في يوم 12 تشرين الثاني 2011 وقف وزير الخارجية الجزائري في مجلس وزراء الخارجية العرب معترضاً على تعليق عضوية الحكومة السورية في الجامعة العربية. تصدى له وزير الخارجية القطري موجهاً له الكلمات التالية: «اسكت. الدور القادم عندكم».


لم تكن كلمات الوزير القطري انعكاساً للجغرافية ولا الديموغرافيا ولا للقوة الاقتصادية أوالعسكرية. كان هناك شيء «ما» جعل دولة قطر تأخذ أدواراً في عامي 2011-2012 ما أتاح للوزير القطري أن يكون أقوى من وزراء خارجية مصر والسعودية والجزائر في اجتماعات الجامعة العربية. على الأرجح، كانت كلمة السر هي عملية تحالف البيت الأبيض مع التنظيم العالمي لجماعة «الإخوان المسلمين» في الفترة التي أعقبت سقوط الرئيس المصري حسني مبارك في يوم 11 شباط 2011. هذا جعل من قطر دولة تلعب دوراً أكبر من حجمها في عملية اضطراب إقليم الشرق الأوسط وانفجاره التي كان اسمها «الربيع العربي». منذ (11 أيلول الجديدة) عام 2012 في بنغازي، عندما قتل إسلاميون ليبيون السفير الأميركي هناك، أعادت واشنطن رسم سياستها تجاه «الإخوان المسلمين»: في 25 حزيران 2013 تنحى أمير قطر ومعه وزير خارجيته، وبعد ثمانية أيام تمّت الإطاحة بحكم «الإخوان» في مصر، ثم سقطت حكومة حركة «النهضة» في تونس، وهو ما ترافق مع كسوف الدور الإقليمي التركي.
كانت السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في الجانب المضاد لقطر، وقد ظهر ذلك من خلال دعمهما لانقلاب السيسي على مرسي، وفي مرسوم آذار 2014 الصادر عن الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود بتصنيف تنظيم «الإخوان المسلمين» ضمن الجماعات الإرهابية. في تلك الفترة اعتقلت الإمارات مواطنين ومقيمين وتمت محاكمتهم بتهمة «الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين». في المعارضة السورية، العسكرية والمدنية، وقفت الرياض ضد الدوحة، وفي ليبيا وتونس كانت السعودية والإمارات من أكبر الداعمين للقوى المناوئة للأصوليين الإسلاميين من «الإخوان».
منذ وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز في الشهر الأول من عام 2015 وتولّي الملك سلمان، حصلت انعطافة سعودية نحو مراجعة الموقف تجاه «الإخوان المسلمين» بسبب الحاجة إليهم في اليمن لمواجهة الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء في أيلول 2014. كانت الخيبة السعودية من السيسي عاملاً إضافياً دفع إلى تلك المراجعة. لم تحصل تلك المراجعة في أبو ظبي التي أصبحت في حالة تفارق مع الرياض منذ عام 2015 بغم اشتراكهما معاً في حملة «عاصفة الحزم» ضد تحالف الحوثيين ــ على عبدالله صالح بدءاً من يوم 26 آذار 2015.


أظهرت قطر وتجربتها في الدور الإقليمي أنها لم تكن أكثر من «بالون منفوخ»

كان اليمن تظهيراً لتفارق أبوظبي والرياض، حيث دعمت الأخيرة سلطة الرئيس منصور هادي المدعوم من التنظيم الإخواني، أي «التجمع اليمني للإصلاح»، ومن قوى عسكرية انشقت عن سلطة علي عبدالله صالح مثل اللواء علي محسن صالح الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع القريب من «التجمع اليمني للإصلاح»، فيما وقفت الإمارات وراء جنوبيين، معظمهم من أنصار الماركسيين السابقين الذين كانوا يحكمون عدن قبل وحدة 22 أيار 1990 بين الشمال والجنوب، ثم خاضوا حرب الانفصال ضد صنعاء عام 1994 وبعضهم من السلفيين، حيث اجتمع هؤلاء على مطلب الانفصال الجنوبي في فترة ما بعد حكم علي عبد الله صالح. تكتيكياً، اجتمع أنصار الرياض وأبو ظبي ضد خطر الحوثيين، الميالين للتشيع الإثني عشري أوالمقتربين منه في انزياح عن وسطية المذهب الزيدي بين السنة والشيعة، الذين أثاروا مخاوف الجنوبيين السنة الشوافع. في صيف 2015 كانت استعادة عدن ولحج والضالع من يدي تحالف الحوثي ــ عبدالله صالح قد تم أساساً بواسطة قوى عسكرية من الجنوبيين محسوبة على الإمارات. كانت إقالة منصور هادي لابن حضرموت خالد بحاح، نائب الرئيس ورئيس الوزراء عام 2016، وتعيين علي محسن الأحمر نائباً للرئيس، لا تعبر عن موازين القوى على الأرض على الأقل في الجنوب اليمني. في يوم الخميس 11 أيار 2017، انفجر الصراع الإماراتي ــ السعودي من خلال إعلان «المجلس السياسي الانتقالي الجنوبي» برئاسة عسكري سابق في جيش جمهورية اليمن الجنوبي، أي عيدروس الزبيدي، شارك في حرب انفصال الجنوب ثم أسس حركة «حتم» (حق تقرير المصير) عام 1996. كان نائب الزبيدي هو هاني بن بريك، شيخ سلفي من تلاميذ الشيخ بن عثيمين، وهو قائد «قوات الحزام الأمني» في عدن. كان منصور هادي قد أقال الزبيدي من منصب محافظ عدن قبل أسبوعين بالتوازي مع إقالة بن بريك من منصب وزير الدولة. ليس الاقتصاد بعيداً عن الحركة الإماراتية في اليمن التي على ما يبدو كانت القوة الدافعة لعملية 11 أيار: قبل قليل من ذلك رفض منصور هادي تجديد عقد عام 2007 الذي استلمت من خلاله «مجموعة موانئ دبي العالمية»، وهي أقوى خامس مشغّل للموانئ في العالم، إدارة ميناء عدن لعشر سنوات. إذا وسعنا البيكار نجد هذه المجموعة الإماراتية قد أصبحت مشغلاً لميناء بربرة في «جمهورية أرض الصومال» الشمالية في أيار 2016 بعقد مدته ثلاثون عاماً، ونجد دولة الإمارات قد أقامت اتفاقية مع إريتريا في نيسان 2015 لإقامة قاعدة عسكرية في ميناء ومطار مدينة عصب. تشكل عصب وبربرة وعدن مثلثاً يقع داخله مضيق باب المندب، وعلى طرف هذا المثلث جنوباً يقع رأس القرن الافريقي حيث المدخل إلى ساحل إفريقيا الشرقية. مثلث يتلاقى فيه البحر الأحمر وبحر العرب وعند التخوم مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي إلى بحر العرب. ليس من مصلحة أبو ظبي أن تعود سيطرة صنعاء على عدن كما كانت منذ بدء وحدة 22 أيار 1990. هذا يتناقض مع اتجاه الرياض إلى دعم الرئيس منصور هادي في مساعيه لعودة اليمن موحداً تحت السلطة المركزية كما هو شعار حملة 26 آذار 2015. كان ملفتاً بدء تباعد علي عبدالله صالح عن الحوثيين في فترة ما بعد 11 أيار 2017 وبدء الخلاف الإماراتي ــ السعودي، وهو الذي ابنه أحمد ما زال مقيماً في الإمارات.
لا يقتصر الاهتمام الإماراتي على اليمن: أبو ظبي هي أكبر الداعمين، مع مصر عبدالفتاح السيسي، للفريق خليفة حفتر المتحالف مع برلمان طبرق، ضد حكومة فايز السراج ومجلسه الرئاسي المدعوم من الإسلاميين في طرابلس والغرب الليبي. كان لافتاً مؤخراً أن تجمع العاصمة الإماراتية الاثنين في محاولة للمّ شتات الصراع الليبي. كانت الإمارات من أكبر الداعمين لبقايا البورقيبيين، وأنصار نظام زين العابدين بن علي، للإطاحة بحكم الإسلاميين التونسيين، في تركيبة جمعت أنصار النظام التونسي السابق مع يساريين جرّب معظمهم زنازين بن علي. تدعم الإمارات محمد دحلان في صراعه على زعامة حركة «فتح» ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس. في سوريا، تدعم الإمارات أحمد الجربا الذي فقد الدعم السعودي منذ وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وبدء كسوف نفوذ الشمريين في القصر الملكي بالرياض، وهو الذي يطمح لأن يكون له دور في مرحلة «ما بعد داعش» بمثلث الرقة ــ ديرالزور ــ الحسكة ما دام أكراد صالح مسلم، وأكراد سوريا الموالون لمسعود البرزاني، لا يملكون الأهلية الديموغرافية لذلك، إضافة إلى أن ذلك يمكن أن يساهم في تفادي حرب كردية ــ عربية في شرق الفرات السوري حيث بدأ الوجود العسكري الأميركي يلقي بثقله هناك.
أظهرت قطر وتجربتها في الدور الإقليمي أنها لم تكن أكثر من «بالون منفوخ» تم تنفيسه من قبل المشغِل في واشنطن عندما رأى الأخير المصلحة في هذا: هل ستكون الإمارات العربية المتحدة ودورها الإقليمي مثيلاً للتجربة القطرية، أم أن دور أبوظبي هو أبعد من ذلك، وخاصة مع ما يتم تداوله من أخبار عن خطط لنقل قاعدة العديد العسكرية الأميركية من قطر إلى الإمارات، وهي التي تحوي مقر القيادة العسكرية المركزية الأميركية التي تشمل منطقة الشرق الأوسط (بالمصطلح الأميركي لا تشمل شمال أفريقيا) وشمال أفريقيا ووسط آسيا؟
* كاتب سوري