وجهت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، بتاريخ 22 أيار الماضي، ضربة قاسية للمنادين بتعديل الدستور العراقي الاحتلالي، والمعروف شعبياً بـ«دستور بريمر» ثاني حاكم أميركي للعراق المحتل. وجعلت المحكمة هذا الهدف أقرب إلى المستحيل، حين اشترطت لحصوله أن يصدر عن لجنة برلمانية مؤلفة من ممثلي مكونات الشعب العراقي الرئيسية (أي من ممثلي الطائفتين الشيعية والسنّية والقومية الكردية). مثلما اشترطت أن يهدف إلى «تأمين مصلحة مكونات الشعب الرئيسة في المجتمع العراقي».


ونلاحظ هنا أن اللغة «المكوناتية» وليس لغة المواطنة هي السائدة في لغة المحكمة الاتحادية العليا.
المحكمة التي تُعَدّ أحكامها باتة ونهائية، بررت صدور هذا الحكم بأنها تسلمت طلباً بخصوص استقراء المادتين (126) و(142) من الدستور اللتين تتحدثان عن آليات تعديله، فأصدرت قراراً باتّاً بشأنهما وبالاتفاق.
وخلاصة الحكم التفسيري، أنَّ تعديل الدستور لا يمكن أن يحدث بموجب المادة 126، إلا بشرط تحقق الفقرة الخامسة من المادة 142، التي تنص على أنه «يُستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة»، و«أن تطبيق المادة (126) من الدستور عند تقديم مقترح بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور لا يكون إلا بعد البت في التعديلات التي أوصت بها اللجنة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة (142) من الدستور وفق الإجراءات المرسومة بهذه المادة».


جرت محاولات سابقة
لتعديل الدستور في الدورة
النيابية الماضية
أي أن تعديل الدستور أصبح مشروطاً بموافقة ممثلي الطوائف والإثنيات كما تنص على ذلك المادة 142 أولاً، أي من طريق (لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي) وهذه اللجنة تعرض التعديلات المقترحة على البرلمان فإذا وافق عليها بالأغلبية البسيطة تعرض على استفتاء شعبي فإذا اعترض عليها الناخبون في ثلاث محافظات فقط من مجموع 19 محافظة، (وهذا ما يسمى في العراق مجازاً بالفيتو الكردي)، سقطت التعديلات وكأنها لم تكن!
بالعودة إلى موضوع الحكم التفسيري المشار إليه، نلاحظ أن المحكمة الاتحادية العليا لم تذكر الطرف الذي قدم لها الطلب التفسيري، وقد يكون هذا الطرف واحداً من الأطراف الثلاثة المتشاركة في الحكم، التي لا يريد الطرف الكردي من بينها أي تعديل الدستور حفاظاً على مكتسباته الكبيرة والتي قيل الكثير عن أساليب الحصول عليها ومنها الرشى الضخمة التي قدمت إلى خبراء أميركيين اشتهر منهم بيتر غالبريث. وقد هدد الطرف الكردي أكثر من مرة، ولا يزال يهدد، بالانفصال عن العراق في دولة مستقلة إذا عُدِّلَ الدستور، وثمة مَن يعتقد أن الزعامات الكردية حصلت على ضمانات وتعهدات أميركية وغربية بأنها ستؤيد إعلانها الانفصال عن العراق في دولة مستقلة إذا ما غُيِّر الدستور الاحتلالي في العراق.
في هذا القرار، وبعد التدقيق والمداولة، قررت المحكمة العليا أنَّ «المادة 142 من الدستور شرعت لظروف تستدعي تأمين مصلحة مكونات الشعب الرئيسة في المجتمع العراقي، وذلك من خلال تعديل نصوص الدستور وفق الإجراءات والخطوات المرسومة فيها». وأضافت المحكمة أن «الفقرة الخامسة من المادة 142 من الدستور نصت على استثناء ما ورد في هذه المادة من أحكام المادة 126 المتعلقة بتعديل الدستور إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في المادة 142...». وأنَّ «الاستثناء الذي أوردته الفقرة الخامسة من المادة 142 يشكل شرطاً ما لم يتحقق، فلا يمكن تطبيق أحكام المادة 126 من الدستور وأنَّ الحكم الدستوري يلزم مراعاة ذلك الشرط». ويختم قرار المحكمة قراره التفسيري بالحكم الآتي: أنَّ «تطبيق المادة 126 من الدستور عند تقديم مقترح بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور لا يكون إلا بعد البت في التعديلات التي أوصت بها اللجنة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة 142 من الدستور وفق الإجراءات المرسومة بهذه المادة».
ولكي نفهم بوضوح هذا الحكم الدستوري البات والذي يعني، من الآن فصاعداً، أن أي تعديل للدستور أصبح في حكم المستحيل أو شبه المستحيل لنقرأ نص المادتين الدستوريتين 126 و 142:
المادة 126: أولاً، لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) أعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.
ثانياً، لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناءً على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام وتصديق رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام.
ثالثاً، لا يجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، وتصديق رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام.
رابعاً، لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام.
خامساً ـ أ، يعد التعديل مصادقاً عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) و(ثالثاً) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه.
ب ـ يعد التعديل نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
أما المادة الأخرى فنصها هو (المادة (142): أولاً، يشكّل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير إلى مجلس النواب، خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور. وتحلّ اللجنة بعد البت في مقترحاتها.
ثانياً، تعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعة واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها، وتعد مقرة بموافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس.
ثالثاً، تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب، وفقاً لما ورد في البند (ثانياً) من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ إقرار التعديل في مجلس النواب.
رابعاً، يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر.
خامساً، يستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.
سنحاول هنا تبسيط الموضوع عبر الخلاصات الآتية: يشترط الحكم إجراء أي تعديلات مقترحة على هذا الدستور بأن يكون الطرف مقترح التعديلات لجنة برلمانية خاصة مؤلفة من ممثلي الشيعة والسنّة والأكراد. ويشترط حصول التعديلات المقترحة على الغالبية في البرلمان القائم أصلاً على أساس المحاصصة الطائفية، فإن فاز بها عرض على الاستفتاء الشعبي، وحتى إذا فازت التعديلات بالأغلبية في 16 محافظة واعترض عليها أو لم تفز بغالبية الأصوات في ثلاث محافظات فلن تمر وتسقط ويبقى الدستور دون أي تعديل.
نسجل هنا، أن محاولات سابقة لتعديل الدستور قد جرت في الدورة النيابية الماضية. فقد شكلت لجان متخصصة عدة لهذا الغرض، وقيل إنها شارفت على إنجاز مهمتها، ولكن العهدة البرلمانية الماضية انتهت وانتهت معها تلك الجهود، فلم ترَ النور وأحيلت التعديلات المقترحة على سلة المهملات. غير أن احتمالاً ضعيفاً يبقى قائماً، هو وجود إمكانية دستورية لتشريع قوانين جديدة لاقتراح مواد جديدة أو إبطال مواد أخرى عبر الآليات المتبعة. ولكن المشكلة العويصة هي أن هذه الآليات حصرت ــ بقرار سابق آخر من المحكمة الاتحادية العليا ــ مهمة اقتراح مسودات القوانين بمجلس الوزراء بعدما كانت من حق مجلس النواب أيضاً. وهذا ما حدث بالضبط عند تشريع المادة المجهضة (23 كركوك) التي شرعت باتفاق طارئ ويتيم بين النواب العرب من الشيعة والسنّة وبمقاطعة الطرف الكردي للجلسات في خلال رئاسة محمود المشهداني للبرلمان المنقضي العهدة. ثم أُبطِلَت هذه المادة من قبل المحكمة الاتحادية العليا بعد أن طعن فيها الطرف الكردي.
الخلاصة: بعد هذا القرار للمحكمة الاتحادية العليا، سيكون أي تعديل دستوري محكوماً بشروط المحكمة الاتحادية العليا وصادراً عن لجنة طائفية ثلاثية، يُستثنى منها ممثلو المكونات «الطوائف الصغيرة»، وبشرط ثانٍ هو أن يوافق عليه البرلمان القائم على أساس المحاصصة الطائفية، وبشرط ثالث هو أن يعرض التعديل أو التعديلات للاستفتاء المشروط المحكوم بفيتو المحافظات الكردية الثلاث فعلاً لا قولاً. وبهذا وضعت المحكمة الاتحادية نفسها في موضع لا يختلف عن موضع حكومة وبرلمان ودستور دولة المكونات القائمة اليوم في العراق، وسيكون على أي بديل وطني وديموقراطي مطموح إليه، أن يساوي بين هذه الأطراف الأربعة في التعامل والموقف لكونها من إفرازات مرحلة الاحتلال الأجنبي، وستكون المطالبة الشعبية بحل هذه المحكمة المنحازة إلى نظام المحاصصة ودولة المكونات مطلباً مشروعاً ديموقراطياً وإنسانياً ووطنياً!
*كاتب عراقي