع في الهوة ويطور في التناقض والصراع.
* كاتب عراقي