إن ما يبدو - بخصوص إنتاج قانون انتخابي جديد أقل تعارضاً مع الديمقراطية التمثيلية - كما لو أنه استعصاء لا مجال لرده، على صعيد الشريحة السياسية المسيطرة، والممثلة، في الواقع، للطبقة البرجوازية الرثة الحاكمة، أكثر بكثير مما للطوائف والمذاهب، اللبنانية، التي تدّعي النطق باسمها، ولا سيما في جمهورها الشعبي الأوسع، ليس سوى تعبير عن التشوه العميق الذي تعيشه الحياة السياسية، في بلدنا، بنتيجة استمرار هيمنة البنية الطائفية على قضية التمثيل النيابي، بوجه أخص.


الأمر الذي كان ولا يزال يشكل، منذ عشرينيات القرن الماضي، حاجزاً صفيقاً دون تحرر البلد، وخروجه من التخلف، إلى رحاب التنمية، والتقدم، والعدالة الاجتماعية. وهو حاجز من القوة بحيث يسمح لهذه الشريحة بالقفز حتى فوق المواد الدستورية، والاتفاقات الصريحة المعلنة، والمكتوبة، الممهورة بسيول هائلة من دماء المعارك الأهلية المديدة، كما يحصل منذ توقيع اتفاق الطائف، في أواخر عام 1989، ومن ثم، منذ تعديلات خريف عام 1990، الواقعة على الدستور اللبناني، من أجل وضعه موضع التنفيذ، حيث أن الجانب الأساسي فيه بقي، إلى اليوم، عصياً على التطبيق. وبدلاً من تراجع الانقسام الطائفي والمذهبي، منذ ذلك الحين، سواء على صعيد الممارسة، أو على مستوى استعدادات اللبنانيين النفسية، بات واضحاً أن ذلك الانقسام، وتلك الاستعدادات، قد تفاقمت بشدة، وبما لا يقاس. وهو أمر لا يعبّر عن نفسه، في الواقع الشعبي وحسب، بل أيضاً في واقع الطبقة الاجتماعية الحاكمة، على اختلاف مذاهبها، وأحزابها، وكتلها السياسية، وأفرادها. وهي الطبقة التي تتلاقى، في جزأيها الطائفيين، وانطلاقاً، بالضبط، من مصالحها الاجتماعية، والاقتصادية، بالذات، عند مسعى الإبقاء على كل شيء على حاله، في ما يخص العلاقة بوجود الطائفية، في الحياة السياسية، تارة بحجة «أولوية القضاء على الطائفية، في النفوس، على إزالتها في النصوص»، التي تتكرر لدى جناح محدد من تلك الطبقة، وطوراً، ولدى الجناح المقابل، بحجة عدم إثارة الهلع لدى الجناح الأول، والجمهور الشعبي الأوسع، الذي يدّعي النطق باسمه.
وليس من الأهمية بمكان أن ندخل في معارج العجز المتجدد، لدى ممثلي تلك الطبقة، عن إنتاج القانون المنوَّه به، منذ سنوات عديدة، مع ما يلازم ذلك، بالتالي، من تهرب متواصل، منذ انتهاء ولاية مجلس تم انتخابه، قبل أكثر من ثمانية أعوام، وبالتحديد في عام 2009، من استحقاق انتخاب مجلس جديد، بحيث تتم الاستعاضة من ذلك، تكراراً، بالتمديد المنافي للدستور اللبناني، والمتعارض مع أبسط المفاهيم الدستورية، المتعارف عليها، في الديمقراطيات البرجوازية المعاصرة. وتكفي، هنا، ملاحظة أن العهد الجديد، برئاسة الجنرال عون، الذي يقدم الكتلة النيابية التي يقودها تياره، تحت شعار «الإصلاح والتغيير»، كان شديد الحرص، في خطاب القسم، كما في خطب وتصاريح أخرى لاحقة، على إبداء اهتمامه بالحيلولة دون إجراء أي تمديد إضافي للبرلمان اللبناني، وفي الوقت ذاته، دون إجراء الانتخابات النيابية الجديدة، على قاعدة ما بات يعرف بقانون الستين، مع ما يعنيه ذلك من إصرار معلن على إنتاج قانون جديد للانتخابات، في المهل الدستورية. غير أنه، وعلى مشارف استحقاقٍ بهذه الأهمية، بدا يتورط في صراعات، ومناوشات، ومناكفات معبرة، على خلفية طائفية مكشوفة، مع كتل ورموز سياسية، مختلفة، طائفية، هي الأخرى، على امتداد الأشهر والأسابيع الأخيرة، تتناول تفاصيل شتى لها علاقة بعدد الدوائر الانتخابية، أو بنقل مقاعد لهذا المذهب أو ذاك من دائرة إلى أخرى، أو بطريقة احتساب الأصوات، على أساس النسبية، ومن ضمنها الصوت التفضيلي، وما إلى ذلك، بما هدَّد، ويهدد، بالوصول بالمجلس النيابي، إلى ما يسمونه الفراغ الدستوري (مع ما يترتب على الأمر من منزلقات قد تأخذ منحىً خطيراً)، فيما لو استمر هذا الواقع، في الأيام القليلة الباقية من عمر المجلس، أي من الآن حتى نهاية اليوم التاسع عشر من حزيران الحالي.
في كل حال، ومع أنه من المرجَّح أن يتم، في الأيام القليلة القادمة، تجاوز العقبات نحو إنتاج القانون المنشود، في مسعىً واضح لتدوير الزوايا، وبالتالي حماية مصالح الطبقة المسيطرة ككل، مهما بدت التباينات مهمة، في ما يخص مسائل التقاسم الطائفي والمذهبي لمغانم السلطة السياسية، فمن الضرورة بمكان أن نسلط الضوء، قدر الإمكان، على الواقع المحبِط، الذي تكشفه تلك «الصراعات، والمناوشات، والمناكفات»، ضمن الطاقم المسيطر، والنظام القائم حتى اللحظة الراهنة، بما هي تعبير عن مدى اهتراء هذا النظام، وفساده، وجموده، وانعدام قابليته لمسايرة التغيرات العميقة، في صورة العالم المعاصر، وعجزه الكامل عن إصلاح نفسه من الداخل، حتى بالحدود التي عبَّر عنها «اتفاق الطائف»، هذا الإصلاح الذي يدعو إليه بعض المراهنين على ما يسمونه «الدولة المدنية»، والرافضين رفع السَّقف، في اتجاه الدولة الديمقراطية العلمانية. وهو ما يستدعي، بالتالي، التوقف عنده، في الوقت نفسه الذي يتم فيه استكشاف دور محتمل لبنية ذلك الاتفاق، وراء الاستعصاء المشار إليه، أو ما يبدو كما لو أنه استعصاء.


تأسست شركة
لقد كان اتفاق الطائف تعبيراً متناقضاً عن هزيمة وعن انتصار


هل لطبيعة اتفاق الطائف دورٌ في هذا الواقع؟

لقد كان اتفاق الطائف تعبيراً متناقضاً عن هزيمة وعن انتصار، في آنٍ معاً. شكَّل هزيمة فعلية للحركة الوطنية وبرنامجها الإصلاحي، الذي كان قد اقترب، إلى هذا الحد أو ذاك، من المنظور الديمقراطي العلماني، حين طرح، إلى مطلب إلغاء الطائفية السياسية، مطلب الزواج المدني، في إطار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية. ولكنه شكَّل، في الوقت ذاته، انتصاراً، ولو من حيث الشكل، وبصورة ملغومة، لفكرة التغيير، في بنية النظام الطائفي اللبناني، انطلاقاً من نصه على مبدأ إلغاء الطائفية السياسية.
لقد شكل الاتفاق المذكور هزيمة فعلية للمنظور الديمقراطي العلماني، الذي لا يتصدى فقط لطائفية الدولة، بل كذلك للواقع الاجتماعي، ولكن كيف يمكن أن ننظر إليه، في الوقت عينه، بصفته انتصاراً شكلياً، أولاً، وملغوماً، من جهة ثانية، لفكرة التغيير؟
لأنه، في الوقت الذي طرح فيه مسألة التصدي للبنية الطائفية للدولة اللبنانية، باتجاه تجاوزها، على مستوى الحياة السياسية، أبقى، على جملةٍ من السمات الطائفية، ضمن هذه البنية، ولو بصورة مؤقتة، أو «انتقالية»، كما ادعى. وهو سقط، هكذا، في المطبّ نفسه الذي سقط فيه دستور عام 1926 اللبناني، ومن ثمَّ البيان الوزاري الذي أخذت الثقة على أساسه حكومة الاستقلال الأولى، لدينا، حين جمعا بين الإبقاء على نظام الطوائف، والاعتراف، بصورة أو بأخرى، ببؤس الإبقاء على آفة الانشطار الطائفي، في صلب النظام اللبناني، كما لو كانا يعللان الشعب اللبناني بفتح نافذة فيه، مشرعة على مستقبلٍ علماني مشرق... وهو أمرٌ لم يكن بغريب، في جانبٍ منه، طالما أن الدولة المنتدَبَة، التي أشرفت على إصدار ذلك الدستور، كانت قد أنجزت ثورتها القانونية، على هذا الصعيد، منذ زمنٍ لا بأس به، ولو بأكلافٍ باهظةٍ تمثلت بثورات اجتماعية وسياسية متلاحقة، منذ الأولى، والأهم، بينها، في عام 1789.
غير أن هذه النافذة تكشفت عن كونها زائفة، تماماً، ومخادعة بالكامل، إذ ما زال اللبنانيون واللبنانيات ينؤون تحت ثقل إرث طائفي مقيت، إلى أيامنا هذه.
وفي الواقع، إذا كانت المادة الدستورية المشار إليها، نصت، في عام 1926، على أنه «بصورة موقتة والتماساً للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة»، فالمؤقت بدا كما لو أنه يملك ديمومة لا حدود لها، بحيث بقي على حاله، إلى خريف عام 1990، ومن ثم، وحتى مذاك، وعلى الرغم من محدودية التعديلات الذي تم إدخالها إلى الدستور، لم تنجح هذه التعديلات، على تواضعها، في الانتقال إلى أرض الواقع. فهي تضمنت النص على أنه «على مجلس النواب المنتخب، على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية، وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية . مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. وفي المرحلة الانتقالية: أ- تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة. ب- تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والمدنية والمؤسسات العامة والمختلطة، وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها. وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة، مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة».
لقد حصلت تطورات فعلية، جدية، بالتأكيد، على صعيد الحياة السياسية والإدارية، في لبنان، منذ الانتقال ببنود اتفاق 1989 المعروف باتفاق الطائف، إلى نص الدستور، بالذات، في عام 1990، ولكن ليس إلى الأمام، وفي اتجاه حركة التاريخ الطبيعية المعتادة، بل للأسف، في الاتجاه المعاكس، وبصورة ذريعة جداً. وذلك على شتى المستويات، وسواء في النصوص، أو في النفوس.
فمنذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، جرى انتخاب خمسة مجالس نواب، مع تمديدين للأخير بينها، من دون أن يتم اتخاذ أيّ خطوة، مهما ضؤلت، في اتجاه تشكيل ما اصطلح على تسميته «هيئة وطنية» مهمتها «دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية، وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». وحتى بخصوص ما جاء في المادة ب - عن المرحلة الانتقالية، وبدلاً من إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي، واعتماد «الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة (...)، بلغت عملية الانحكام بطائفية الوظائف، في شتى فئاتها ودرجاتها، والابتعاد باختيار المرشحين إليها عن «مبدأي الاختصاص والكفاءة»، على شتى المستويات، مبلغاً لم يسبق الوصول إليه، في تاريخ البلد.
أما في ما يتعلق بالمجلس النيابي، والانتخابات إليه، فقد شهد تعامل كلا الجناحين الطائفيين للطبقة البرجوازية المسيطرة، بمختلف قواهما، وأحزابهما، وممثليهما، انحطاطاً قلَّ مثيله، ليس فقط في اتجاه تعميق الشرخ الطائفي، بل أيضاً نحو مفاقمة الانقسام المذهبي. وليس أدلَّ على ذلك مما جرى تقديمه، على امتداد السنوات الأخيرة، وفي الأشهر والأسابيع الماضية، من مشاريع مخجلة، بذريعة «التأهيل الطائفي» (!). وإنه لمن دواعي الأسف العميق أن يكون آخر من تورط في تحمّل المسؤولية عن المناداة بمشاريع بهذا البؤس، بعد ما عُرف، سابقاً، بالمشروع الأورثوذكسي، الطرف نفسه الذي، بعد أن رفع، لبعض الوقت، وهو في «المنفى» الفرنسي، مطلبَ علمنة الدولة والمجتمع اللبنانيين، وبعد أن خاطب الشبيبة المتجمعة في ساحة الشهداء، يوم عودته إلى لبنان، في أوائل أيار 2005، داعياً إياهم إلى نبذه، هو شخصياً، إذا حصل أن انزلق يوماً إلى الخطاب الطائفي، عاد بعد أشهر قلائل من ذلك التاريخ، ومنذ تلك الفترة بالذات، حتى أيامنا هذه، يخوض معاركه السياسية، جميعاً، تحت شعار الدفاع عما يسميه حقوق المسيحيين. والخطورة الكبرى، على هذا الصعيد، باتت الآن أشد بما لا يقاس، بعد أن بات هذا الطرف في موقع الرئاسة الأولى!
في كلّ حال، إن شتى المساومات، والمناكفات، والخلافات، التي شهدتها وتشهدها الساحة اللبنانية، على امتداد السنتين الماضية والراهنة، ولا سيما في الأشهر الأخيرة، ومن جانب كلّ أطراف السلطة السياسية، على اختلاف مذاهبها وطوائفها، باتت تنحكم بما يمكن تسميته بالمتلازمة Syndrome الطائفية، ولا سيما أن الساحة السياسية، المحلية، تشهد - منذ انتهاء الحرب الأهلية الأخيرة، وحلول حرب أخرى، اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، محلها، ليست أقل ضراوة، منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، وإلى أيامنا هذه – تعفناً وانحلالاً عميقين، يساهم في تفاقمهما الواقع العربي والإقليمي الآخذ في التدهور والنكوص والتمزق، بصورة متسارعة ومثيرة للهلع. وذلك على الرغم من الصورة المشرقة والواعدة التي كانت مثلتها الانتفاضات العربية، منذ أواخر عام 2010. هذه الصورة التي سرعان ما حلت محلها، على الاقل مؤقتاً، هجمات الثورات المضادة، الحاظية بدعم رجعي إقليمي ودولي لا مثيل له، في مسعاها الشرس لوأد أي أمل لدى شعوب منطقتنا في التحرر والكرامة الإنسانية، والعدل الاجتماعي.
هذا، وحتى إذا كانت الأطراف المتصارعة، لدينا، اقتربت من إنضاج قانون جديد للانتخابات، أو هي تضع اللمسات الأخيرة عليه، ألا وهو القانون الذي يعتمد النسبية، على أساس 15 دائرة انتخابية، مع بعض الضوابط التي يصرّ عليها هذا الفريق أو ذاك، ولا سيما جماعة التيار الوطني الحر، فالنسبية التي سيتم اعتمادها ستكون محكومة، ضمن هذه الشروط، وطالما يستمر اعتماد القيد الطائفي، بخدمة ما سميناه الانشطار الطائفي، وتعميق الفصام بين اللبنانيين، على أساس مذاهبهم، وبالتالي تزوير الإرادة الشعبية، التي من المفترض أن لا تحددها مصالح برجوازية الطوائف والمذاهب، المغطية نهبها للبلد، وجماهيره الواسعة، عن طريق تحكمها الدائم بعملية الوصول إلى البرلمان اللبناني، عبر صناعة قوانين انتخابات على مقاسها، وعبر الإبقاء على الانقسامات المذهبية والطائفية، سواء في المستوى السياسي، أو على الصعيد الجماهيري. بل ينبغي أن تحدّد هذه الإرادةَ، على العكس، وقبل كل شيء، المصالح الاجتماعية لأوسع جماهير البلد، ومن ضمنهم نسبة عالية جداً ممن لا يشعرون، ولا سيما على المستوى السياسي، بالانتماء إلى هذه الطائفة أو تلك، ضمن الفسيفساء اللبنانية. وهؤلاء، بحسب مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات، الخبير في موضوع قوانين الانتخابات، عبدو سعد، لا تصلح، بخصوص تمثيلهم، «سوى النسبيّة الشاملة والكاملة مع الدائرة الواحدة».

مرة أخرى، العلمانية هي الحل

في الثلث الأخير من تشرين الثاني 1943، كانت الفقرة الأهم، التي وردت، في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال، برئاسة رياض الصلح، تقول ما يلي:
«ومن أسس الإصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فإن هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة وتشوّه سمعة لبنان من جهة أخرى، فضلاً عن أنها تسمّم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني. وقد شهدنا كيف أن الطائفية كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة، كما كانت أداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهاناً يستفيد منه الأغيار. ونحن واثقون أنه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظلّ الاستقلال ونظام الحكم الشعبي يُقبل بطمأنينة على إلغاء النظام الطائفي المضعف للوطن.
إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة، بإذن الله. ومن الطبيعي أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي، وسنعمل جميعاً بالتعاون تمهيداً وإعداداً حتى لا تبقى نفس إلا تطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير».
وقد مرّ، منذ ذلك الوعد، حوالى 74 عاماً، من دون أن ينتقل إلى التنفيذ. وفي غضون ذلك، عاش البلد في أتون حربين أهليتين، طغت فيهما، ولا سيما في الثانية بينهما، التي بقيت مستعرة خمسة عشر عاماً، السمة الطائفية. هذا مع العلم بأن أحد الفرقاء الأساسيين، الذين شاركوا في الحرب الأخيرة، ألا وهو ذلك الذي كان يتمثل بالحركة الوطنية اللبنانية، بقيادة الزعيم الاشتراكي الراحل، كمال جنبلاط، طرح منذ بدايتها، وبالتحديد في 18 آب/أغسطس 1975، برنامجاً إصلاحياً بين بنوده مسألة العلمانية، ولو مخففة بعض الشيء، لكونها جمعت إلى إلغاء الطائفية السياسية إقرار الزواج المدني، ولكن في إطار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية سرعان ما لقي معارضة صارمة من جانب دار الإفتاء السنية، تماماً مثلما حصل، في ما بعد، وبالتحديد، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين طرح رئيس الجمهورية، آنذاك، الياس الهراوي، في أواخر عهده، مشروعه للزواج المدني الاختياري، فنال أصوات 23 وزيراً في الحكومة الثلاثينية، التي كان يترأسها، آنئذ، السياسي الراحل، رفيق الحريري.
في كل حال، كان لافتاً، خلال حرب السنتين، المفصلية، في تاريخ البلد، أن تكون العلمانية راودت تفكير العديدين من قياديي تلك الفترة، الروحيين، كما السياسيين، من أمثال المطران غريغوار حداد، وتياره «الديمقراطي الوطني»، الذي دعا، في بيانه التأسيسي، في خريف عام 1976، إلى العلمنة الكاملة، فيما حدد زعيم الكتلة الوطنية، والمرشح آنذاك لرئاسة الجمهورية، ريمون إده، في مؤتمر صحافي، بتاريخ 13/2/1976، جملة من البنود المبدئية يدعو الخامس بينها إلى «تحقيق الديمقراطية الاشتراكية والعدالة الاجتماعية»، والسادس إلى «علمنة الدولة وعدم القبول بأيّ نص دستوري يتعارض مع هذا المبدأ»*.
في تلك الفترة (26/4/1976)، حتى بشير الجميل، من موقعه في القيادة العسكرية لليمين المسيحي، وفي عز المعارك بمواجهة الحركة الوطنية، وحليفتها المقاومة الفلسطينية، أعلن بعد اجتماع له مع جنبلاط، وأبو حسن سلامة، ما يلي: «برنامج الأحزاب يتفق وتفكيرنا.. وبنوده لا تختلف عمّا طرحنا في برامجنا الإصلاحية»، فيما صرح شقيقه أمين، في 25/5/1976: «نحن مع العلمانية، وإلغاء الطائفية، واستلهام التمثيل النسبي». كما أن بشيراً أعلن، بعد بدء التدخل العسكري السوري، في أوائل حزيران 1976، لصحيفة «المونداي مورنينغ»: «في اعتقادي أن الأطراف المتنازعة، في لبنان، كانت على وشك التوصل إلى اتفاق، عندما تدخلت القوات السورية، وأضاعت الفرصة. لقد قلب التدخل السوري الأوضاع تماماً».
كانت الأنظمة العربية مستنفرة جميعها تقريباً، في تلك المرحلة المصيرية من تاريخ لبنان، وكان كمال جنبلاط على حق حين لاحظ هلعها من احتمال أن تأخذ الأمور منحىً جذرياً، لا تعود قادرة معه على التحكّم بمسار الأحداث والتطورات لدينا، قائلاً: «إن تحقيق العلمنة سيفجّر الأنظمة العربية كلها». (كل الاستشهادات، أعلاه، مأخوذة من مجلدين بعنوان «يوميات الحرب اللبنانية»، صادرين عن منظمة التحرير الفلسطينية، مركز التخطيط، في عامي 1976 و1977).

خاتمة

في النقد الذي وجهه رئيس الوزراء الأسبق، سليم الحص، للواقع السياسي اللبناني، قبل سنوات طوال، اعتبر أن في لبنان الكثير من الحرية، مع القليل القليل من الديمقراطية (مقابلة معه أجرتها صحيفة الدستور الأردنية، ونشرتها في 12 أيار 2004). لكن للأسف، فإن الرئيس الحص بقي، في نقده للنظام اللبناني، مقصِّراً جداً عما وصل إليه، قبله، نقدُ رئيسٍ آخر، ولكن للجمهورية، هذه المرة، هو فؤاد شهاب، موجَّهٌ للدولة اللبنانية، عموماً، حين أعلن، في بيان عزوفه عن الترشح إلى الرئاسة الأولى، في أوائل آب/أغسطس، ١٩٧٠- وكان الوضع آنذاك أفضل، نسبياً، وبما لا يقاس، مما هي الحال اليوم – أن «المؤسسات السياسية اللبنانية، والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي، لم تعد في اعتقادي، تشكل أداة صالحة للنهوض بلبنان، وفقاً لما تفرضه السبعينيات، في جميع الميادين، ذلك أن مؤسساتنا، التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة، في كثير من النواحي، سعياً وراء فعالية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها أحداث عابرة، ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهِّل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، كلّ ذلك لا يُفسح المجال للقيام بعمل جدي، على الصعيد الوطني».
أكثر من ذلك، إذا كان الرئيس الحص تحدث عن الحاجة إلى الديمقراطية، من دون تحديد، فلقد كان الرئيس الآخر أكثر وضوحاً وجذرية، بالتأكيد، حين تحدث، في بيان العزوف نفسه، عن نظام يتيح سبل العمل، «وتكافؤ الفرص للمواطنين، بحيث تتأمن للجميع الإفادة من عطاءات الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية الحق». وبالطبع، فإن فؤاد شهاب لم يكن ثورياً، ولم يتطلع، يوماً، إلى الخروج من الانسداد، الذي وجده، صادقاً، في بنية النظام اللبناني، عبر التجاوز الثوري لهذه البنية، حيث أنه – كما أعلن، هو ذاته، في البيان المنوَّه به – لم يكن ليتصور اعتماد التحولات المطلوبة، في واقع النظام «إلا في إطار الشرعية، والحريات الأساسية»، أي بالضبط «الشرعية والحريات البرجوازية»، بوجه الحصر، وذلك، في الوقت الذي اعتبر فيه أن «البلاد ليست مهيَّأةً، بعدُ، ولا معدةً، لتقبُّل» تلك التحولات!
في المقابل، فإن القيادي الاشتراكي الراحل، كمال جنبلاط، اعترف بعجز الحركة الوطنية اللبنانية، التي كان يرأسها، والتي فوتت فرصة تحويل «مؤسساتٍ مطيَّفة ومتصدعة إلى مؤسسات علمانيةٍ وديمقراطية حقّاً». ولكنه، في كتابه الصادر بعد الوفاة، من أجل لبنان، Pour le Liban (الذي صدرت ترجمته العربية بعنوان «هذه وصيتي»)، فتح كوّة في جدار المستقبل، حين اعتبر أن أحداث حرب السنتين ثورة على طريقة ثورة 1789 الفرنسية، وأنها «ستنتصر، عاجلاً أو آجلاً»...
ولعل ذلك سيتم، إذا تم، بالفعل، في إطار أوسع، هو ذلك الذي قد تفتحه اندفاعات جديدة ظافرة للسيرورة الثورية العربية، بحيث يكون التعبير الأهم، عندئذ، عن ثورة لبنان الخاصة به، متمثلاً بإنجاز التحول العلماني الديمقراطي، كمدخل إلى باقي مهام التغيير الثوري، ولا سيما المساواة، والعدالة الاجتماعية.
* محام لبناني