آراء عديدة قيلت في الصراع الذي اندلع بين الإخوة الأعداء، الجيران الألداء، في الخليج الفارسي، وبعضها يشرح على نحو مفصل أحد جوانب الصراع داخل مجلس التآمر في الخليج، وليس التعاون.

لا شك في أن القضية مركبة إلى حد ما، حيث يمكن للمرء الحديث في جوانب مختلفة عن هذا الصراع لأن المسألة ليست داخلية في المقام الأول، وإنما خارجية.

في ظني أنّ معرفة السبب الرئيس لاندلاع هذا الصراع تفرض العودة إلى مرحلة ما قبل انتخاب باراك حسين أوباما عندما قررت المؤسسات الحاكمة في واشنطن رعاية نمو «إسلام سني رجعي» موال لها ولسياساتها الاستعمارية في المنطقة لمواجهة «الإسلام الشيعي الثوري» المعادي لها، والمتمثل في إيران وفي حزب الله في لبنان بعدما ألحقت التنظيمات العراقية «الشيعية» المدعومة إيرانياً بها الهزيمة. هذا المنظور وهذه المقاربة هما اللذان يشرحان سرّ صمت المؤسسة الحاكمة في واشنطن عن صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا ومنعها القوات المسلحة التركية، الأتاتوركية، من التحرك ضد القوة الدينية ــ المذهبية الصاعدة، بل سمحت له بقيادة حملة تطهير لقياداته: لنتذكر هنا أن القوات المسلحة التركية تحركت من قبل، بالمقابل، ضد نجم الدين أربكان وحزبه، حزب الرفاه، وألقت به في السجن.
يبدو أن واشنطن كانت مطمئنة إلى ولاء حزب العدالة التنمية الذي مول صعوده رجلها فتح الله غولن وأتباعه، مهملة طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليكون الحاكم المطلق.
سياسة واشنطن القائمة على تأسيس تحالف «سني» رجعي يواجه إيران يسمح لها، إن نجح، بتفرغها الكامل للصراع المقبل مع الصين وحلفائها، وخصوصاً بعد هزيمتها في العراق واضطرارها إلى الاندحار من هناك. هذا كله من منظورها.
هذه النظرة تسمح لنا بفهم بعض خلفيات الربيع العربي ومآلات الصراع في سوريا والعراق وعليهما، وولادة «داعش» من رحم تنظيم «القاعدة» التكفيري الذي أسسته واشنطن التي كانت في حاجة إلى عملاء محليين لتنفيذ المخطط، لذا فقد كلفت قطر بقيادة التحريض على المعسكر غير الموالي لها، في ليبيا وسوريا والعراق، وتمويل التدمير الممنهج وإراقة بحور من الدماء وزرع الرعب والكراهية في داخل المجتمع الشامي والعراقي، وإثارة مختلف النعرات.
تكليف قطر هو الذي يشرح، في ظني، الدور الكبير الذي مارسته الدوحة والذي يتجاوز حجمها بمئات الأضعاف. فقطر (القطرة)، هذا الكيان الوظيفي، الوهابي، كأشقائه الخليجيين، ليس لديه ما يصدره إلى الخارج، سوى المال، كما صرح الرئيس ترامب أكثر من مرة. وقد منحه التكليف الأميركي فرصة ليثبت جدارته الوظيفية، فعمل على نشر الخراب والدمار في سوريا بعدما أخفق في تحقيق الهدف الرئيس وهو إسقاط النظام في دمشق وإقامة كيان وظيفي متخلف على شاكلته. لكننا لا ننسى أن بقية كيانات الخليج الوظيفية، مثل السعودية والإمارات المتناحرة، أوكلت لها واشنطن مهمات مثيلة، وإن أقل أهمية، في ليبيا واليمن وغيرهما.
لكن بعد مرور سنوات عديدة على بدء الربيع العربي، تبيّن لواشنطن إخفاق مشروع «الإسلام السني الرجعي» الموالي لها في تحقيق أهدافه في سوريا ومصر وليبيا واليمن، فعمدت إلى التدخل مباشرة في الحرب في سوريا وعليها بعدما ثبت لها عجز القوى التابعة لها ولأذنابها في الخليج من تحقيق أي هدف معلن. وهذا ما يشرح جزئياً، في ظني، اضطرار واشنطن إلى توقيع الاتفاقية النووية مع طهران بهدف «تحجيمها» سلمياً.
مجيء دونالد ترامب أذن ببدء تغيّر في مقاربة واشنطن لأزمتها مع إيران، وهي المسالة الفلسطينية أولاً وأخيراً. وكان على الدوحة فهم ذلك والانصياع لأوامر السيد الأميركي. المشكلة هنا أن الدوحة صدقت ليس فقط أنها دولة، بل أيضاً أنها مستقلة لها سياساتها الخاصة بها، ونسيان أنها كيان وظيفي مستعمَر وفرع في شعبة الخليج الفارسي في وزارة الخارجية الأنغلو ــ أميركية، لا يملك قراره بنفسه، وأن لواشنطن/ لندن الكلمة الأولى والأخيرة في كل سياساته، الاقتصادية والعسكرية والفكرية [إن وجدت طبعاً] وغيرها.
نحن نفهم أن المرء يكذب على الآخرين، لكن أن يكذب على نفسه، فهذه مشكلة وقعت فيها الدوحة، إذ صدقت أنها أكثر من مستعمَرة وظيفية، كبقية كيانات الخليج الكاريكاتورية!
الأمر نفسه ينطبق على كيان قاطعي الرؤوس في الرياض، كبير العبيد الذي علمهم العبودية. لا ندري ما الذي همس به الرئيس الأميركي في أذن الملك محمد بن سلمان وفي أذن حاكم الإمارات المتنازعة محمد بن زايد، لكن من الواضح أن عبقريتهما أفهمتهما بأن واشنطن أوكلت لهما مهمة الهيمنة على جزيرة العرب وإخضاع بقية عملائها فيها، متناسين خلافاتهما ومسألة واحة البريمي إحداهما ليس غير، وأن الجامع الوحيد بين زعامات كيانات الخليج هو عشق التآمر العائلي: الأخ على الأخ، والأب على الابن، وبالعكس والأب والجميع على أبناء العمومة، وتاريخهم القديم والمعاصر حافل بالأمثلة على ذلك.
هنا تتكرر مشكلة قطر الآنفة الذكر، وهي أن الحاكمَين صدقا كذبتهما على أنفسهما وأنهما مستقلان، بل ويملكان سياسات خاصة بهما. في ظني أن «عبقرية» المحمدين أوصلتهما إلى سوء فهم طبيعة الرئيس الأميركي وتصريحاته المكتومة والعلنية، وأن من الخطأ أن يؤخذ على محمل الجد كل ما يصدر عنه من أقوال وتصريحات وتحليلات ووعود... إلخ. فالرئيس ترامب معروف عنه مقدرته على إصدار تصريحات عديدة متناقضة في الجملة الواحدة، أما القرار السياسي الاستراتيجي فيصدر عن مراكز صنع القرار في المؤسسة الحاكمة المتعددة الأذرع، كالأخطبوط؛ هذا ما يشرح، في ظني، التناقض بين موقفه وموقف وزير خارجيته تجاه الأزمة.
أما احتمال أن تبادر مملكة التكفيريين إلى احتلال ولو حتى حبة تراب من قطر، فأمر غير وارد، من دون أمر واضح وصريح من واشنطن. هذا تفهمه الدوحة وكذلك الرياض، وإن أخطأت الفهم فستدفع الثمن غالياً، إضافة إلى الأثمان التي دفعتها إلى يومنا.
سوء الفهم هذا هو الذي يشرح حدة القرارات التي اتخذتها الإمارات المتنازعة والسعودية وذنبها [ذنب الذنب!] البحريني، إذ إنها غير مسبوقة بالمطلق تجاه «شعب خليجي»، لكن حربها الإجرامية على اليمن المستمرة منذ أكثر من سنتين، من دون توقف، تعطينا فكرة عن العقلية السائدة لدى زعامات «الشعب الخليجي».
كان على قطر، المشارِكة في ارتكاب مختلف الجرائم المروعة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن توقع مواجهة كهذه. فزعامات «الشعب الخليجي» يجمعهم أمر واحد هو عقلية البداوة الهمجية، القائمة على الغزو والنهب والسبي، وهي التي تتحكم في تفكيرهم. كان على الدوحة توقع أن يلحق بها من «شقيقاتها» الخليجيات ما ألحقته هي من خراب ودمار وموت ودموع وأحزان في مختلف أنحاء جنوب المتوسط وشرقه.
في ظني أنّ الأزمة ستطول، وستجبَر الرياض وأبو ظبي على لحس الموسى الذي استلّوه والتراجع عن بعض قراراتهما بحق الدوحة، تحت مختلف الذرائع. لكن واشنطن لن تسمح بالتصالح الكامل ولا بالعداوة المطلقة، وهي التي ستقرر مصائر كل الوساطات لأنها الطرف الذي يملك جميع خيوط الأزمة التي افتعلتها بهدف إجبار الدوحة على الدفع، وهو ما ستفعله، راضية غير مجبرة، وستنفذ تعليمات السيد في واشنطن (في غمضة عين) عندما يومئ لها بذلك.
واشنطن لا تريد لآل سعود أن يحكموا الجزيرة ولا الخليج، ذلك أنها لا تسمح لهم أو لغيرهم من أتباعها حتى بحكم أنفسهم. هي يسرّها اندلاع الصراعات بين زعامات «الشعب الخليجي» وأن يعمل كل طرف على تنكيد حياة الآخر، لتتقدم هي المشهد وتمارس دور الحكم وتقبض الثمن، وحين يجف الضرع يرمى به في المجاري، لا في سلة المهملات، كما فعلت في الماضي القريب.