في النقاش الدائر في لبنان عن الانتخابات، التي يفترض أنّها قادمة، وعن القانون الانتخابي وفضائل النسبية والتخوّف من التمديد، توجد نزعةٌ في المجتمع السياسي للوم اللبنانيين الذين لا يبدون اهتماماً بالانتخابات وقانونها، ويستخفّون بمعركة النسبيّة، ويقولون كلاماً «فوقياً» و«تثبيطياً» من نوع أن الانتخابات ــــ في «بلدٍ» كلبنان ــــ لا تقدّم ولا تؤخّر ولا جدوى من انتظار التغيير عبرها.


الحجّة هنا هي أنّ هؤلاء النّاس ينسحبون من السياسة، وكلامهم عن قضايا «أهمّ» هو تبرير العاجز، وأنّ إصلاح النظام الانتخابي وحده، لو شئنا التغيير، هو الخطوة الأولى والطريق الوحيد.
توجد هنا، منطقياً، ثلاث مشاكل في هذا الخطاب. أوّلا، حين تجد النّاس منصرفين عن الانتخابات، وقد يئسوا من مفعولها وصاروا يعتبرونها لعبة ليس لهم فيها دور ومكان، فالأحرى هو أن لا تقرّعهم أو تشرح لهم أنّ وعيهم زائف، بل أن تتفحّص وتفهم الأسباب التي جعلت المواطنين في غربةٍ عن النظام الانتخابي، فهم قد يكونون على حقّ وانت على خطأ. والحال أنّ أكثر الشّعب اللبناني، باستثناء جوّ السياسيين والاعلاميين والناشطين والطامحين (أي من يعتاش من الانتخابات ومواسمها، ويريد أن يجنّدنا في معاركه)، ليس متعلّقاً بأحداث الانتخابات ولا يربط مستقبله بها ــــ الّا بالمعنى السّلبي، أي خوفنا من أن يتحوّل استعصاء الانتخابات الى أزمة سياسية، وأن تتحول الأزمة السياسية الى حرب.
ثانياً، ليس من غير المنطقيّ، أو الجنون والعدميّة، أن تنسحب مسبقاً من منافسةٍ غير عادلة، كالانتخابات اللبنانية، تقوم على الفساد والزبائنية وأكثر نتائجها محسومةٌ سلفاً. وأن لا تراهن على انتاج التغيير من داخل نظامٍ تحاصصي لا يمكن لأحد أن يسيطر عليه ويوجّهه و«يصلحه» (انتخابياً أو غير ذلك)؛ وفيه قيادات طائفية واجتماعيّة مكرّسة، قادرة على تحويل أيّ نقاشٍ عن مستقبل النّاس ومعاشهم الى عويلٍ عن «حقوق الطائفة الفلانية» ــــ ويقدر زعيم طائفته الدرزية، مثلاً، على وضع «فيتو» يشلّ النّظام السياسي بأكمله. ثالثاً وأخيراً، حتّى في الديمقراطيات الغربية «الأصيلة»، حيث الإنتخابات ــــ أقلّه اجرائياً ــــ حقيقيّة وشفّافة، يوجد جدالٌ طويل حول إمكانية التغيير «من داخل النّظام» وعبر الانتخابات، وهل التصويت هو فعلاً وسيلةٌ متاحة لرفع قوىً جديدة معترضة، أم هو مجرّد انعكاس لميزان القوى القائم أصلاً في المجتمع (وهل أدّى النظام الانتخابي المفتوح، في أوروبا الغربية وأميركا، الى صعود أحزاب جديدة وحركات غير متوقّعة، وإعادة نظر مستمرّة بالنّظام القائم؟ أم أنّه ضمن إعادة انتاج الخيارات ذاتها والنظام نفسه، وحصر المنافسة بين حزبين او ثلاثة على مدى عقود؟).

في بلدٍ مفلس

ولكنّ نقاشنا ليس هنا، مشكلتي مع التعويل على الانتخابات هي ذاتها مع من يعوّل ــــ بحسن نيّة ــــ على قوانين ومطالب هي في ظاهرها جيّدة، ولكنّها تخفي القضيّة الأهمّ بالنسبة الى لبنان واللبنانيين، والتحدّي الأساس الذي يجب مصارحة الناس به: أنّ النّظام اللبناني يسير الى الانهيار. المسألة تبدأ بالمديونية العامّة ولا تنتهي بها. قد تحصل العملية بعد سنةٍ أو ثلاثٍ أو خمس، ولكن في وسع أيّ محاسبٍ (انت لا تحتاج الى خبير في الاقتصاد السياسي) تريه أرقام الميزانية اللبنانية، ووضع الاقتصاد، وحجم الدّين، أن يشرح لك بأنّ هذه «الشركة» ذاهبة الى الإفلاس لا محالة. أرقام الدين عليها خلاف، ولكنّها على الأقل، تساوي 75 مليار دولار، أي أكثر من 150% من الناتج القومي اللبناني (أي ما يقارب النسبة في اليونان «المفلسة»، ونتنافس مع ايطاليا على المركز الثالث عالمياً، وايطاليا واليونان تدفعان فوائد أقلّ بأضعاف من خدمة الدين اللبناني).
العجز السّنوي في موازنة الدولة يوازي عشرة في المئة من كامل الناتج المحلّي، ولا توقّعٌ بانخفاضه في المدى المنظور (بل إنّ الموازنة الحاليّة، وهي لا تحوي تقريباً أيّ انفاقٍ استثماري وتكتفي بدفع النفقات الضرورية ورواتب الموظفين، لم تعد تحقق فائضاً أوّلياً كما كانت الحال قبل سنوات؛ فركود الاقتصاد وازدياد النفقات جعل الميزانية المتقشّفة في عجزٍ حتّى قبل أن نُضيف خدمة الدّين العام اليها). لا يمكنك أن تسحب، فوق ذلك، ما يقارب الخمسة مليارات دولار سنوياً من اقتصاد حجمه أقلّ من خمسين ملياراً (وهو مالٌ يُقتطع من الاستهلاك والاستثمار الدّاخليّ) وأن تتوقّع حصول نموّ وازدهار يُخرجك من الدّين في أيّ يومٍ من الأيّام. للمقارنة، اميركا «المثقلة بالدين» تدفع أكثر بقليلٍ من واحدٍ في المئة من ناتجها القومي لخدمة الدين. باختصار، هناك قواعد وحسابات تحكم العالم الحقيقيّ، وهي تقول بأننا لن نتمكّن من دفع القروض التي رتّبتها الطبقة السياسية علينا مهما حصل، وسنصل قريباً الى مرحلةٍ لن نتمكّن فيها حتّى من خدمة هذا الدّين وسيحصل الانهيار، ولا أحد يعرف ماذا سيكون بعد ذلك (باستثناء من يتوقّع هذا الحدث، ويحضّر له، وقد يساهم في وقوعه حينما يشاء).
حين تطرح هذه الأرقام على الكثير من اللبنانيين، تسمع جواباً من نوع «انّهم» لن يسمحوا للبلد بالانهيار. من قال لكم ذلك؟ هذه النظريات المريحة تعبّر عن مزيج بين النرجسيّة اللبنانية (التي تعتقد أنها في مركز العالم وأنّ انهيار لبنان أمرٌ لا تقدر القوى العظمى على تخيّله أو احتماله) وبين استكانة من يجد مشكلةً كبيرة الى درجةٍ انّه لا يقدر على حلّها، فيقرّر أن يتجاهلها. هناك عناصر كثيرة قد تسبّب الأزمة، ولن يتمكّن أحدٌ من منعها: الارادة الدّولية، التي يعتبر البعض أنها تحمي لبنان، قد تجد مصلحتها في هزّه وليس استقراره (وهذا ليس سيناريو مستحيلاً، بالنظر الى الأوضاع الاقليمية وشراسة الحروب من حولنا). معدّل الفائدة الحالي الذي ندفعه استثنائي بالمعنى التاريخي، فالفوائد في الغرب منخفضة للغاية وهي تقارب الصّفر، وحين تنتهي سياسات «التسهيل الكمي» ويرفع المصرف الفيديرالي الأميركي الفائدة على الدولار مجدداً (وهو ما يتوقّع أن يحصل في كانون الأول)، ستتضاعف كلفة تمويل الدّين اللبناني، ويزداد العجز بملياراتٍ اضافية، بل قد لا تجد من هو مستعدٌّ للمخاطرة وإقراضك (حتّى نوضّح العملية: انت تحتاج، كلّ خمس سنواتٍ تقريباً، الى اعادة تدوير كامل الدّين مع استحقاق السندات. أي انك تعتمد على وجود مستثمرين سيقرضونك 75 مليار دولار جديدة في السنوات المقبلة، والّا تضطرّ الى رفع معدّل الفائدة أو اعلان الإفلاس، وهذا المبلغ الذي تحتاجه يتضخّم «دورةً» بعد أخرى).

أثمان الماضي

المصيبة هي أنّ السيناريو الأسوأ هو ليس في أن تُفلس الدّولة، بل ــــ تحديداً ــــ في استمرار النّهج القائم والإفقار التدريجي ومنع التنمية، وإبقاء الدولة في حالة موتٍ سريري. هناك مشكلة في أنّك حين تحاول اقناع برجوازيٍّ لبنانيّ، فأنت مضطرّ الى استخدام لازمة «الانهيار» حتّى يستمع اليك، أي التهديد بأنّ حسابه المصرفي سيصبح بلا قيمة، وشقّته ستكسد، ولن يتمكّن من شراء سيّارة جديدة مستوردة؛ أمّا أن تشرح له عمليّة الإفقار الممنهج، وأنّ النّاس تعاني وحياتها تزداد قسوة، وأنّ تراكم الفقر والجهل سندفع ثمنه في نهاية الأمر، كلّ هذه الاعتبارات لا تدقّ لديه أجراس انذار. ولكنّ تبيان الأثر الاجتماعي للسياسة الماليّة في لبنان ــــ والمعنى الحقيقي لـ«الانحدار» ــــ لا يحتاج حتى الى أرقام، بل يمكن معاينته بالتجربة المباشرة لكلّ من عاش في هذا البلد، وهو في عمر يسمح له بأن يقارن الحال قبل خمسة عشر عاماً بما هي عليه اليوم: من كان طبقةً وسطى أصبح «على الحافّة»، ومن كان مستوراً يكافح أصبح فقيراً محتاجاً. ومن كان يقدر، ولو بصعوبة وتضحية، على تقديم تعليمٍ لائقٍ وحديثٍ لأولاده لم يعد يأمل بالترقّي الاجتماعي حتّى عبر هذا السبيل.
هذا ما يحصل حين تسحب، من الفقراء والعمّال بشكلٍ أساسي، نسبةً متعاظمة من دخلهم على شكل ضرائب ورسوم، وتحرمهم من أبسط الخدمات، ولا تستثمر في تعليمهم وتنشئة أولادهم. بهذا المعنى، لو أنّنا أعلنّا إفلاسنا وتوقّفنا عن الدّفع منذ عشر سنوات، وتعاملنا مع الموضوع وقتها، لكان الحال أفضل بكثيرٍ من اليوم. ولو فعلناها اليوم، فهذا أفضل من الانتظار للسّنة المقبلة أو التي بعدها، أو حتّى يداهمنا الإفلاس ولا يعود خياراً. كلّ ما يعنيه المسار الحالي هو أنّنا سندفع الثمن مرّتين، مرّةً عبر الافقار والاستنزاف لدفع خدمة الدين، ومرّة ثانية حين يأتي الانهيار في نهاية المطاف. من هنا، فأنا أجد أنّ التعبير (الوحيد) للإرادة الشعبية في السياق اللبناني الحالي لا يتجلّى في الاقتراع في انتخابات، بل في الأخذ بزمام هذه الدّورة المقيتة وايقافها، وأن تتوقّف السّرقة من جيوبنا. السّؤال هو ليس في تجنّب الانهيار، بل في التّحضير له وأن نشرح للناس ــــ مسبقاً ــــ من صنعه ومن مسؤولٌ عنه، وفي تقرير من سيدفع كلفته الكبرى، نحن أم أصحاب الأرصدة والمصارف، ومن تآمر على مستقبلنا وأثرى لسنواتٍ عبر الفساد واستغلال الاقتصاد وألاعيب «الهندسة المالية»؟

خاتمة

منذ فجر الحضارة، من الأمور التي تضع الناس «العاديين» في موقع ضعفٍ أمام «الأقوياء» هي مسألة الوصول الى المعلومة والمعرفة. في البورصة، كما في السياسة، يملك الثريّ قبل غيره القدرة على معرفة اتّجاه الأمور والتحضّر للتغييرات والاستفادة منها. في المقابل، يروّج النّظام باستمرار ثقافة استكانةٍ بين المواطنين، تحاول أن تطمئنهم باستمرارٍ الى أنّ الأمور لن تتغيّر، وأنّ المسار القائم له منطقٌ ما يبرّر وجوده وبقاءه. هناك ما يشبه ذلك في حالة السّعوديّة، اذ يخبرني أصدقاء سعوديّون عن نظريّة سائدة بأنّ الأزمة المالية الحالية ليست الا تكراراً لدورات صعود وهبوط أسعار النفط في الماضي، وهي لم تقوّض الدولة السّعوديّة. المشكلة هنا ايضاً هي حين لا تقدّر أنّ «الدّورة»، وإن تشابهت مع سابقاتها بالمعنى العامّ، الّا أنّها تجري كلّ مرّةٍ في سياقٍ تاريخيٍّ جديد، وتولّد نتائج تختلف نوعيّاً عن السّابق، فالتاريخ لا يكرّر نفسه.
أمّا في لبنان، فإنّ الحصول على قانون انتخابيّ أفضل لن يصنع فرقاً حين يتهدّم الهيكل، ويصل النّظام الذي بُني بعد الحرب الأهلية الى نهايته المنطقيّة. أن أجد نفسي في بلدٍ بني على الاستغلال والفساد والإرث السياسي، نظامه يسرقني ولا يحميني ولا يخدم شعبي، فهذا قدرٌ فُرض عليّ ولم أختره؛ ولكن أن تطالبني بالمساهمة في هذا النّظام الفاشل وانتخاباته، وبالنّضال «القانوني» في بلدٍ بلا قانون، والّا أكون كسولاً متقاعساً، فهذه وقاحة. في وسعنا أن ندفع الناس في اتجاه قضايا نجدها محقّة، ولكن الأولى هو أن ننتبه الى الخطر المحدق وأن ننتبه أنّ الأسوأ قادم، وأن نتحضّر له: أن نستثمر ونبني خارج هذا النّظام وليس فيه، أن نكون جاهزين حين تحين السّاعة لحماية القليل الذي يستحقّ الحماية في هذا الوطن، وأن ننتظر المقدّر.