لا يمكن فهم كل الصورة الراجّة المشوشة المختلطة الحالية في الإقليم عموماً وفي الخليج خصوصاً، إلا في ضوء الابتزاز الأميركي، ومشروع «حلب الأبقار» قبل سلخها الذي أعلنه الكاوبوي الأميركي المستثمر المهووس صاحب الشخصية الهستيرية المولع بالاستعراض، دونالد ترامب. إذ يبدو أن التكلفة المهولة للشرعية السعودية والاستثمار الإماراتي والتي قُدرت بحوالي نصف ترليون دولار نقلت وظيفة «الممثل الحصري» و«الوكيل الإقليمي» لأميركا من دويلة قطر الصغيرة إلى المحور الخليجي الجديد (السعودية والإمارات والبحرين).


وصارت هذه الدول مطلقة اليدين و«بفلوسها» تمارس الصلف والتكبر والغرور نفسه ــ وبالوكالة الأميركية ذاتها ــ وخرج من هذه الدول سياسيون وجوقة من الإعلاميين يهددون قطر بالقطيعة والطرد من الجامعة العربية والاتحاد الخليجي بتصرف مماثل كنسخة كربون واحدة لما مارسه حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري، قارون الغاز المسال، صاحب الاستثمارات العالمية والصفقات المشبوهة ذاته في يوم من أيام ٢٠١١ بحق الجمهورية العربية السورية، فتم شراء قمم (عربية) متلاحقة للجامعة العربية بقصد تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، وتم تحويل الملف السوري لمجلس الأمن الدولي لإقرار تدخل دولي عسكري (إنساني) لإسقاط الحكم فيها، استعادةً مماثلة لتجربة قطر وملحقاتها في المعسكر الخليجي في إسقاط الدولة الليبية، وخلق بنى تابعة لعدوان «الأطلسي» على ليبيا كالمجلس العسكري، ولاحقاً الغدر بالزعيم الراحل القذافي والعمل على تصفيته.
الأهواء النفطية الساذجة نفسها والغطرسة نفسها بالثراء الفاحش والمظلة الأميركية، التي طالما تعاملت بها قطر في شراء الذمم، ونشر طريقة الاستثمار في الولاءات وتمرير المشاريع بالرشى الخلّبية وتبييض الأموال والصفقات العسكرية، رشى مركبة وفساد مستفحل كفيلٌ بأن يكشف العالمَ كله عارياً أمام سطوة المال الوفير، شراء قادة، شراء مواقف شراء دول، تمرير مشاريع تقسيم، استضافة كأس عالم في مساحة صغيرة غير معقولة، وروائح فساد تمريرها تزكم الأنوف.
هل هي عدالة الأقدار وحكمة الله وعِبر الخلق أن تستعاد الصورة السابقة على مشيخة قطر لتحاصر ويطبق عليها تجبرٌ وصلفُ وقطيعةٌ كانت هي أول من مارسه في العقد الجديد؟!
المؤكد والظاهر أنه لو كان المطلوب رأس تميم كما سقط رأس المملوك جابر في مسرحية السوري سعد الله ونوس «مغامرة رأس المملوك جابر»، فإننا لم نكن لنسمع باسم تميم، كما لم نسمع باسم والده حمد بن خليفة وأبيه من قبله، فلا أحد يعرف بالضبط، يوم جاء حمد وذهب خليفة! ولماذا جاء تميم، وما هي طبيعة البرقيات الأميركية التي أزالتهما في ليلة وضحاها، بعدما صارا الناطقين الحصريين باسم أميركا في المنطقة، والمندوبين الخاصين لتمرير مشاريعها في تقسيم المنطقة والهيمنة عليها، ولو أن أميركا تريد بالفعل رأس «الإرهابي» تميم أو الانقلاب عليه لكان أسهل عليها من شربة ماء جانب نهر الماء العذب الجاري. فالقواعد الأميركية بجانب القصر الأميري لا تبعد إلا دقائق معدودة، كذلك فإن الظروف تثبت بالقطع أن الأمير تميم لا يملك رفاهية المعارضة للرغبات الأميركية، وهو ما يزال قابعاً في الحضن الأميركي وتحت أنياب السبع الحادة.


لا يمكن لعاقل أن يقتنع أن بإمكان قطر أن تتصرف بفعل قواها الذاتية


نكرر مرة أخرى أن الأمر ليس أكثر من «ابتزاز مكشوف ومفضوح» للحصول على ضريبة حماية ومنح شرعية، يطلبها الرئيس الأميركي الجديد المستثمر الشره والمقاول النهم ترامب مماثلة لتلك الغلة المهولة التي خرج بها من العاصمة الرياض ومن الخيرات المدفونة في الجزيرة العربية، سيستخدمها ترامب بلا شك لرفع أسهمه داخل أميركا في تحقيق وعوده الانتخابية بتأمين فرص جديدة كبرى للعمل، مما يحسن وضعه كرئيس مقلقل في المناكفات المحتدمة بين الدولة العميقة والرئيس الجديد.
جلُّ ما يمارسه ترامب مع تميم هو أن يضعه في طقس هائج يشبه الأمواج العاتية وحالات عدم الاستقرار والقلق والخوف العارم، ما سيدفعه حتماً وتحت الضغط طائعاً للحضن الأميركي الذي أدمنته دويلة قطر منذ تأسيسها ولم تغادره ليوم واحد. ليدفع ما ترتب عليها من مليارات طائلة تحت غطاء من الصفقات الخلبية التافهة، وعشرات الطائرات الحربية لن تتسعها سماء قطر الصغيرة، ولن تراها تقلع فيها، وستكون قطر أصغر بكثير من أن تحتمل هذه الأسلحة الضخمة والتي تحتاج كوادر بشرية كبرى تعجز عنها الدول الكبرى في الإقليم.
لا يمكن لعاقل في هذا الكوكب أن يقتنع مهما أصاب عقله من اضطراب وضعف أن بإمكان دويلة قطر الصغيرة أن تتصرف بفعل قواها الذاتية، وأن الهامش الكبير الذي مارست فيه سياساتها من بعد منتصف التسعينيات جاء بفعل صفاتها، وإنما بسبب المظلة الأميركية الواسعة والقواعد الأميركية في السيلية والعيديد، ورهن مقدرات هذه الدولة للشركات متعددة الجنسيات، يضاف إلى ذلك التطبيع الذي بدأته الإمارة مع الكيان الصهيوني، عندما أنشأت مكتباً اقتصادياً إسرائيلياً في الدوحة، وصارت رحلات القادة الصهاينة للعاصمة القطرية والخليج العربي ممكنة، فتجول بيريز وليفني في ردهات قناة الجزيرة والتقطت لهما الصور في أسواق وشوارع الدوحة.
اليوم وبعد السباق في دفع «خوات» حماية السلطة والحكم ومنح الشرعية التي دفعتها المملكة السعودية للرئيس الأميركي بمبالغ قريبة لنصف تريليون دولار على شكل صفقات خلبية عسكرية، وبعدما تحصلت السعودية وشركائها صكاً واهماً باهظ الثمن ومدفوع الأجر بقيادة الخليج العربي، أضافت له تفوقاً تطبيعياً مع الصهاينة عندما «عادت» كل محور المقاومة وسجلت كل أطرافه كإرهابيين (وللصدفة البحت هم أنفسهم على قوائم ألدّ أعداء إسرائيل). كلُّ ذلك جعل حتى الكيان الصهيوني يضنُّ على قطر بما منحها سابقاً من ألعاب حرية إعلامية ضد إسرائيل ومحاولاتها في دعم «حماس» والترويج للقضية الفلسطينية تحت ستار من التطبيع التام، وهذا ما جعل بعض الصهاينة يقفون مع ما سمي اصطلاحاً «الدول المعتدلة» في حرب مقاطعتها وحصارها لقطر، وذهبوا في ترديد نغمة أن قطر دولة تدعم الإرهاب وحان الوقت لتوقف ذلك ولتدفع الثمن.
ها هي الموائد والولائم الشهية قد فرشت، والراعي لهذا التبذير والإسراف معروف، وسبب هذه البازارات الإعلامية معروف أيضاً، وها هي الدول تحسب بميزان البترول والغاز المسال إلى أي الطرفين ستميل، وها هم الإعلاميون النفطيون يدخلون في حفلات الشتائم والردح والتخوين، ولا يوجد معايير ناظمة إلا قيمة المبالغ المقبوضة والتنغيم على أهواء المحطات الإخبارية، سواء تلك التي تبث من الإمارات والناطقة باسمها وباسم السعودية أو تلك المستوحدة والمستوحشة التي ترد عليها من الدوحة. حفلات متواصلة من العبث والردح لا تتوقف تنقض فيه عقوداً من اجتماعات التكاذب عن البيت الخليجي الواحد وعن المصير المشترك وعن مجلس التعاون الخليجي.
لعل أهم ما قصده الكاتب المسرحي السوري الفذ سعدالله ونوس من مسرحيته العميقة «مغامرة رأس المملوك جابر» هو الإشارة إلى أولئك المتبرعين بالخدمات (المدفوعة الأجر) للسلطات الحاكمة في بلدان السيطرة والملك والاستبداد كصنف متمايز مستعد لتبرير كل الخيانات حتى الاستعانة بجحافل الغريب للوصول إلى كراسي السلطة. الشيء الذي يبدو أن صار سنةً راسخةً في «مانيفستو» التغيير لكل المعارضات العربية بكل تنويعاتها، وصار العلماء المسلمون يلوون أعناق النصوص والحوادث التاريخية ليؤسسوا باباً جديداً في الفقه الديني عنوانه (وقفات لله من أميركا)، و«جواز الاستعانة بجحافل الكفار للوصول للحكم ولخراب الديار».
تبدو المشاهد فاقعة وحفلات تقديم الخدمات على الشاشات العربية المتناحرة لا تهدأ ولا تنام، لن يدرك كل هؤلاء أنهم من أجل صراع الديكة في الخليج العربي فإنهم يدحرجون رؤوسهم بأرجلهم خدمةً لأنظمة غارقة في الظلم والفتن واستباحة دماء المسلمين والعرب والتحريض عليها، وأنهم من دون وعي أو تقية يحملون وصيةَ قتلهم على رؤوسهم بعد انتهاء المعارك حتى لو بدا لهم بريق الثمن من نفط وغاز لا يقاوم.
كان يتندر الخليجيون أنفسهم على منظمة التعاون الخليجي ــ قبل الأزمة الحالية ــ بأنها لم تنجز شيئاً إلا برنامج «افتح ياسمسم» للأطفال، وفيما عدا ذلك لم تتفق مصالحهم يومياً. وكشفت الأزمة الأخيرة رأس الجليد فيها وأنها تخفي خلفها إمكانية لنسف المنظمة كاملةً، وخروج نصف أعضائها منها. فالكويت تتوجس وسلطنة عُمان خارج السرب، وقطر ترفض السيطرة على قرارها والهيمنة عليها خصوصاً في ظل طلاق بائن بين الوهابية و«الإخوان» بدأت ملامحه بالظهور للعلن.
هي أزمة جديدة في المنطقة تعمل أميركا على إدارتها على هوامش سياستها، وتقوم بالاستثمار، وحلبِ أطرافها حتى تجفَّ الضروع وينضب اللبن وتستحق الذبح كجوائز كبرى.
اليوم وبعدما فقد الغاز القطري المسال تأثيره وبلغ حجمه الأقصى في شراء الذمم والولاءات وصفقات الفساد وتخريب الدول، وسقط الصمام الأميركي عنه، فها هي قطر عادت إلى حجمها الطبيعي، مشيخةً صغيرة تتجاذبها كلُّ الأطراف، وتضغط عليها وتبتزها كلُّ الأطراف وتجري حسابات مصالح لضمها تحت أذرعها في عالم المحاور، وما على قطر إلّا الانصياع وتنفيذ صفقات الحماية وضمانات البقاء.
*كاتب سوري