لا تزال وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي، كغيرها من دول العالم الثالث، تشكّل انعكاس الهوى السياسي الحكومي التقليدي في بعده الآني المحدود، وليس الاستراتيجي البعيد والعميق، على اعتبار أن الأخير ليس من ضمن التحديات التي يحسب لها حساب في خطط التنمية السياسية المستقبلية وتطوير المنهجية الدبلوماسية للدولة.


الأزمة التي تدور رحاها بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين من جهة، ودولة قطر من جهة أخرى فضحت المأزق الذي تعيشه هذه الدول ونشرت غسيله أمام الشعب الخليجي أولاً ثم المجتمع الدولي عموماً، خصوصاً ما كانت تنعته هذه الدول الثلاث بـ«الضد»، كجمهورية إيران الإسلامية والجمهورية العربية السورية، وحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وحركة حماس في أراضي فلسطين المحتلة.
كان هذا الخلاف الذي تصاعد بنحو حاد ومفاجئ دليلاً واضحاً على أن العقل السياسي الخليجي أقل حنكة من أن يحفظ خلافاته ضمن حدود البيت الواحد. بل وأثبتت أن من يدير ويوجّه الإعلام السياسي الرسمي لهذه الدول أقل بكثير من مستوى الاحتراف المطلوب في الحالة الخليجية التي تعاني من الشعور الدائم بتربص الشر لها.
فتح المجال أمام كل وسائل الإعلام الخليجية، بمختلف منصاتها الاجتماعية وطبولها، للخوض في مسألة الخلاف الخليجي، بهذا الشكل المرتزق والرخيص بين أطراف الخلاف، دليل واضح على أن النفوس بين أبناء الأسر الحاكمة تحمل من الضغائن ما يكفي لحرق المنطقة بمن فيها في لحظة غضب غير مدروسة. خصوصاً إن أخذنا بالاعتبار حالة التخوين والشتائم التي طغت على السطح لكل من لم ينخرط بهذه المعركة الغريبة على طبيعة الشخصية الخليجية.
فالعنوان العريض لهذه المعركة الإعلامية الواسعة هو «لم يعد هناك من محرمات» انطلاقاً من مبدأ الانقسام بين فسطاطَيِ «الخير والشر». المبدأ الذي دأب على ترديده من قبل قائد تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن خلال معاركه مع جورج بوش الابن الذي لم يقف هو الآخر بعيداً عن مبدأ ابن لادن أيضاً، إلا بنكهته المسيحية المتشددة حيث اجتمع الاثنان على مبدأ «إما معي أو ضدي».
سلوك قطر النزق والمشاكس الذي دأبت على ترجمته قناة «الجزيرة» بشكل حرفي، ليس بالشيء الجديد أو غير المعتاد، بل هو السلوك الذي ــ شاء من شاء وأبى من أبى ــ كان هو السلوك الذي قلب معادلة حرية الإعلام على مستوى الوطن العربي وطرح المحرمات السياسية الكبرى على طاولة النقاش أمام الشارع العربي المغلوب على أمره من قبل السلطة الحاكمة لعقود من الزمن، الأمر الذي شكل هاجساً دائماً للأنظمة الحاكمة في المنطقة وعامل ازعاج مستمر.
لذلك، لم يكن هناك من بد إلا باحتواء قطر الدولة والقناة بشكل أو بآخر، انطلاقاً من مبدأ «البعد عن الشر».
يبدو أن هذه الاستراتيجية لم تعد ذات قيمة لدى جناح الصقور الذي اعتلى سدة الحكم في كل من الإمارات والسعودية وتابعتها البحرين، بل أصبح مبدأ الهجوم أو ما يسمى «الحزم» هو الخيار الأول والوحيد لحل الأزمات الخليجية والعربية. وهو المبدأ الذي يعيد للأذهان أيضاً منهج جورج بوش الابن في علاجه لمسألة الإرهاب من خلال أولوية خيار الحسم العسكري على كل المناهج الأخرى لحماية الإنسانية كما كان يدعي بعد أحداث سبتمبر/ أيلول التي راح ضحيتها ٣٥٠٠ شخص... ليستفيق العالم في نهاية ولاية السيد بوش على حصيلة نهائية تصل إلى أربعةِ ملايين قتيل فقط جراء الحرب على الإرهاب التي قادها هو وحليفه البريطاني.
السؤال الأصعب ليس ما الذي ستتحدث به وسائل الإعلام السعودية والإماراتية والبحرينية مجتمعة عن قطر التي كان من الممكن أن يختصر تاريخها بساعة إخبارية فحسب؟ بل السؤال هو ما الذي ستسكت عنه «الجزيرة» من فضائح تخص تلك البلدان وعوائلها الحاكمة منذ أن تأسست كدول؟ وهو الأمر الذي يحتاج من جناح الصقور في تلك البلدان الثلاثة إلى إعادة التفكير فيه وفقاً لحساب الربح والخسارة، وخصوصاً إن فتحت ملفات أجهزة المخابرات وملفاتها السرية لتصبح مادة إعلامية متاحة للجميع.
من قدم النصيحة لتلك الدول بالتصعيد الغريب لم يكن بالأمين المخلص أو لم يكن بالعارف الحصيف الذي يفهم كيف تدار معارك الإعلام بما يخدم القضية الكبرى، بل في الأغلب هم مجموعة من الهواة الذين يعملون بعيداً عن مبدأ حساب الربح والخسارة... والذين لا يَرَوْن الصورة الكبرى للخلاف ولا تداعيات كشف المستور ونشر غسيل كل الأطراف بعضها لبعض.
كل ما يحصل اليوم يَصب في مصلحة أطراف الضد التي ليس لها إلا أن تنتظر آلة التدمير الذاتي كي تنجز عملها من دون أن تتدخل بمجرياتها. وهو بلا شك أمر يَصب في مصلحة شعوب الخليج لتكتشف خبايا ما يحاك لها في الظلام تحت ظل هذه القيادات المراهقة، وقد اختلفت في ما بينها إلى حد كسر العظم ليصبح «البساط أحمدي».
* كاتب سعودي