الإنجاز المذهل بتحرير مدينة الحضر من قبل الحشد الشعبي بأقل من 48 ساعة كما صرح أغلب قادة الحشد، لم يلغِ مسألة أن الحضر ارتبطت في ذهن أغلب العراقيين بما بثته البروباغندا البعثية الصدامية عن تاريخها. كونها مدينة دمرها الحقد الفارسي، وخيانة ابنة ملكها التي أحبت غازي مدينتها الفارسي فتسببت بالكارثة.


أي إنهم تركوا في أذهاننا خلطة بشعة من قصص الخيانة والحقد القومي لم يُترك فيها مجال للتاريخ كي يتنفس. ولكن فضلاً عن أسطورة الخيانة المزعومة تلك، يحفظ التراث العربي واليوناني واللاتيني للحضر مكانة مختلفة، كونها الحصن الصحراوي الذي لم يُهزم أمام الرومان. ونجح بالتصدي لحملتين حربيتين وثلاثة حصارات فاشلة من قبل أقوى وأشد أباطرة الرومان. ونجحت الحضر بأهلها العرب والآراميين، وحلفائها البارثيين بتنظيم حرب استنزاف جريئة قوامها غارات العشائر العربية وثورات الفلاحين وأهل الحواضر ضد الحملات الرومانية حتى هزموها.
والمسألة الأخرى التي سأحاول أن أضيء عليها ضمن السرد الذي سأقدمه، هي التعرف إلى أصالة الوجود العربي في الهلال الخصيب، وكيف أنه تطور وترعرع ضمن أحشاء الثقافة الآرامية وهو وريثها الشرعي لا نقيضها. وأن العرب مروا بمرحلة لم تكن تميزهم عن إخوتهم الآراميين وهو ما يسميه بعض الباحثين الـ proto-Arabs، أي «العرب الأوائل»، وهذه المرحلة أي مرحلة proto-nation، أي «الأمة في طور التكوين» إن صحّ التعبير، هي مرحلة مرت بها كل الشعوب.
ومن «أشباه العرب والآراميين» هؤلاء وغيرهم الكثير من فرس ورومان وأرمن ويونان، ولدت أمتنا بين طرق القوافل، وعلى ظهور الجمال وسروج الخيل، وأكناف المعابد والحصون، بمعنى أنها لم تأتِ ناجزة جاهزة كعرق من مكان ما، بل هي ولدت ضمن مخاض الحروب وأسواق التجارة والمدن العتيقة وتلك المنسية.

عصر القمة الرومانية

هناك نظرية في التاريخ الروماني تسمى (النظرية التجارية للتوسع الروماني) التي دافع عنها مؤرخون كثر، وفسرت هذه النظرية حروب الرومان باتجاه السيطرة على سواحل الخليج ومحاولة إحياء إمبراطورية الاسكندر والوصول إلى الهند.
يعتبر المؤرخون عصر الامبراطور الروماني تراجان (117-98م) العصر الذهبي للفتوحات والتوسع العسكري الروماني. ففيه وصل الرومان إلى أوج قوتهم، وتزامن ذلك مع صعود ما عرف (بالنخبة الإسبانية) وهم خليط من أثرياء (ولاية هسبانيا)، أغلبهم من أحفاد المستعمرين الرومان الأوائل لشبه الجزيرة الأيبيرية ومنهم سناترة وقادة كبار وضباط وملاكو أراض. وقد أشعل أجداد هؤلاء حروباً مدمرة بعد ما انتزعوا السواحل الأيبيرية الشرقية من القرطاجيين وتقدموا بعمق البلاد حتى أخضعوها.
كانت هسبانيا بلاداً شبه عذراء وغنية بالغابات والأراضي البكر، حتى اشتهرت مقولة رومانية أن بإمكان سنجاب أن يعبر من جنوب هسبانيا لشمالها عبر الأشجار المتصلة دون أن تمسّ قدماه الأرض. بعد أن استقرت لهم الأمور، قطعت الكثير من الغابات فبيعت أخشابها، وحولت أرضها لكروم وحقول وزيتون، وشقت الطرق وبنيت الجسور الضخمة، وأنشئت مشاريع ري معقدة.
كل هذا سمح بصعود نخبة من أحفادهم بعد قرون، بأجواء تتميّز بالثقة العالية بالنفس كما بدورها التاريخي، وإيمانها بالقوة العسكرية وبالثراء، وبحسن الإدارة والعدل نسبياً مع رعاياهم في نفس الوقت.
ولكن ذلك لم يكن ليشمل من هم خارج حدود الإمبراطورية، فهؤلاء كحالنا اليوم، كانت تنتظرهم حروب قاسية وخطط هذه النخب لتوسيع الإمبراطورية. أما بالنسبة إلى المواطنين الرومان، فقد شكلت النخبة الإسبانية تلك، جزءاً من عصر «الأباطرة الخمسة الجيدين» وهي تسمية جاد بها ميكيافيلي بعد أكثر من ألف عام ليصف تلك المرحلة، ومعبراً عن رأي المواطنين الرومان على الأقل.
لم يكن الإمبراطور تراجان سوى واحد منهم، وهو المولود في مستعمرة ايتاليكا الرومانية الغنية قرب إشبيلية اليوم. سعى هؤلاء للتوسع في البلقان والمشرق، ونجحوا بمساعدة فرق حليفة من مختلف الأمم، لقهر أعداء الإمبراطورية، كالجمالة التدمرية «العربية» التي لعبت إلى جانب أمم أخرى خاضعة للرومان، دوراً في غزو وإخضاع (داسيا) أو (داكيا) وهي رومانيا الآن. الجدير بالذكر، أن مشاركة الفرسان العرب وقوة الجمالة قد شكلت منذ مدة مظهراً ثابتاً وتشكيلاً أساسياً في قوام الجيوش الرومانية وحملاتها في المشرق وشمال أفريقيا وأوروبا. (راجع دراسات عرفان شهيد منشورات جامعة هارفرد).
في الوقت الذي كان غرب المتوسط متحداً ويبحث عن أراض جديدة ليحتلها وينهبها، ويضم إليه حلفاء ويراكم ثروات وخبرات عسكرية، كانت منطقة المشرق بين القرن الثالث ق.م والقرن الثالث ميلادي تعيش عصراً عُرف عند المؤرخين العرب لاحقاً (بعصر الطوائف). وعصر الطوائف هذا هو نتاج فشل مشروع الإمبراطورية المقدونية القاضي بتوحيد المنطقة وخلق سوق واحدة من الهند إلى البلقان، والذي سعى لتأسيسه الاسكندر الأكبر.
توفي الاسكندر الأكبر في بابل عام 323 ق.م، وذكر المؤرخون الإغريق والرومان في حينها نظريات كثيرة حول موته، منها أن حمى أصابته فأهلكته. وأخرى تتحدث عن تسميمه من قبل النخبة الفارسية/البابلية ثأراً لانهيار الإمبراطورية الإخمينية الفارسية. وأقاويل عن صراعات بينه وبين كبار قادته على نظام الحكم وإصلاحاته والتعامل مع الثروة الكبيرة التي غنموها.
على كل حال، أمام هكذا نخبة وهكذا مشروع، كان على المشرق الممزق على شكل ممالك صغيرة وإمارات لا تحميها مظلة إمبراطورية، ونصف شعوبه ونخبه حالف الرومان، أن يواجه آلة الحرب الرومانية وحلفائها.

عصر الطوائف العربية الآرامية (168 ق.م- 272م)

شهد هذا العصر بروز عدد من الإمارات (العربية الآرامية) كحمص وبعلبك والبتراء وتدمر والرها والحضر والكرخة (ميسان) على ضفاف دجلة، وشكلت هذه المدن، إذا استثنينا الكرخة وبعلبك موقعاً صحراوياً، أو لنقل ليس ببعيد من البادية بحكم توسطها مواقع بين نهر الفرات وجبال البحر المتوسط الشامية، كمحطات تجارية وأسواق غاية في الأهمية. فجنت أرباحاً هائلة من رسوم عبور القوافل وتنظيم رحلاتها التي نقلت السلع الهندية والصينية عبر بلاد الرافدين والشام لإشباع حاجات وطلب الاقتصاد المزدهر والغني للمدن الرومانية البحر المتوسطية.
أما عن نظام الحكم في تلك الإمارات فكانت مكونة على الأغلب من سلالات عربية بدوية الأصل، يعضدها أوليغارشيا آرامية عربية من التجار وشيوخ العشائر. وشكل السكان خليطاً عربياً آرامياً مع وجود أقليات يونانية وفارسية ويهودية، عبدوا آلهة مختلفة فما كان من الممكن لمراكز تجارية كهذه أن تكون ذات لون ودين واحد. ومع ذلك يعتقد أن الحضر كحمص والكثير من مدن المشرق في القرن الثاني والثالث ميلادي كانت ميالة أكثر لعبادة إله الشمس البابلي شمش الذي كانت عبادته رائجة جداً في تلك الحقبة.
من المرجّح أن مجتمعات كالحضر كانت ثنائية اللغة كالكثير من مدن شمال العراق والجزيرة السورية اليوم. ولكن من الواضح أن الثقافة الآرامية كانت هي السائدة على هذه الحواضر، فأغلب ما دوّنه سكانها كان آرامياً حتى صار من الصعب تمييز العربي منهم عن الآرامي، فاعتبر هؤلاء القوم عرباً ممن «تآرموا» أي طغت عليهم الثقافة الآرامية.
وهو ما أجبر المختصين على الاختلاف حول «عروبة» هذه السلالات لشدة تأثرها بالآرامية. فكانت اللهجات «العربية الشمالية» متأثرة بقوة بالألفاظ والقواعد والحرف الآراميين. وهي مرحلة مرت بها كثير من الأمم قبل أن تنفصل وتشكل لنفسها قومية منفصلة. وما زال لدينا عشائر عربية في الحسكة بسوريا والجزيرة العراقية متعددة القوميات (كردية، عربية، تركمانية، وأحياناً سريانية).
وحسب رأي روبرت هويلند وهو من أهم المختصين بتاريخ العرب قبل الإسلام وبدايات الإسلام، لم يبدأ «تعريب» العرب الشماليين، لتصير عربيتهم شبيهة أكثر بعربيتنا اليوم، حتى وفود الهجرات اليمنية الكبرى في القرن الثالث الميلادي للعراق والشام. لتظهر لنا أولى النصوص الكتابية العربية مكتملة وخالية من القواعد الآرامية (Hoyland: 2002, p236). ومن هنا سمى المؤرخون المسلمون هذه الفئة لاحقاً بالعرب المستعربة وهي نفس الفئة التي يُفترض أنه انحدرت لاحقاً منها قبيلة النبي محمد قريش.

حملة تراجان 116/117م.

من وجهة نظر النخبة الرومانية الطموحة، كان يجب التخلص من الوسيط الصحراوي العربي/الآرامي. لأن وجود هذا الوسيط ممثلاً بالإمارات المذكورة كان يرفع السعر النهائي للسلع ويبقي السيطرة الرومانية على المشرق شكلية. أما بالنسبة إلى هذه الإمارات فكانت تلك هي الكارثة بعينها وخاصة بالنسبة إلى العاصمة الاقتصادية لتلك المنطقة تدمر. فحملة تراجان كانت تنوي دفع حدود الإمبراطورية الرومانية إلى الكرخة في جنوب العراق ليس بعيداً من سواحل الخليج. مما سيحرم تدمر من رسوم النقل والعبور باعتبارها معبراً حدودياً وسوقاً، ومع ذلك ساهمت قوة تدمرية في هذه الحملة بالضد من مصلحة المدينة.
انطلقت حملة تراجان لغزو بادية الشام أولاً، فسقطت البتراء، وتوجهوا بعدها نحو شمال بلاد الرافدين بجيش ضخم عام 116-117م.
وبدأ التوسع بإسقاط الرها فأُعدم ملكها الأبجر وتوسعت الحملة غرباً، باتجاه سنجار وحدياب التي كانت آرامية يهودية (أربيل الحالية)، فتكريت حتى وصلوا إلى طيسفون فنهبوها. واصل الرومان زحفهم صوب بابل فسقطت وطوبت ولاية رومانية، وصلى تراجان وأشعل البخور في ذات البيت الذي توفي فيه الإسكندر الأكبر قبل 4 قرون، تبركاً به وكوريث لإمبراطوريته. استمر زحف الرومان جنوباً حتى وصلوا إلى إمارة الكرخة (ميسان الحالية) الآرامية على نهر دجلة بجنوب العراق وكانت تلك المدينة مفتاح التجارة المشرقية مع الهند ومصبها في آن.


لا نعرف بالضبط متى بنيت الحضر، ولا نعلم بالضبط متى تولى أمرها العرب

لكن مدينة واحدة وقفت شوكة في وجه حملة تراجان، بعكس أغلب أخوات الصحراء ممن سقطن أمام الحملة الرومانية أو سرن في ركابها مرغمين، وتلك هي الحضر. لم تكن الحضر بذلك الوقت بأهمية تدمر تجارياً، بل كانت في ذلك الوقت أصغر وأفقر، ولكن قيمتها الأساسية لعرب الجزيرة الفراتية تمثلت في كونها أحد أهم مراكز إله الشمس بشهادة كاسيوس ديو (Hoyland: 2001, p77).
لكن ما كان لإمبراطور منتصر كآله حرب عاصف، أن يضمن نجاح مشروع ضمّ بلاد الرافدين وأرمينيا بدون اقتلاع الحضر. توجه تراجان بقواته عقب انتهائه من ميسان نحو الحضر، ففرض حصاراً محكماً عليها بإشرافه شخصياً.
صادف تراجان، حاكماً قوياً لا يلين ذلك هو (مري ورد) أي السيد ورد بالآرامية (Retso: 2000, p436)، فنجح في أن يصدّ الحملة، ويبدو أن تنظيماً واسعاً بين مري ورد، وحلفائه البارثيين واليهود، فضلاً عن الأعراب لشنّ حرب استنزاف قوات الاحتلال الروماني. تمثلت تلك الحرب بسلسلة من الغارات السريعة فرقت الرومان أينما وجدوا، واستمروا بالإغارة على معسكراتهم وخطوط إمدادهم من قبل الأعراب. وفي الجانب الآخر ثار البارثيون وأعادوا تنظيم جيوشهم، وتمرد اليهود في حدياب وفلسطين، فشتت ذلك قوة الرومان.
ولكن كل ذلك لم يفت من عضد تراجان وواصل حصاره، حتى جاء الفرج وفق الأسطورة العربية من إله المدينة، أي شمس الشرق الحارقة. فالسرديات التاريخية والأدبية تقول إن الشمس أعيت جيشه، وأنهكهم العطش، وأصابته هو شخصياً بما نعرفه باليوم بضربة شمس وكان رجلاً مسناً، فسقط طريح الفراش. نقل تراجان على إثرها إلى أنطاكية ومنها إلى روما ليموت مهزوماً.
عقب وفاة تراجان استغلّ كل من تجار تدمر وحمص من ذوي النفوذ الفرصة للضغط على الإمبراطور الجديد لسحب القوات الرومانية خلف الحدود القديمة وترك أحلام ضم العراق وشأنه. أعقب هذه الحملة الفاشلة أمرين، ففضلاً عن استعادة تدمر موقعها التجاري، تعزز نجم الحضر كمركز ديني وتجاري وسياسي.

حملة سبتيموس سبيريوس

بعده بقرابة قرن من هزيمة تراجان لم تعد الحضر مدينة يديرها سادات العرب، بل صعدت سلالة عربية/آرامية جديدة عام 152م هي سلالة مري نصر، سيكون لها شأن عظيم في تاريخ العرب، والذي توج أحفاده لاحقاً ملوكاً من قبل البارثيين. وقام أحد هؤلاء الملوك وهو الملك برسميا، بدافع من الشعور بفائض القوة والنفوذ بالتدخل بشؤون الرومان والاشتراك بحرب وراثة العرش الروماني، إلى جانب حلفائهم أمراء حدياب وأباجرة الرها.
تسبب هذا التورط بالشان الروماني بالمحصلة إلى نتيجتين الأولى هي صعود نجم ما سيعرف بالتاريخ بالسلالة الشامية أو السورية، التي ستحكم روما لقرابة قرن منهية نفوذ السلالات الإسبانية، وسترفع من شأن تدمر وحمص ودمشق قبل أن تطيح بهم السلالات البلقانية، وهو ما سنناقشه في مقال منفصل.
النتيجة الأخرى هي بدء حرب جديدة على الأراضي البارثية عام 197م بأهداف جدّ متواضعة لا لضمّ العراق إنما لتأديب البارثيين وعرب الحضر. فكانت حملة سبتيموس سبيريوس المولود في ليبيا وحليف النخب الشامية الغنية.
انطلقت الحملة نحو العراق من ولاية بيزنطة، وتروي الحوليات الرومانية أن سبيريوس مر أثناء زحفه بضريح القائد القرطاجي العظيم هنيبعل في مدينة لبيسا على بحر مرمرة فأمر بتغطيته بأجود أنواع الرخام تكريماً له.
غزا سبيريوس شمال العراق ووسطه وفتح طيسفون عاصمة البارثيين ونهبها، وتوجه بعدها نحو الحضر. فرض سبتيموس حصارين على الحضر عامي 199 و200، ولكن الملك برسميا، أثبت أنه كان نداً للإمبراطور.
نجح برسميا بتنظيم استراتيجية دفاعية فعالة، فتولى القتال بنفسه مع جنوده ليصبرهم ويشد من عزمهم. واعتمد المدافعون على إلقاء قنابل النفط بكثافة على الغزاة، وفي الوقت نفسه اتفق برسميا مع حلفائه الأعراب على شن هجمات خاطفة مميتة على معسكرات الجيش الروماني (Retso:2000, p459). تعترف المصادر الرومانية واليونانية بأن هجمات العرب كانت الكابوس الذي يؤرق جنود الرومان، وهم عطشى في تلك البرية.
استمر الحصار 20 يوماً، ففي الوقت الذي أنهك العطش وضربات العرب الجيش الروماني، كان وضع المدافعين جيداً لخزنهم كميات كبيرة من الماء والغذاء. فشل سبتيموس بحصار الحضر، وطال الفشل حملته برمتها، فخلد العرب اسم برسميا وزاد ذلك من شأن الحضر ومعبدها. بل إن جان رتسو يذكر هنا أن أغلب ملوك عرب الحيرة وبصرى والشام حرصوا على الانتساب لملوك الحضر (Retso: 2002, p447-446). كما سينتسب لاحقاً لهم بنو الورد حكام بنزرت بتونس، وبنو عباد أمراء إشبيلية ورعاة عصرها الذهبي.

الحضر مدينة الشمس

لا نعرف بالضبط متى بنيت الحضر، ولا نعلم بالضبط متى تولى أمرها العرب، ولكن ما وصلنا مترجماً إلى العربية، من كتب نبط السواد (أي آراميي العراق) كالفلاحة النبطية، المنسوب لعالم آرامي عرف (بقوثامى الكسداني) عاش في القرن الثاني الميلادي. ويفترض أن قوثامى شهد الحملة الرومانية الثانية، وهو يشير إلى أن ملوك الحضر وردوا العراق من بادية الشام وتسيد جد السلالة على مدينة كوثا ربا قبل أن يتسلموا أمر الحضر بأمر من البارثيين (طرابيشي: 2004، ص208).
يقترح جان رتسو أن تكون الحضر بمعبدها الضخم الخاص بآله الشمس، المركز الديني الأكثر أهمية للعشائر العربية/الآرامية في المشرق في الحقبة الهلنستية (300 ق.م – 300 م). ويشير إلى سيطرة ملوك الحضر على ولاية عربايا التي كانت على شكل مثلث من أربيل حتى الرها، ضاماً إليها سنجار والخابور وعربهم. وهو ما سيسعفهم كثيراً في حربهم مع الرومان.
لم تكن الحضر بالمدينة الكبيرة، ولكن حسب وصف واريك بول عالم الآثار البريطاني والباحث العربي ماجد عبدالله الشمس، فقد بنيت على 2 كلم مربع فقط، وبنيت كأغلب مدن الرافدين بشكل دائري لأغراض دفاعية. فلا بد للمهاجم أن ينعطف بزاوية قائمة 90 درجة، وهذا ما سيضعف من زخم الهجوم ويبقيهم في مرمى رماة المدينة.
وبني حول المدينة سور ترابي وبعده بـ500 متر، حفر خندق بعمق (5-4 أمتار) وعرض 8 أمتار، وبني جانبه القريب من المدينة بحجارة صخرية بكر. كان هذا الخندق على الأغلب يُملأ بالماء معظم أيام السنة لأغراض زراعية. وفي حالة الحرب كان يشكل مصداً طبيعياً. فما أن تجتاز القوة الغازية الخندق تجد نفسها بين فكي كماشة المدافعين، والفرسان العرب خارج السور. ويأتي بعد ذلك سور المدينة الداخلي المدعم بـ163 برجاً دفاعياً بنيت أساساتها من الأحجار الصلدة وأجزائها العلوية من اللبن. وما ساعد على ذلك طبيعة الأرض الصلبة للحضر التي تسمح ببناء مثل هذه الأوزان. وهو ما يمكن أن يلاحظه الزائر اليوم لهندسة الحصون العربية في الأندلس.
وللمدينة 4 بوابات مزورة (أي منحرفة) ومن هنا جاء لقب الزوراء على مدينة بغداد التي اتبعت نفس التقليد المعماري لمدينة الحضر. تسمح البوابات المزورة والمشيدة على سورها الرئيسي بالاتجاهات الأربعة على رصد من كل الاتجاهات. وصممت الجهة الشمالية الغربية (وهي الجهة التي قدروا أن العدو سيأتي منها حدود الإمبراطورية الرومانية) بحيث تكون يمين المهاجم جهة أبراج السور، مما يسهل قذف وأصابة اليد الحاملة للسلاح من أعلى ويصعب استخدام الغازي لسلاحه.
كانت الحضر (مدينة – معبد) حالها كحال تدمر والقدس، مساحة المعبد معتبرة من مساحة المدينة، فكان هذا «المجمع المعبدي» لربما أكبر مجمع معبدي قائم كقطعة واحدة، في المنطقة الممتدة غرب الهند، وذلك بمساحة 156,800 كلم مربع كما يرى واريك بول. وينتمي البناء المعماري لحصن الحضر للمدرسة الشرقية في البناء فقد كان بناءً ضخماً تلاقت فيه الفنون والمؤثرات الهندسية البارثية والآشورية ولم يكن يشبه فنون البناء الغريكو-رومانية التي انتشرت في تلك الحقبة في منطقتنا، مما يزيد من قيمته التاريخية لفرادته وندرته (Ball:2000, p330).

الخلاصة

ساعد تصميم حصن الحضر المعماري وموقع الحضر شبه الصحراوي على صمودها، فهي مثل مكة أنشئت في واد غير ذي زرع. وفي واد كهذا من الصعب أن يحشد الغازي جيشاً كبيراً لصعوبة تموينه بالماء والغذاء. فعلى الأغلب اضطر تراجان وسبتيموس سبيريوس لترك معظم جيشهم خلفهم في الوادي الخصيب ومحاصرة المدينة بنخبة منتخبة من قواتهم. الأمر الآخر أن الحضر حالفت العشائر العربية حولها كما فعلت مكة. ولعل هذه هي الجزئية المحذوفة من سردية حادثة فشل حملة أبرهة الحبشي على مكة بعد قرابة 4 قرون.
نجح سراة الحضر في بناء جبهة من مكونات المنطقة من عرب وآراميين وبارثيين ويهود، وحشدوا قواهم لصد الغزو. كما كانت هذه الجبهة من الناحية الاجتماعية، متباينة تنظيمياً، فهي ضمت أعراباً وتجاراً وكهنة وفلاحين ونبلاء. كانت أرضية هذا التحالف هي تشابك المصالح التجارية لكل هذه الأطراف، ولم تشأ أن تسحق الإمبريالية الرومانية شبكة الخطوط التجارية للمنطقة، هذا فضلاً عن مكانة الحضر المقدسة لدى العرب كوريثتها بعد ذلك مكة.
لست في وارد أن أقدم لوحة رومانسية عن التعايش والتعاضد بين شعوب المنطقة وأقوامها شبه البائدة التي نفخر بالانتماء إليها للتصدي للغزو. ولكني أفضل إن رُويت قصة الحضر، أن تروى كسردية تعلمنا شيئاً عن القوة والصمود، لا أسطورة حقد قومي وأمراض ذكورية عن خيانة امرأة. ومع الأسف الشديد لم ينقل لنا التراث العربي ولا غيره بما خاطب مري ورد وبرسميا أولئك المقاتلين والأهالي في حصن الحضر؟ وبأي لغة انتخاهم؟ العربية أم الآرامية؟ ولكن ما كان ليهمهم بأي لسان يخاطبهم قائدهم، وهم تحيط بهم، سيوف الرومان الفتاكة من كل ركن وزاوية. وتنتظر من نجا ملحمة من السيوف صغاراً قبل الكبار، تشبه بوحشيتها ما حصل لمئات المدن منذ مذبحة قرطاجة. ولكن أهل الحضر صمدوا ولربما لو كنتَ اليوم من دمشق أو صنعاء أو الحديدة سيسعدك أن تعرف قصتهم.

المصادر:

Arabia and the Arabs. Robert G Hoyland (2001)
Jan Retso. The Arabs in Antiquity (2003)
Warwick Ball. Rome in the East (2000)
Irfan Shahid. Rome and the Arabs (1984)
جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (طبعة 1995)
جورج طرابيشي، العقل المستقيل في الإسلام؟ (2004)
* كاتب عراقي