يتحدث الكاتب الروسي سيرغي كارا مورزا في دراسة له مكثفة وتُصنّف فعلاً على أنها «من العيار الثقيل» بعنوان «المحرومون في الاتحاد السوفياتي»، عن الفرق بين كيفية التعاطي المعرفي مع غرامشي في الاتحاد السوفياتي، وكيفية تعاطي الغرب معه، فيقول: «في عام 1975 صدر مؤلف غرامشي الضخم ــ كراسات السجن ــ للمرة الأولى على شكل طبعة علمية نقدية منقحة مؤلفة من أربعة مجلدات ومزودة بالشروحات». لقد كتب غرامشي كراساته الشهيرة في بداية عام 1929 حيث سمحت له السلطات الفاشية بالكتابة في سجنه.


نشرت للمرة الأولى باللغة الإيطالية في عام 1948. ومنذ عام 1975، بدأت وتوالت الإصدارات المتعاقبة وبكافة اللغات (عدا الروسية) كما يقول مورزا منتقداً التعاطي الرسمي للسلطات السوفياتية البالغ العقائدية والتحجر مع هذه الأفكار الجديدة التي طرحها المفكر الإيطالي، والتي صنعت ما هو ليس بأقل من ثورة في مجال علم الاجتماع المعاصر. يقول مورزا: «الملفت هو ليس طبع المجلدات الأربعة، بل ما صدر من مؤلفات وأبحاث وكتب ومقالات تبحث في ذلك العمل تقدر بالآلاف... وبالنسبة للإصدارات الروسية، فقد نشر حوالى ربع المؤلف في نهاية السبعينيات... ثم حظر اسمه من التداول لأسباب أيديولوجية!».
ومن أجل الدقة، يصنف المعجم النقدي للماركسية عقد الثمانينيات على أنه عقد هيمنة غرامشي على مجمل دراسات وأبحاث مدارس علوم الاجتماع الغربية، إذ صدر خلال هذا العقد ما يفوق العشرة آلاف ورقة بحثية موضوعها هو غرامشي وتحديداً «كراسات السجن». يقول سيرغي مورزا: «إلى اليوم يقدم في الولايات المتحدة وحدها ما يقدر وسطياً بعشر أطروحات سنوياً مكرسة لدراسة غرامشي، بالإضافة للمؤتمرات العلمية المنتظمة التي تعقد بشكل دوري حول هذا الموضوع». لقد درست مراكز الأبحاث الغربية والبرجوازية دفاتر غرامشي ومذكراته ورقة ورقة... فهكذا تدرس الأبحاث والكتابات التي تصنع ثورات في مجالات العلوم، خصوصاً إذا كنا نتحدث عن مجال شديد الأهمية والخصوصية لمصير الإنسانية ككل كمجال علم الاجتماع.
لقد وضع الياس مرقص كتابه الموسوعي البالغ الأهمية «الماركسية والشرق» في عام 1968 البالغ أكثر من 700 صفحة، فقط ليشير لنا إلى أن «الرسائل الشرقية ــ العربية» والنصوص الشرقية عموماً لماركس هي من هذا النوع تحديداً من الكتابات. ذلك النوع الذي يصنع الثورات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن كتابات ماركس الشرقية ليست مجرد نوع من «الاهتمامات الاستشراقية» عند ماركس، وليست كتابات على هامش الماركسية، وليست من باب ترف موسوعي ثقافي، بل هي مكمل ضروري رئيس لبنيان المادية التاريخية كنظرية معرفية تتناول الأنماط الإنتاجية في التاريخ كما بيّنا بشكل واضح في مقال «مراسلات ماركس العربية: بين المنهج والنص» السابق.


ليست المسألة إذا ما تم تعريب النص، بل إذا ما تم «تعريب المنهج»

ذلك هو الإنجاز المعرفي الهام الذي افتتحه الياس مرقص. الإنجاز الذي يمكن تصنيفه كسابقة لم تتبعها لاحقة. فإذا كنا نوافق مرقص طبعاً حول أهمية هذه النصوص ودورها الثوري الفعلي في مجال علم الاجتماع عموماً، ومنهج المادية الجدلية والماركسية خصوصاً، فهل أخذت هذه الدراسات حقها فعلاً من الدراسة والبحث عربياً على الأقل؟ (خصوصاً إذا قارنّاها بمثال كراسات السجن لغرامشي وطريقة التعاطي المعرفي الغربي معها). هنا التساؤل. الأفكار الكبرى تشكل ركائز لمفهومات. (فأفكار غرامشي بنيت عليها مفاهيم تحدّد اليوم وجه علم الاجتماع المعاصر: مفهوم الهيمنة ــ مفهوم المثقف العضوي ــ مفهوم الكتلة التاريخية...) هل حصل ذلك مع المراسلات العربية الشرقية لكارل ماركس؟ إن الياس مرقص ومعه ياسين الحافظ وإلى حدّ ما بوعلي ياسين قاموا بمحاولات مهمة ورئيسية في هذه الاتجاه. إنهم من ذلك «القليل» الذي أدرك أهميتها وثوريتها عربياً. وأعمالهم مفتاحية لكن للبناء عليها وليس للتوقف عندها. من البديهي أن المقصود من مفهوم «التعاطي المعرفي» أو التناول العلمي والنظري لبحث أو نص (خصوصاً إذا كان من مستوى مراسلات ماركس الشرقية أو كراسات سجن غرامشي) يتجاوز كثيراً مجرّد ترجمة هذه النصوص إلى اللغة العربية ونقلها إلى القارئ العربي في بضعة كتب. المسألة ليست في ترجمتها عربياً، بل في تناول التساؤلات الكبرى التي تطرحها هذه النصوص، فهي عموماً نصوص مثقلة بتساؤلات أكثر من كونها محملة بأجوبة. في حالة المراسلات الشرقية، تساؤلات كبرى حول دور الدين ودور الدولة وماهية الاستبداد الشرقي ونمط الإنتاج الآسيوي وعلاقة كل ذلك بالتاريخ المعاصر والواقع الحالي للأمة العربية ومستقبلها... فهل طرحت هذه التساؤلات من قبل الفكر السياسي والنظري العربي بالعمق والسعة المطلوبين؟ ليست المسألة إذا ما تم تعريب النص. بل القضية هي التساؤل إذا ما تم «تعريب المنهج»؟ هل امتلك العقل العربي ــ معرفياً على الأقل ــ ناصية المنهج المطروح في هذه المراسلات؟ (إذ يشير مرقص إلى أن ماوتسي تونغ على سبيل المثال لم يمتلك هذا المنهج معرفياً وحسب وبل استخدمه في ممارسته السياسية) هذا التساؤل مضمن في عنوان المقال وهذا المنهج هو المحور الرئيسي الذي يجب أن تتم الإضاءة عليه.
لقد تحدث مهدي عامل في «مناقشات وأحاديث» عن ضرورة ارتقاء وتحول العمل الفكري والنظري العربي من المستوى الحرفي الفردي نحو مستوى عمل الورشات الفكرية. ذلك ما لا يتم إلا عبر الجدل النظري والفكري الذي يتجه نحو بلورة الفهم في نهاية المطاف. عملاً بنصيحة «مهدينا» وجدت أن الرد ضرورة وفرصة في آن واحد.

*كاتب سوري