لم تكن الحقيقة التي خرج بها هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي أو غيرهما من المُنظّرين الاستراتيجيين حول أهمية إقامة ثلاثية دولية متوازنة تضم أميركا وروسيا والصين كلاماً عابراً. بل إن خلق ظروفٍ تُساهم في تمكين العالم اليوم من الانتقال من التوترات الحاصلة بين الدول الكبرى إلى نظامٍ جديدٍ يتّصف بالاستقرار بات أمراً ضرورياً.


وهنا، فإن كلام أرباب التخطيط الأميركيين بات يستحوذ على اهتمام نُظرائهم الدوليين، وخصوصاً أنه ينمُّ عن فهمٍ أميركيٍ يتّصف بالخضوع، لحقيقة انهيار منظومة القطب الواحد. وبالتالي حاجة العالم إلى أطراف متعددة قادرة على إدارة خيوط اللعبة السياسية الدولية، والتي يُمكن أن تُساهم في ضبط إيقاع الواقع الدولي بشكلٍ يسمح بتأمين ما يُسمى الاستقرار والتوازن، على أمل أن يُساعد ذلك في توحيد همِّ الأطراف دولياً، ويُساهم بالنتيجة في نزع فتائل التوترات في العلاقات الثنائية بينهم. وهنا، فإن أحد أهم المسائل التي عبَّرت عنها مخاوف كيسنجر وبريجنسكي وغيرهما من المنظرين الاستراتيجيين، أمثال الروسي ألكسندر دوجين، أستاذ العلوم السياسية المعروف باللسان المُعبِّر عن الفلسفة القومية التي يتبناها الكرملين، ليس فقط ما وصلت إليه الأمور دولياً على صعيد النتائج، بل إن المسألة الأهم والتي تُعتبر السبب الرئيسي للتفكير بهذا الواقع الخطر، هي تدهور الإدارة الدولية أو ما يُعرف بالقدرة على حوكمة النظام الدولي، حيث سقطت الخطوط الحمراء التي رسَت ولفترةٍ طويلة، كقواعد مُسلَّمة، تُنسَج على أساسها موازين القوى، وتُرسَم بحَسبها المعادلات. وهو ما يمكن ملاحظته من خلال وضوح انهيار أسس النظام العالمي، بل باتت قواعد هذا النظام كأنها من الماضي، ما جعل واضعي السيناريوات المستقبلية يُنذرون بأننا نعيش واقعاً يُشبه تماماً واقع ما قبل الحرب!
وهنا يُمكن إعادة أسباب الواقع الدولي الحالي وبموضوعية إلى الآتي:
أولاً: لا يمكن نكران، بل لا بد من الاعتراف، بأن نظام القطب الواحد أرسى ولفترةٍ طويلة واقعاً يعتمد على حُسن إدارة الولايات المُتحدة للملفات الدولية. وهو ما يعني، اليوم، أن الفراغ الذي أحدثه تراجع الاهتمام الأميركي بالعديد من الملفات ــ (بالرضى أو بالإكراه) ــ ولا سيما بعد الانسحاب من العراق، ترك آثاراً يبدو أنها لم تكن بأغلبها إيجابية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأطراف الدولية، التي حاولت سدّ هذا الفراغ، تنوَّعت بين طرفٍ حالمٍ بإعادة بسط نفوذه التي تمتع بها قبل الحرب الباردة، وطرفٍ آخر يبحث عن التعاظمٍ من أجل توحيد الشعوب خدمة لمشروع مُقارعة الاستكبار العالمي المُتمثل بأميركا وسياستها. لذلك، فإن الخوف الذي ساد لفترة طويلة حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، ما هو إلا شعور طبيعيٌ ومطلوب.
ثانياً: بعيداً عن المثالية، فإن إدارة أميركا لمنظومة القطب الواحد سادها الكثير من الشوائب، إذ إن أحد أسباب ما يجري اليوم، ليس فقط الفراغ، بل ما تركته واشنطن (عن قصد أو عن غير قصد) من إرثٍ سياسيٍ، كان ولا يزال مصدراً للاضطرابات على نطاق دوليٍ واسع، وخصوصاً بسبب البراغماتية المعهودة والتي أساءت للصورة السياسية لواشنطن، بالإضافة إلى سياستها التي اعتمدت الإدارة عبر الوكلاء، الأمر الذي نجم عنه فشل ذريع أدى في أغلب الأحيان إلى اصطدام الوكلاء في ما بينهم، بل وصلت الأمور أيضاً إلى خروج بعضهم عن الطاعة الأميركية، ما جعل أميركا تنتقل إلى سياسة الإقصاء، والتي كان لها العديد من النتائج الكارثية. فيما تُعتبر الفوضى التي تسود الشرق الأوسط اليوم، أحد النماذج التي تُجسِّد بشكلٍ واضح العيوب التي شابت النهج الأميركي.
الأقطاب الثلاثة: مقاربة خارج السياق الطبيعي تُلقي الضوء على حقائق خفية في الصراع الدولي!
في الحديث عن الأقطاب الثلاثة وكيفية نسجهم للسياسات الدولية، لا بد من تقييم وضعهم بشكلٍ دقيق، قبل تحديد مفاتيح المسار الاستراتيجي، نحو عالمٍ يُمكن إدارته بالردع المتبادل. وهنا نُشير إلى الآتي:
أولاً: تتعاظم روسيا اليوم على حساب نقاط الضعف الأميركي. لكن هذا لا يعني توقُّعها الاستفراد بالنصر الحتمي. فقد نجحت روسيا في كبح توسُّع «حلف شمالي الأطلسي» داخل النطاق الذي تعتبره حيوياً بالنسبة إلى أمنها القومي، الأمر الذي أدى الى إرساء قواعد جديدة في الصراع بينها وبين الغرب، أدت إلى تفادي الحرب وقوَّضت القدرة الغربية على تغيير النظام الروسي. وهو ما لا يمكن فصله عن الحرب السرية الجارية، والتي تأخذ طابعاً جديداً، وتُعرف بالحرب الإلكترونية (السيبيرية) والتي استخدمتها موسكو ضد العديد من الأنظمة الغربية؛ ومنها النظام الأميركي، إذ استطاعت من خلال ذلك تشويه صورة الغرب والديموقراطية الأميركية. وفي ما يخص الشرق الأوسط، نجحت موسكو في إعادة خلط الأوراق على الصعيد الآسيوي، حيث شكَّلت خطوتها في سوريا بوابتها نحو إعادة التموضع دولياً، والإمساك بواقعٍ ميدانيٍ قادر على فرضها كطرفٍ مؤثر. لكن هنا، وليس بعيداً عن الواقع، وفي محاولةٍ للتفكير خارج المسار السياسي المُعتاد، لا تزال روسيا تحصد نتائج سياساتها القائمة على استغلال نقاط الضعف الأميركي. فلو أن النصر الإيديولوجي الذي حققته النُخب الغربية مع انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن مُستداماً، وخصوصاً في ظل ما يجري اليوم، فإن ذلك لا يجب أن يجعل روسيا تعيش غرور النصر. وهو الأمر الذي حذَّر منه قبل أشهر قليلة، رئيس المجلس الروسي للسياسة الخارجية والدفاع سيرغي كاراغانوف، مُطلقاً الحاجة إلى الحذر، ومؤيداً أن الغرور بالنصر يُعدّ خطأً جسيماً ولو وَجدت روسيا نفسها على الجانب الصحيح من التاريخ بحسب تعبيره. واعتبر أن الواقع الحالي يستوجب أن تعمل روسيا والصين معاً لبناء شراكة متزايدة القوة، إلى جانب وجود ضرورة تفرض تفعيل المساعي لمعالجة عدم الثقة العميق بين روسيا وأميركا.


بات ضرورياً خلق ظروفٍ تُساهم في نقل العالم إلى نظامٍ جديدٍ


ثانياً: في وقتٍ تغرق فيه روسيا في صراعات جديدة على الصعيدين الغربي والآسيوي، ليس من المنطقي الاعتقاد بالخروج الأميركي من المنطقة، وخصوصاً إذا نظرنا الى أن أميركا، التي تُحسن قراءة التاريخ جيداً، تمتلك القدرة على إدارة خيوط الأزمات. وهو ما سبق أن أعلنه مستشارو البيض الأبيض ومجلس الأمن القومي الأميركي، مع وصول إدارة أميركية جديدة، حول أن واشنطن تقبع في صلب الصراع في الشرق الأوسط، ولكن بطرقها الخاصة. وليست موسكو من يقرّر مصيره كما يظن البعض، بل هي مرشحة دائمة لتكون إحدى ضحاياه، كما أشار التقرير الأميركي. وهو ما تُثبته مساعي واشنطن لإعادة مجدها في العراق، على قاعدة بريجنسكي الشهيرة التي تعتبر العراق أهم موطئ قدم لواشنطن من أجل اختراق المنطقة. كما تسعى عبر دعمها الأكراد، اليوم، إلى بناء وجودٍ عسكريٍ استراتيجي في جغرافيا سياسية تستطيع من خلالها التأثير على العديد من الدول من سوريا وتركيا، مروراً بالعراق، وصولاً الى إيران وأفغانستان. في حين تتفوق على الجميع من خلال ما تمتلكه من تقنيات المراقبة والسيطرة المتطورة، والتي تُساهم في جعلها قادرة على احتواء أخطائها وإدارة نتائج أزماتها السلبية.
ثالثاً: بين روسيا وأميركا تقف الصين، التي تُعتبر المرشح المنافس لواشنطن. فعلى الرغم من أن السياسة الدولية تُسلِّط الضوء على التنافس الروسي الأميركي، لكن الحقيقة تَكمن في أن الحرب التي تُخاض في البحر الصيني تكاد تكون أقرب بسخونتها من المشهد في الشرق الأوسط. في حين تُنصف مؤشرات القوة الصين أكثر من غيرها من الأطراف. فهي الدولة التي تمتلك أكبر قوةٍ بشرية، وتعتبر الأولى عالمياً من حيث سرعة النمو الاقتصادي، كما تمتلك أضخم جيشٍ في العالم وتتفوق على روسيا في الميزانية العسكرية. ومن الخطأ الظن بأن الصين التي تنافس واشنطن على قيادة النظام العالمي، لا تُنافس أيضاً الحليف الروسي. بل إن ما يجمعها مع موسكو ليس أكثر من الأهداف التي تجدها بكين أولوية لنزال واشنطن. فكما استفادت الصين من انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، تسعى اليوم إلى استغلال موقعها الاستراتيجي الذي يربط شرق آسيا بشرق أوروبا، ويُمكِّنها من السيطرة على طُرق الملاحة البحرية والجوية والبرية. لكن هذا لا يعني استحالة المضيّ قُدماً في تشكيل حلفٍ صيني روسي دولي ضد واشنطن، يُشير الخبراء الاستراتيجيون إلى أنه لن يكون في مصلحة العالم، إلا إذا لَحظ إشراك أميركا التي تتُقن كيفية إيجاد واقعٍ من المصالح المتناقضة بين الطرفين!
باختصار، ماذا في المعادلات المستقبلية والتي نعيش محاولات نَسجها؟
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن نقاطاً عدة قد تُشكِّل مفاتيح استراتيجية لتأمين التوازن العالمي بحسب ما يوصي الخبراء الدوليون، من أجل تحقيق الرع المُتبادل وهي:
أولاً: العمل الجدي والصادق من أجل منع اتفاقيات التسلح. وهو ما يُعتبر إحدى المسائل التي فشلت الدول الكبرى في تطبيقها. فيما يُمكن ترسيخ نقاط القوة التي تمتلكها هذه الدول على الصعيد الأمني والسياسي والعسكري من أجل تعزيز الردع المتبادل.
ثانياً: التوافق على كيفية تأمين الاستقرار العالمي لفترة من الزمن. وهو ما بات موضوع التفكير في العواصم الثلاث، إيماناً بالحقيقة التي تقول بأن العالم على حافة حربٍ لن يَسلم منها أحد، ما يفرض ضرورة إيجاد لغة خطابٍ مشتركة.
ثالثاً: إشراك الأطراف الإقليمية والتي تُعتبر متعاظمة، والتي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في دعم هذه الخطوات عملياً، وهو ما يمكن أن يُشبه ما حدث في القرن التاسع عشر.
إذاً، لم يكن بريجنسكي مُخطئاً حين خرج ليقول إن من يرأس البيت الأبيض عليه أن يكون نبياً، وليس راقصاً أو مشعوذاً أو راعياً للبقر، لأن المسافة بين طلقة البندقية والقنبلة النووية محدودة جداً! فالرجل يستشعر المستقبل الغامض في ظل قوى دولية تسعى إلى التعاظم. لكن كل ما تقدم يبقى رهن إعطاء الأولوية لمصالح الأمم والشعوب وليس الأقطاب الحاكمة، وهو الأمر الذي لا نزال نفتقده حتى اليوم. فهل يُدرك أرباب التخطيط ذلك؟!
*باحث في إدارة المنظومات والشؤون الاستراتيجية