أنجزت القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها ومسمياتها في محافظة نينوى، حتى اليوم، قسماً كبيراً من مهماتها في تحرير المدن والقرى من عصابات «داعش»، وهي مستمرة حتى إكمال المهمات إلى التحرير الكامل بأقرب وقت. لكن، وكما يبدو لا تترك الإدارة الأميركية وحلفاؤها الأمر يسير بخططه وأهدافه، فتعود وتكرر أحاديث وتصريحات من مستويات متعددة، سياسية وعسكرية، وكأنها تدافع عن «داعش» وتردد إمكانية استمراره بأسماء أخرى أو تشكيلات أخرى، أو هي كذلك بالفعل.


وتشكّل هذه الخطابات، في كل الأحوال، جزءاً من سياسات أميركية متناقضة وغامضة تغطي بها مشاريعها وخططها المرسومة للعراق والمنطقة. وتشي بخطورتها وتهديدها المباشر للسلم والأمن والاستقرار.
في الوقائع، أكد المتحدث باسم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الكولونيل جون دوريان، (16/5/2017)، أن «داعش» على وشك الهزيمة في الموصل، وأن التحالف سيستمر بتحطيم التنظيم في سوريا. وهذا يعني حكماً هزيمة «داعش». بينما السفير الأميركي في العراق، دوغلاس سيليمان، وكأنه يرد عليه، توقع بأن «داعش» سيأخذ شكلاً آخر بعد هزيمته في الموصل، مشيراً إلى أن التنظيم الإرهابي سيقوم بجرائم أكثر تقليدية، أي أنه يريد أن يقول إن التنظيم باق ويحذّر منه.
كلام السفير كسياسة بلاده، لها دلالاتها ومقاصدها. ولا بد من السؤال: ماذا أراد أو يريد السفير الأميركي في نشر مثل هذه التصريحات؟! ولمن يوجه كلامه أو رسالته هذه؟!
من جهتها أعلنت قيادة العمليات المشتركة (16/5/2017) عن حصيلة خسائر «داعش» منذ انطلاق عمليات التحرير ولغاية يوم سابق من الإعلان هذا، حيث أكدت مقتل 16 ألفاً و467 إرهابياً، وأشارت إلى تحرير 89,5% من مناطق الساحل الأيمن في الموصل.
لكن إزاء كل هذا، يلاحظ، إضافة إلى التصريحات الأميركية المتناقضة، تحركات عملية وتنقلات عسكرية في مناطق عراقية ومعسكرات معروفة ومشاريع قواعد عسكرية ثابتة على الأرض. كما تطرح مقترحات تشي بخطط استراتيجية للإدارة الأميركية وجيوشها وقياداتها المتوحشة. من بينها ما أعلنه، رئيس أركان الجيوش المشتركة الجنرال جو دانفورد، (18/5/2017) أن واشنطن تقترح أن يتولى الحلف الأطلسي مهمة تدريب القوات العراقية بعد دحر تنظيم «داعش»، وأن مهمته ممكن أن تقتصر على تنمية قدرات الجيش العراقي وتقديم مساعدة لوجستية ومعدات وتنمية القدرات وتدريب الكوادر وتأسيس أكاديميات. وقال دانفورد إن «الحلف الأطلسي يمكن أن يكون في موقع ممتاز للقيام بمهمة تدريب للقوات العراقية على فترة طويلة»، مذكّراً بأن «رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كان أعلن أن القوات العراقية يمكن أن تظل بحاجة إلى دعم بعد الانتصار على داعش، لكن دون أن يحدد مطالبه بشكل رسمي»، وفق ما قال.
حتى هذا الاقتراح الأميركي لإشراك دول أخرى أو توريطها في العراق، كما هي العادة، أريد له أن يظلّ تحت القيادة الأميركية أولاً وأخيراً. أي يظل قرار الاحتلال بيد الولايات المتحدة ومشاركة توابعها، وهي سياسة مرفوضة وطنياً وشعبياً، وهنا تكمن أخطار مخططات واشنطن وبروكسل لما بعد «داعش» في العراق، وتضع خطوط البداية والنهاية للاحتلال بكل أشكاله ومسمياته وأدواته.
بات واضحاً أن ما يقوله العسكريون الأميركيون لا يتوافق مع ما يردده السياسيون، حتى في أساليبه أو إسناده لمصادر معينة أو أسماء مسؤولين عراقيين في أغلب الأحيان. لكن الأساس في كلّ ما قيل ويقال، أن هزيمة «داعش» عسكرياً أصبحت واقعاً مثبتاً وأنّ بداية نهايته أخذت موقعها في مصيره ومستقبله، في العراق، على الأقل، وتبقى فلوله الأخرى، داخل أو خارج العراق، وقتالها والقضاء عليها مسؤولية دولية، كما يزعم التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
* كاتب عراقي