نشير بداية إلى أن السياق العام للمصالحات وكذلك أهدافها ومآلاتها يجب أن يكون تعبيراً عن مصالح السوريين العليا. وينطبق ذلك على آليات تمكين السلام، وأيضاً على آليات ومخارج ومآلات الحل السياسي. حتى اللحظة ينحصر مسار المصالحات وكذلك التسويات على الهدن العسكرية وتبادل المخطوفين والمعتقلين وترحيل المسلحين الرافضين للتسوية.


ويشمل ذلك بعض المدنيين وبالأخص أسر المسلحين. ونشير في السياق المذكور إلى ضرورة الاستفادة من أسلوب المصالحات لتمكين الثقة بمؤسسات الدولة والاستفادة من إمكاناتها المتوافرة، وإتاحة المجال للمنظمات الإنسانية الدولية لدعم وإنشاء المشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة التي يمكن أن تساهم في تنشيط الدورة الإنتاجية. ومن المفيد أن يتزامن ذلك مع تظهير القيادات المجتمعية المدنية، وإفساح المجال لمبادرات المجتمع المدني المحلي، والمشاريع الثقافية والاجتماعية والتعليمية التي تسهم في تدعيم الترابط المجتمعي، وتمكين السلم الأهلي، وترميم التصدعات الطارئة على مفاهيم الهوية الوطنية والثقافة والانتماء. ونشير في السياق ذاته إلى أن فتح المجال أمام السوريين لإطلاق مبادرات تخص أهالي الشهداء والمخطوفين والمفقودين يعزز الترابط المجتمعي، ويقلص من الخلافات السياسية، وأيضاً يساعدهم في تجاوز الحواجز والمعيقات التي ساهمت الحرب في تمكينها بين والأطر والمكونات والهويات المجتمعية.
انطلاقاً مما سبق نرى أنه من الأهمية بمكان التأكيد على تعميق مسار المصالحات ليُصار إلى وضعها في سياق وطني شامل يعيد التواصل بين عموم أبناء سوريا على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية وغير السياسية. ولعل من المفيد التأكيد على ضرورة فتح أبواب المصارحة والمكاشفة عن الهموم والمشاكل والغبن الذي يتعرض له السوريون. فمن النادر أن تجد أسرة ليس لديها شهيد أو معتقل أو مخطوف أو مفقود إضافة إلى القمع أو التعذيب أو العنف الذي يتعرض له السوريون. وتكمن أهمية المكاشفة كونها تساهم في تخفيف أوجاع السوريين وهمومهم ومعاناتهم، ويمكن الاستفادة منها لدفع الجهات الرسمية لتحمُّل مسؤولياتها. فالسوريون أثبتوا لأنفسهم أولاً، وللتاريخ والعالم ثانياً أنهم يتمتعون بأعلى درجات التحمل والتكيف مع أقسى الظروف وأشدها صعوبة. ولذلك دلالة مفادها تمسكهم بوطنهم، وارتفاع مستوى إدراكهم الوطني. أيضاً يجب التنويه لضرورة انفتاح الجهات الرسمية على السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية وميولهم السياسية. فجميعهم ينتظر نهاية الصراع للعودة إلى حياته الطبيعة.


مخاطر الحرب السورية وتداعياتها التقسيمية ما زالت مجالاً للمساومة

لكن ذلك لا يعني بالمطلق إنهم يقبلون استمرار أسباب معاناتهم سواء المرتبطة منها بالأزمة أو التي كانت سائدة قبل الأزمة. وذلك يشير إلى ضرورة اشتغال الجهات الرسمية وأيضاً الأطراف السياسية المعارضة بما في ذلك منظمات المجتمع المدني على وضع الأسس اللازمة لتجاوز أسباب الأزمة السياسية والاقتصادية التي شكلت أحد العوامل الأساسية لوصول السوريين إلى حالتهم الراهنة.
نؤكد مجدداً أن وضع آليات وضوابط تحد من تأثيرات الحرب وتجاوز تداعياتها وتعيد السلام، لا يعني بالمطلق قبول السوريين بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليها قبل الأزمة. كما أنه لا يعني قبولهم بمصالح الأطراف المتصارعة المتناقضة مع مصالحهم وأهدافهم الاستراتيجية. ما يدفعنا للإشارة إلى ضرورة الربط بين العمل على قضايا الهدن المحلية وتسوية أوضاع المخطوفين والمفقودين واللاجئين والنازحين والمقاتلين والتعويض عن المتضررين، وبين الاشتغال على وضع آليات ناجعة لمعالجة ومكافحة التشدد والتطرف وصولاً إلى تجفيف منابعه وحوامله كافة. وكما بات واضحاً فإن ذلك يحتاج إلى تكريس ثقافة الاعتراف بالآخر المختلف سياسياً وأيديولوجياً، وإطلاق حرية التعبير عن الرأي، وتدعيم ثقافة المواطنة وترسيخ أسس النشاط السياسي والمدني. بمعنى آخر إطلاق حرية العمل السياسي وردم الفجوة بين السلطة والمجتمع. ويتقاطع مع ذلك ضمان الأمن المعاشي والغذائي وتوفير فرص عمل تضمن كرامة الإنسان.
إن انفتاح الجهات الرسمية على المجتمع واشتغالها على تلبية أهداف السوريين السياسية منها والاقتصادية، والإقرار بضرورة إطلاق الحريات السياسية والمدنية، ومحاسبة المتورطين في نهب وقمع السوريين وإذلالهم، يشكل المدخل الحقيقي لتجاوز تداعيات الأزمة وأسبابها. لكنَّ ذلك أيضاً يحتاج من قوى المعارضة السياسية وتحديداً التي تستمد مشروعيتها السياسية ووجودها من دول وحكومات خارجية. أن تعيد تحديد أهدافها وآليات اشتغالها السياسية بما يتناسب مع مصالح السوريين. وذلك بالضرورة يستوجب منها العودة إلى حاضنتها الشعبية. وإذا كانت ملامح نهاية الحرب السورية تلوح في الأفق، فإن مخاطرها وتداعياتها الاجتماعية والسياسية وبالأخص الجيو سياسية التقسيمية ما زالت مجالاً للمساومة والمكاسرة. ويتعلق ذلك بتباين مصالح وأهداف أطراف متعددة دولية وإقليمية حولت سوريا مجالاً لحرب كونية. ويدلل على ذلك مزاوجة أطراف الصراع بين القوة العسكرية والتسويات السياسية لفرض أوضاع ميدانية وأخرى سياسية، ما زالت حتى اللحظة تتناقض مع مصالحنا نحن السوريين. ويقودنا ذلك للتأكيد على أن القضاء على منابع الإرهاب وتجلياته يجب أن يتحدد انطلاقاً من المحافظة على وحدة الجغرافية السياسية السورية ووحدة السوريين، وفي سياق تمكين نموذج حكم سياسي ديموقراطي يحقق العدالة الاجتماعية ويضمن الحريات السياسية. وجميعها أهداف يحتاج تحقيقها إلى توافق السوريين على ميثاق وطني يكفل وحدتهم واستقرارهم ويضمن انفتاحهم على العالم. وذلك لن يحققه أي من الأطراف المتصارعة على سوريا. ما يعني التركيز على ضرورة أن يمتلك السوريون ناصية القرار، والدخول في حوار وطني شامل وعميق لا يُستثنى منه أي من السوريين. في ذات الوقت فإن تدويل الصراع في سوريا، وإخراج القرار السوري من حاضنته السورية الشعبية والرسمية، يستدعي من الهيئات والمؤسسات الأممية «المستقلة عن الدول المتصارعة» في سوريا وعليها. القيام بما يلزم لإعادة الاستقرار. ولا يقلل ذلك من إدراكنا لإشكالية الدور الذي تقوم به تلك المؤسسات نظراً إلى طبيعة علاقتها مع الدول الكبرى.
* كاتب سوري