على عكس ما يُشاع هذه الأيام من مناخات بأن سوريا باتت عرضة للتقسيم، وأن الولايات المتحدة تحضّر لهجوم عسكري على جنوب البلاد، وأن روسيا سوف تدخل في صفقة مع أميركا على حساب سيادة واستقلال سوريا، فإن التطورات الميدانية والسياسية تؤشر إلى أن سوريا تسير قدماً نحو تعزيز سيطرة الدولة على أراضيها.


فمن خلال قراءة متأنية للمشهد يتضح التالي:
أولاً: منذ تحرر الأحياء الشرقية لمدينة حلب، تمكن الجيش بدعم من الحلفاء من تحرير واستعادة أجزاء واسعة من المناطق إلى كنف الدولة، فتم تحرير معظم الريف الشرقي من حلب، وجرت استعادة مدينة تدمر وتحرير قسم كبير من ريف حمص الشرقي واقتراب الجيش من الوصول إلى الحدود مع العراق.
ثانياً: إجراء مصالحات عديدة في ريف ومحيط دمشق وريف درعا واستكمال مصالحة حي الوعر في حمص. وأدت هذه المصالحات إلى تحقيق ثلاث نتائج هامة:
عودة مناطق هامة وحيوية إلى كنف الدولة لا سيما في محيط العاصمة، الأمر الذي عزز مساحة الأمن والاستقرار وحرر العاصمة من ابتزاز المسلحين بقطع مياه نبع الفيجة. وتحرير قوات كبيرة من الجيش كانت منتشرة حول الأحياء الشرقية من مدينة حلب والمناطق المحيطة بدمشق وفي ريفها في مجابهة الجماعات المسلحة، وانتقال هذه القوات إلى مناطق أخرى. وتشجيع مناطق أخرى على الانضمام إلى مسار التسويات والمصالحات بعد أن أكدت الدولة مصداقيتها والتزامها بتعهداتها في تطبيق الاتفاق إن كان لناحية نقل المسلحين الذين رفضوا المصالحة إلى محافظة ادلب أو مناطق أخرى، أو كان لناحية تطبيق العفو الرئاسي فيما خص المسلحين الذين قرروا تسوية أوضاعهم والاستفادة من هذا العفو.
ثالثاً: فشل جميع الهجمات التي حاول فيها المسلحون استعادة زمام المبادرة ووقف تقدم الجيش، وظهر هذا الفشل في محيط العاصمة عندما حاول المسلحون انطلاقاً من حي جوبر والغوطة الشرقية شن هجمات متتالية لفك الحصار عن حي القابون، كما ظهر هذا الفشل في إخفاق هجومهم في ريف حماه الشمالي، وفي حي المنشية في درعا.
وأدت هجماتهم إلى نتائج عكسية.
1ـ ففي محيط العاصمة تمكن الجيش السوري من إحباط هجمات المسلحين واستعادة النقاط التي دخلوا إليها، وتوسيع نطاق سيطرته، ومن ثم عزل أحياء برزة وتشرين والقابون عن بعضها البعض، وصولاً إلى إجبار المسلحين في هذه الأحياء على الدخول في التسوية والرحيل عن كل هذه الأحياء، وقد سبق هذا الإنجاز الميداني الهام، إنجاز آخر لا يقل أهمية تمثل بتنفيذ اتفاق خروج المسلحين من الزبداني ومضايا وسرغايا، مقابل خروج المصابين وأهالي بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين في محافظة إدلب.
2ـ أما في المنشية، فقد فشلت هجمات جبهة النصرة التي منيت بخسائر كبيرة بالأرواح.
3ـ في ريف حماه الشمالي شنّ الجيش هجوماً معاكساً أسفر ليس فقط عن استعادة كل البلدات والقرى التي سيطر عليها المسلحون، بل تمكن من استعادة بلدات أخرى هامة واقترب من حدود محافظة ادلب، مما أقلق الجماعات المسلحة والدول الداعمة لهم فدبروا هجوم الكيميائي في خان شيخون، بهدف وقف هجومه وتوليد الضغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب لتغيير موقفه، ودفعه لتوجيه ضربة عسكرية للمطارات ومواقع الجيش السوري.


التطورات الميدانية عززت موقف الدولة الوطنية وحلفائها

غير أن قصف أميركا لمطار الشعيرات في حمص لم يؤدّ إلى تحقيق أيّ من هذه الأهداف، بل إنه أدى إلى ردّ روسي سوري إيراني قوي برفض العدوان وانتهاك سيادة سوريا، أو توجيه الاتهام لها بشن الهجوم من دون أدلة.
هذه التطورات إلى جانب عودة الخلاف الأميركي التركي بشأن دعم واشنطن للوحدات الكردية، أجبر أنقرة والجماعات المسلحة الموالية لها للعودة إلى أستانا والتوقيع على مذكرة إنشاء مناطق منخفضة التوتر وتقضي بوقف الأعمال القتالية فيها وتلتزم الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) تنفيذ المذكرة التي تنص على احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية، واتخاذ التدابير اللازمة لمواصلة القتال ضد داعش والنصرة وجميع الأفراد والجماعات والكيانات المرتبطة بالقاعدة وداعش، وتشكيل فريق عمل مشترك يقوم بانجاز خرائط مناطق تخفيف التصعيد والمناطق الآمنة بحلول 4 حزيران 2017، وكذلك فصل الجماعات المعارضة المسلحة عن الجماعات الإرهابية المذكورة آنفاً.
ومثل هذه المذكرة التي تعيد التأكيد على ما جرى الاتفاق عليه في اتفاق أستانا الأول إثر تحرير الأحياء الشرقية من حلب، إنما تأتي اليوم بعد الهزائم المتتالية التي منيت بها الجماعات المسلحة، وهذه المذكرة تصبّ تماماً في مصلحة سوريا وحلفائها للأسباب التالية:
السبب الأول: إعادة إدخال الجماعات المسلحة وتلك المصنفة إرهابية في صراعات مسلحة تستنزف قواها. وهذا ما حصل مثلاً في الغوطة الشرقية.
السبب الثاني: تمكن الجيش والحلفاء من حشد القوات اللازمة لشن هجوم واسع ضد مناطق سيطرة داعش والتقدم على ثلاث جبهات، جبهة ريف حلب الشرقي باتجاه محافظة الرقة، وجبهة ريف حمص الشرقي وصولاً إلى فك الحصار عن دير الزور، وجبهة البادية وصولاً إلى الحدود العراقية لقطع إمدادات داعش ومنع الخطة الأميركية للسيطرة على الحدود.
السبب الثالث: إن الجيش من حقه الرد على أي خرق لوقف الأعمال القتالية من قبل الجماعات المسلحة.
هذه التطورات الميدانية عززت موقف الدولة الوطنية وحلفائها، وشكلت مؤشراً قوياً على أن زمام المبادرة في الميدان والسياسة بات بيد سوريا وحلفائها، وأن الجماعات المسلحة باتوا في حالة تراجع مستمرة.
أما الحديث عن أن مناطق تخفيف التصعيد سوف تؤدي إلى تقسيم سوريا، فإنه يندرج في سياق عدم قراءة دقيقة لطبيعة الاتفاق من جهة، وميزان القوى الذي بات يصب في مصلحة موقف الدولة السورية من جهة ثانية. فالاتفاق ينص بوضوح على التزام الدول الضامنة وحدة وسيادة البلاد في حين أن وجود الجماعات المسلحة في المناطق المذكورة إنما هو وجود الأمر الواقع لأن الجيش السوري لديه الآن أولوية تحرير المناطق التي تقع تحت سيطرة داعش، وعندما ينتهي من هذه المهمة، سوف يكون على الجماعات المسلحة في مناطق تخفيف التصعيد أن تختار بين الدخول في التسوية السياسية أو المواجهة.
أما وجود القوات الأجنبية في بعض المناطق فإنه سيتقرر خروجها في سياق التسوية في جنيف، والتي تشكل المخرج السياسي لها، لا سيما أن إدارة ترامب قد مهدت لذلك من خلال إعادة التأكيد على احترام قرار الشعب السوري. وقال ترامب في مقابلة مع صحيفة "وول ستريت جورنال"، بعد أيام على قصف مطار الشعيرات، إن سياسة إدارته لا تشترط رحيل الرئيس الأسد كجزء من الحل السلمي للصراع، معتبراً أنه «ليس من المستحيل تحقيق السلام مع بقاء الأسد في السلطة».
* صحافي لبناني