لم تفلح إلى الآن كلّ محاولات النخبة السياسية الأميركية في ثني دونالد ترامب عن المضيّ قدماً في نهجه «الانعزالي» المبني على سياسة القطيعة مع إرث الإدارات السابقة الجمهورية والديمقراطية على حدٍّ سواء. وبينما تستمرّ الدينامية التي تقودها تلك النخب لتحجيمه ومنعه من الإمساك بملفّات السياسة الخارجية والأمن القومي والاستخبارات... إلخ، يحاول هو عبر توسيع دائرة الاشتباك مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة تجاوز العقبات التي تُوضع في مواجهته داخلياً.


ويبدو أنّ الأمر سيكون أشبه بسباق بينه وبين النخبة على حسم الصراع ولو بالنقاط، على أمل أن يساعد ذلك على كسب المتردّدين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، وهم كُثُر حالياً، وخصوصاً داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرجل.

هاجس نزع الشرعية

منذ انتخابه رئيساً في تشرين الثاني من العام الماضي يسيطر على النخبة هاجس التشكيك بشرعيته بعدما تصاعدت شعبيته لدى الناخبين البيض، مستفيدةً من الانقسام الحاصل في المجتمع الأميركي على خلفية الموقف من سياسات إدارة أوباما تجاه قضايا الهجرة والوظائف والضمان الصحي و...إلخ. حصوله على أكثرية أصوات هؤلاء في الولايات الداخلية التي تعاني من البطالة وانخفاض مستوى المعيشة والتعليم... ساعده بالإضافة إلى الفوز في تثبيت شرعيته الانتخابية، ما أضفى على انتخابه بعداً شعبياً يصعب التشكيك فيه. هكذا، غدا البديل بالنسبة إلى النخب التي تناصبه العداء في ظلّ عدم قدرتها على النيل منه انتخابياً وشعبياً هو اللجوء إلى الربط بين صعوده إلى الحكم وتفضيل روسيا له بدلاً من منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، التي تعتبر امتداداً للسياسة التقليدية الأميركية تجاه موسكو.


يعزو البعض سياسة الرئيس إلى خلفيته التي تتعامل مع كلّ شيء بمنطق الصفقات
على هذا الأساس بدأت الحملة على أركان إدارته الجديدة وأوّلهم مايكل فلين مستشاره السابق للأمن القومي الذي أُقيل من منصبه بعد أسابيع من تعيينه على خلفية التسريبات التي نُشرت له، وفحواها اتصاله هاتفياً فور انتخاب ترامب بالسفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسيلياك. الاتهام أتى في سياق التحقيقات التي يجريها الكونغرس بشأن التدخّل الروسي المزعوم في الانتخابات الأميركية. وهو نهج بدأ يقيّد إدارة ترامب بالفعل ويحدّ من قدرتها على إدارة الملفّات الداخلية والخارجية على الرغم من ممانعة الرجل حتى الآن، وتفضيله خيار الصراع على الامتثال والتسليم لنهج المؤسّسة الحاكمة. بعد إقالة فلين وتعيين مقرّب من المؤسسة بدلاً منه (هربرت رايموند مكماستر) تصاعدت الحملة التي تشنّها النخبة على أركان الإدارة الجديدة على خلفية شعورها بإمكانية تطويق الرئيس إثر إزاحة نائبه المقرّب جداً، والذي لم يكن يدير ملفّ «العلاقة مع الروس» فقط، بل كان مسؤولاً أيضاً عن إدارة استراتيجية ترامب الخاصّة بمقاربة الملفات الساخنة في سوريا والعراق وإيران وأفغانستان و...إلخ، نظراً إلى خبرته الطويلة فيها، حين كان يقود العمليات الاستخبارية الأميركية في حربي أفغانستان والعراق. لم تعرقل هذه الإقالة الخطط الموضوعة لإدارة العلاقة مع روسيا والمنطقة عموماً، فحصلت الضربة على مطار الشعيرات على خلفية الموقف من الهجوم الكيميائي في خان شيخون. وبوقوعها أراد ترامب، بالإضافة إلى صرف الأنظار عن التحقيقات الجارية مع أركان إدارته على خلفية العلاقة مع روسيا، التفرُّغ للملفّات الأخرى التي يعتبرها أساسية في تحديد الوجهة التي ستسلكها إدارته على صعيد العلاقة مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. هكذا، وبعد أقلّ من شهرين على مجاراته للنخبة في سياستها المتشدّدة تجاه النظام في سوريا ومن خلفه روسيا أعاد التذكير بوعوده الانتخابية الخاصّة بتصويب العلاقة مع الحلفاء في الناتو، عبر مطالبة هذه الدول بتسديد الديون المترتبة عليها لقاء الحماية الأميركية. وهو ما أثار حفيظة النخبة مجدداً ودفعها إلى تصعيد حملتها ضدّه من خلال الإشارة هذه المرّة إلى صلات صهره النافذ جاريد كوشنير مع الروس. استئناف الحملة بهذا الشكل المركّز عبر استهداف عائلته مباشرةً لم يمنعه من استكمال المسار الذي بدأه في الخارج عقب المشاركة في قمة الناتو، إذ بعد انتهائها توجّه مباشرة إلى قمة الدول السبع، ومن هناك طالب بإعادة دراسة اتفاقية المناخ التي وقّعتها إدارة أوباما، مهدداً بالانسحاب منها ما لم تستجب المجموعة للتحفظّات الأميركية (وهذا ما فعله). وعلى الأغلب أنّ المواجهة التي يخوضها في الداخل على خلفية العلاقة مع روسيا لن تمنعه من إعادة هيكلة العلاقة مع كلّ المؤسسات التي تتواجد فيها الولايات المتحدة إلى جانب الحلفاء، بدءاً من الناتو وليس انتهاء بمجموعتي الدول السبع والعشرين.

فلسفة العلاقة مع الحلفاء

البعض يعزو هذه السياسة إلى خلفيته التجارية التي تتعامل مع كلّ شيء بمنطق الصفقات بما في ذلك العلاقة مع الحلفاء. ومن هنا الإشارة إلى مطالبته المستمرّة بالدفع لقاء الحماية، وهو ما تكرّر في لقاءاته الأخيرة سواءً مع دول الخليج في قمة الرياض أو مع حلفائه الأوروبيين في بروكسل. الإطاران مختلفان ولكن ما يجمعهما هو الشراكة التي تقودها الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات المحتملة على أمنها وأمن حلفائها. ولكن الجديد مع هذه الإدارة هو اتباعها لمنهج في إدارة العلاقة مع الحلفاء لا يقوم بالضرورة على أساس «تقاسم الأعباء» كما تفهمه هذه الدول. ومن هنا الخلاف المستجدّ مع ألمانيا التي تقود القاطرة الأوروبية، وتريد من واشنطن تفهماً أكثر لأعباء هذه القيادة. بالنسبة إلى ترامب الذي يقود سياسة قطيعة مع نهج الإدارات الأميركية السابقة ويواجه بسببها انقسامات وصراعات في الداخل لا يمكن توقُّع تعاون لا تكون فيه للولايات المتحدة اليد العليا، في إشارة إلى اختلال الميزان التجاري بين البلدين لمصلحة ألمانيا. في هذه المقاربة تتقدّم الاعتبارات التجارية على نظيرتها الأمنية ولكن ليس وفقاً لمنطق الصفقات كما يُشاع عن ترامب بل بالاعتماد على منهج يوظّف «الحمائية التجارية» التي يدعو إليها الرجل في سياق استعادة القوّة الأميركية. وهو لا يفعل ذلك مع الحلفاء فحسب بل مع الخصوم أيضاً وعلى رأسهم الصين التي دعا أثناء حملته الانتخابية إلى خوض حرب تجارية ضدّها قبل أن يتراجع عن ذلك في ضوء الحملة الداخلية التي واجهته على خلفية اتهامه بالعلاقة مع روسيا. في الحالتين يمثّل الرجل تيار صاعداً في الولايات المتحدة يدعو إلى استعادة الرساميل الأميركية إلى الداخل، عبر تشجيع الصناعة هناك ودعوة الصناعيين الذين استفادوا من الإعفاءات الضريبية في الخارج إلى العودة على أمل إحداث تراكم تستفيد منه الفئات والشرائح الاجتماعية التي تضرّرت من هجرة المصانع الأميركية إلى آسيا وأميركا الوسطى. هذه العودة التي تتمحور حولها استراتيجية إدارته الاقتصادية ستتضرّر باستمرار الاتفاقات التجارية التي وقّعتها أميركا في السابق (نافتا، اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ). ومن هنا فإنّ الانسحاب منها سيعزّز وفقاً للإدارة المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة ويفرض قواعد «أكثر عدالة» في التنافس معها تجارياً. المصلحة هنا لا التنافس وفق قواعد أكثر إنصافاً كما تقول إدارة ترامب هي التي تحدّد وجهة السياسة المتبعة تجارياً. وهي على أيّ حال وجهة حمائية تتعارض مع الاتفاقيات التي ترى الإدارة الجديدة أنها تسبّبت بفرض رسوم على البضائع الأميركية المُصدّرة أكثر من تلك التي تفرضها أميركا على البضائع الأجنبية التي تصلها بموجب المعاهدات نفسها. ترامب بهذا المعنى لا يريد الاستمرار في سياسة تسبّب خسائر تجارية كبيرة للولايات المتحدة وتمنع الشركات التي لا تزال تعمل في الداخل من إحداث التراكم المطلوب لإنعاش الاقتصاد واسترداد عافيته. ترجمة ذلك على صعيد التحالفات مع الدول هو بالتدخّل لمصلحة تصحيح الخلل في العلاقات التجارية، بحيث تصبح هي المدخل لاستعادة القوّة الأميركية كما يراها الرجل وإدارته، وهذا يتعارض بالضرورة مع مصالح النخب الأميركية النافذة التي استفادت من العولمة واتفاقات التجارة الحرّة التي أبرمتها الإدارات الأميركية المتعاقبة.
* كاتب سوري