مع أنه من الخطأ المبالغة في أهمية الانتصار المؤقت الذي حققه أسرانا في سجون العدو، لكن من الخطيئة التقليل منها. فالأسرى الأبطال، الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم، دفاعاً عن شعبنا المظلوم، وحقنا في الحياة الكريمة، حققوا انتصاراً يشكّل، في منظورنا، علامة فارقة على طريق النضال الوطني.


لقد خاض الأسرى المضربون نضالهم وحدهم. لم ينتظروا أيّ دعم من أيّ طرف كان، ولم يتوقعوه، سوى من أهالينا ومن الطبيعي أنه حصل. فقد شكل الإضراب تجربة نضالية للوحدة الوطنية بعيداً عن السياسيين الذين تجمدت وجوههم نحو المقاعد الوزارية الوهمية والقصبية.
أسرانا لم يحصلوا على أيّ دعم ممن يدّعون تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقنا في وطننا. أمر محزن أن تنحدر هكذا سلطة هلامية إلى هذا القاع الجديد؛ هنا لا بد من تذكر كلمات العالمة الأميركية صديقة الشعب الفلسطيني ونضاله عندما كتبت لي قبل أكثر من عقد: عندما نظن أن أصدقاءنا الفلسطينيين قد وصلوا إلى القاع يتبين لنا أن لا قاع لهم!
لا نظنّ أن أسرانا توقعوا أي دعم «رسمي» فلسطيني، واجب، لأن بياناتهم كافة كانت إشارات تحدٍّ موجهة للعدو؛ لا استجداء ولا طلب معونة منظمات عربية ودولية. لقد قرروا خوض نضالهم بأعز ما يملكون وهو حيواتهم، فحققوا مطالبهم.
لا يحقّ لنا أو لأيّ طرف الحكم على نتيجة الإضراب وما أجبروا العدو الهمجي على الاستجابة له. بتعليق إضرابهم قرروا أنهم توصلوا إلى مطالب إنسانية تعدّ بديهية في أي دولة تمتلك الحد الأدنى من المقومات الحضارية والإنسانية. أما الغرب الاستعماري، الذي يستجدي البعض رضاه، فلا يمتلك أي مرجعية إنسانية أو غيرها، سوى ما يفيد تطلعاته التوسعية والانتقامية؛ ألم يقم قائد العالم الحر المتحضر! دوايت آيزنهاور بجمع نحو مليون ونصف مليون أسير ألماني، عسكري ومدني، في معسكر اعتقال انتهى أمرهم إلى الدفن في مقابر جماعية! وما يزال مخفياً أعظم، وأكثر إجراماً. وألم تقم بريطانيا بالعمل نفسه بل إن الأخيرة فتحت سجوناً سرية للمعتقلين والأسرى الألمان في لندن، حيث تعرضوا لمختلف أشكال التعذيب والتنكيل.
وفرنسا، «مهد حقوق الإنسان»، والإخاء والمساواة (!) قامت بالعمل نفسه، بل إنها منحت جنودها حرية استباحة سكان بلدة ألمانية لمدة ثلاثة أيام قاموا خلالها باغتصاب النساء والرجال وحتى الأطفال.
أسرانا علِموا أن لا فائدة من تسوّل فتات على موائد الحكام العبيد، هم أصلاً من تقيأ على موائد الدول الكبرى.
أولئك العبيد كانوا يتدافعون لتلبية أوامر ترامب للتجمع في مؤتمر كي يعلمهم معنى العروبة على الطريق الأميركية، والإسلام المعتدل في دولة عمادها وأساسها الفكر التكفيري الإجرامي الإلغائي، تنشر الدمار والخراب في كلّ بقاع الأرض، وأقصى طموح لحكامها نيل رضا السيد الأميركي الأبيض فقط للتمسك بعروش كرتونية.
ثمة دروس كثيرة يمكن تعلمها من هذا النضال، برغم قناعتنا بأن العدو سيحاول المراوغة والتهرب، لكننا نعلم أنه في مواجهة مئات من المناضلين العالمين بأن جلّ ما سيخسرونه هو السلاسل التي يحاول العدو تكبيلهم وتكبيل شعبنا في فلسطين المحتلة بها.
إن تضامن أبناء شعبنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 يظهر حقيقة وحدة شعبنا، وأن الزمن لا يقضي على روابطنا الوطنية، بل إن نحو سبعين عاماً من الفرقة زادت من قوة روابطنا، وأن طريق النضال الوطني تكمن في توحيد جهود كافة أبناء شعبنا من أجل استبدال فلسطين الديموقراطية والعلمانية بكيان العدو العنصري.
لقد أثبتت هذه المعركة المجيدة مدى حضور قضيتنا الوطنية في الشارع العالمي، والتظاهرات والتجمعات الشعبية الكثيرة التي انطلقت في مختلف دول العالم تبيّن صحة الطريق التي اختارها الأسرى لنيل مطالبهم، أو أكثرها، وأن مواجهة العدو الصهيوني العنصري هي التي ترفع من مكانة نضالنا عالمياً، إضافة إلى المكاسب الأخرى التي نالوها وإلى حقيقة الصراع ووجوب التصدي للعدو لا استجدائه.
لعل هذه المعركة المجيدة تشكّل رافعة للنضال من أجل استبدال قيادة وطنية واعية ملتزمة بحقوقنا الوطنية والقومية في فلسطين، الرقم غير القابل للقسمة، بسلطة وهمية أثبتت ممارساتها كافة أن شعبنا يستحق ما هو عكسها. ونحن نعلم أن هذا الانتصار المجيد لأسرانا سيشكل مصدر خوف ورعب لكافة الانهزاميين والتصفويين والمنبطحين، فلعلهم يرحلون ويستريحون ويريحوننا.