يتوهم كل من يعتقد أن الحل السياسي مرتبط باجتماعات جنيف والأستانا، أو حتى بالقرارات الدولية ذات الصلة بالملف السوري. أظهرت وقائع السنوات الماضية أن الحل السياسي لن يكون إلا نتيجة اتفاق أميركي ــ روسي لم ينجز إلى الآن، على الرغم من كل الدمار والقتل والخراب والهجرة والتهجير للسوريين التي استطالت ستة أعوام ويزيد.


مع ذلك، فإن اجتماعات جنيف الستة وما سيليها تبقى مهمة، لأنها تتيح لكل طرف معرفة تخوم الطرف الآخر، كذلك فإنها التمهيد الديبلوماسي للاتفاق الروسي ــ الأميركي عندما يحصل! والذي تأخر ويتأخر فوق أكوام الجثث، والمدن، والأحياء المهدمة دون أن تظهر ملامحه الحقيقية.
يشير ما سبق إلى دون كيشوتية الصراعات والمناكفات وحرب التصريحات والمنصات التي تنطلق من مختلف الجهات التي توهم المواطن السوري كأن الحل مرتبط باستبدال الجهة المفاوضة الفلانية (الهيئة العليا مثلاً) بالجهة الطموحة العلانية، وإحلال المفاوض الفلاني بالزعيم الشاطر العلاني! ناسية أن مصير الحرب في سورية تقرره موازين القوة، وقرارات الدول الكبرى وليس الشطارات على طريقة أحد الزعماء الفلسطينيين في العقود الأخيرة، التي جرّت المصائب على الشعب الفلسطيني، لأنها لم تكن تستند إلى مصادر القوة المطلوبة في صراع مصيري امتد لمئة عام.

-2 -


ثلاثة مؤشرات يجب الوقوف عندها في ما يتعلق بالأوضاع السورية:
1. انحسار مسألة الحسم العسكري عند مختلف الأطراف، إذ أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن ذلك مستحيل، بل ممنوع. فالصراع الذي أصبحت فيه للدول الكبرى اليد الطولى لن يحسم لطرف على حساب طرف، وإن بقيت الكثير من القوى الإقليمية تحمل هذا الوهم، وهي في ذلك مثل الكثير من القوى السورية... الواهمة بدورها.
من هنا فإن الحرب انتقلت من كونها حرب نصر أو هزيمة (!) الى حرب مواقع. حرب يحسّن فيها ـ أو يحاول أن يحسّن فيها ـ كل طرف موقعه، علّ ذلك ينعكس على مجرى المفاوضات الجديّة عندما تبدأ، وبالتالي على المكاسب التي يمكن تحصيلها نتيجة قوة الموقف العسكري.
2. حالة الإنهاك المادي والمعنوي التي تُلمس لدى مقاتلي مختلف الأطراف، وانعدام الحماسة والدوافع لديهم نتيجة طول الحرب إلى الآن، وما لحقها من خسائر بشرية مريعة لدى كل الأطراف، ونتيجة تبيّن استحالة النصر لهذا الطرف أو ذاك من جهة ثانية.
3. تقدم مسألة المصالحات في مختلف المناطق (داريا، الزبداني، البلدات الأربع، برزة، القابون، الوعر... إلخ)، التي تشي بصورة واضحة بيأس المجموعات العسكرية المعارضة من مسألة الانتصار على النظام، وبالمقابل تناسب أوضاع النظام العسكرية المهلهلة، الذي لا يملك عديد المقاتلين لتوزيعهم على مختلف الجبهات، هذا فضلاً عن الحسم فيها. وبالتالي تقدّم له المصالحات تجميداً للصراع في هذه الجبهة أو تلك لتستطيع قواه المحدودة التفرغ للجبهات المشتعلة.

-3 -


هذا على الصعيد السوري، أما على الصعيد الدولي، فلا بد من ملاحظة أمور ثلاثة تتقدم:
1. ازدياد تدخّل الدول الكبرى والإقليمية العسكري المباشر في الشأن السوري؛ فبعد التدخل الروسي والأميركي والإيراني المعروفين، شهدنا اجتياحاً تركياً لشمال سورية، وإقامة قواعد فرنسية وإنكليزية في الشمال الشرقي، كذلك في جنوب سوريا، كذلك ازداد الدعم الأميركي المباشر بالجنود والخبراء والأسلحة الخفيفة والثقيلة لحزب PYD دعامة «قوات سورية الديمقراطية»، كذلك فتح الباب لقوات عسكرية عربية كما تقول وتضغط الولايات المتحدة! هذا فضلاً عن الميليشيات الطائفية من قبل «داعش» و«النصرة» وسواها، أو من قبل الميليشيات الطائفية الداعمة للنظام. كل ذلك يجعل بلدنا مستباحاً من القاصي والداني، ويعقّد مسألة الحل السياسي، ويجعل حديث النظام والروس عن سيادة سورية نكتة ممجوجة.
2. الدعم الأميركي الواضح والصريح وبالأسلحة الثقيلة والخفيفة (بمواجهة الاعتراض التركي الحاد) للقوات الكردية وحزب PYD دعامة «قوات سورية الديمقراطية» ما يجعل مسألة التقسيم تطرح للمرة الأولى بجدّية ما بعدها جديّة، بغضّ النظر عن تصريحات الأطراف الكردية، وذلك أن التقسيم سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل مقاومته لأنه مشروع أميركي، ومدعوم بالقوة العسكرية الأميركية، وليست القوات الكردية إلا أدوات ذاك المشروع!
هكذا يصبح هذا التقسيم إحدى النقاط المحققة لمشروع الإدارات الأميركية المتعاقبة المدعو «الشرق الأوسط الجديد» الذي يقوم على إعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات دينية وطائفية وعرقية بغرض السيطرة السهلة عليها من جهة، وخدمة لتأبيد بقاء إسرائيل من جهة ثانية. وهنا نسجل أن العودة الأميركية المدججة بالسلاح في الشمال والجنوب والتنف (وعلى عكس ما توهم الكثيرون بأن الغياب الأميركي بسبب الانتخابات هناك هو اتفاق أميركي ــ روسي وتسلّم الأخيرة الملف برمته!). نسجل هنا أن هذه العودة تضع في حساباتها بمواجهة النظام وداعش... وأيضاً الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا بما يخدم التصورات الأميركية والسعودية... والإسرائيلية أيضاً لمستقبل المنطقة.
3. تفجّر الخلاف السعودي القطري، الذي انحدر إلى مستويات غير مسبوقة، واستقطب بسرعة حلفاء لهذا الطرف أو ذاك من دول الإقليم! كل ذلك سيترك آثاره على الصراع في سوريا دون شك، وعلى اندلاع الحرب بين حلفاء قطر أو السعودية من المجموعات العسكرية الموالية للفكر الإخواني أو السلفي الوهابي، والذي سيضعف الطرفين غالباً، غير أنه سيزيد حتماً من فاتورة الدماء التي يدفعها الشعب السوري منذ سنوات!

-4 -


أما على صعيد المعارضة، فالصورة صاخبة كاريكاتورية لا تسرّ صديقاً، إذ نجد انفجاراً في إعلان التشكيلات والتحالفات والمنصات، فلا ننام إلا على إعلان واحدة. ولا نستيقظ إلا على بيان أخرى. وهذه يعلنها واحد من بطانة لنظام لأربعين عاماً طامحاً إلى دور سياسي ما! وتلك يدعمها فاسد مشهود له الفساد، وثالثة يتنطح لها عميل لنظام عميل مشهود له بالقمع، ولم يبق إلا أن يدلي القوادون (موجودون بالطبع عند الضرورة) بدلوهم «لإنقاذ» الشعب السوري من الحرب والنظام وداعش، وتأسيس نظام يفوق في ظرافته وحسن هندامه النظام السويسري ديمقراطيةً ونزاهة قضاء!
وبالطبع، لا خلافات حقيقية أو برامج متباينة لهذا التحالف أو تلك المنصة، فهي تردد نفس الأغنية السياسية المشروخة، وكأن النظام قاب قوسين أو أدنى من تسليم السلاح وتقديم مفاتيح البلد للمنصة أو التحالف الأعلى صخباً والأكثر مزاودةً!
وللإنصاف، يمكن القول إن استمرار الجلسات الكلامية في جنيف أو اتفاقات الأستانا العسكرية التي لا تنفذ في أغلبها، ربما شجعت الكثير من الطامحين (وما أكثرهم لدى نخبنا السورية البائسة) على مدّ سكاكينهم لاقتطاع حصتهم من الكعكة... ولو على حساب شعبنا ودماء أبنائه وخراب مدنه وقراه!

-5 -


من نافل القول إنه منذ سنوات لم يعد للسوريين (حكومة ومعارضة) يد في تقرير شؤون سوريا ومستقبلها! فالوضع الكارثي اليوم مرهون ـ للأسف ـ بتوافق الدول الكبرى، الولايات المتحدة، وروسيا؛ ومما لا شك فيه أن السنوات الست الماضية لم تكن كافية للطرفين للاتفاق على اقتسام المصالح في بلدنا وربما في المنطقة، ما يجعل طاحونة الحرب دائرة تصهر حياة السوريين وتدمر بلدهم وتحيل مدنهم وقراهم ومصادر عيشهم إلى خراب... وإلى أمد غير معلوم!
وفي انتظار أن تأتي تلك اللحظة ستبقى جلسات جنيف والأستانا تراوح مكانها، وستبقى الآمال معلقة على هذه الجلسة أو تلك، وستبقى الإحباطات من بعدها مؤكدة... كل ذلك لا يمنع القول بأنه في الوقت الذي يعرف فيه السوريون مسؤولية النظام في جعل بلدهم ألعوبة بيد الدول الكبرى، فإنهم يعرفون بالمقدار نفسه بأن حقوقهم كشعب في الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة ودولة المواطنة، لا يمكن انتقاصها طال الوقت أو قصر، اتفقت الدول الكبرى أو ماطلت في اتفاقاتها أمام أنهار الدم السوري الذكي.
(افتتاحية «الآن»، الناطقة باسم حزب العمل الشيوعي في سوريا)