بدأت معركة الأسرى الفلسطينيين الأخيرة في 17 نيسان الماضي الموافق ليوم الأسير الفلسطيني، لتحقيق مطالب تتعلق بتحسينات متواضعة على ظروف اعتقالهم وشروطه. شعارات كبرى وبطولية رفعها أولئك الأبطال المجهولون. فقد بدأ حوالى 1300 أسير داخل سجون الاحتلال الإضراب عن الطعام تحت شعار مهيب: إنه إضراب الحرية والكرامة. «جائعون للحرية» هكذا كان نداء الأسرى من بين القضبان. إنها «معركة أمعاء خاوية» لانتزاع حقوق طال أمد اغتصابها والاستهتار بها.


بحسب المتحدث الرسمي باسم جمعية «واعد للأسرى والمحررين» عبدالله قنديل، فإن هذه الخطوة أخطر وأقسى ما يمكن أن يلجأ إليه الأسير والمعتقل عادة للدفاع عن نفسه ولاسترداد أدنى حقوقه كمعتقل وكسجين. إنها أداة ووسيلة أخيرة يضطر إليها الأسير ليحاور عبرها إدارة سجون غاشمة وفاشية لم تتورع حتى عن اللجوء إلى «التغذية القسرية» للمعتقلين في محاولة منها لفك إضرابهم عن الطعام. أما عن المطالب والحقوق التي اضطرت الأسرى إلى هذا الإجراء المتطرف، فتثير كثيراً من الأسى والإحساس بالذل والظلم والمهانة الذي لا يطال الأسير وحده بقدر ما يطال أمته بأكملها. الهاتف العمومي للتواصل مع الأهل، انتظام الزيارات مرتين في الشهر، السماح بالتصور مع الأهل كل ثلاثة أشهر مرة، والسماح بوجود مَرافق تحقق الحد الأدنى من الراحة للأهل عند باب السجن. أمور الطبابة والصحة العامة والمعاملة الإنسانية والحق بالمحاكمات العادلة والطعام المناسب... هذه «الرفاهيات» غائبة عن سجون الاحتلال. فالدولة العنصرية الصهيونية بالكاد تعترف بأسراها كبشر. وكبديل منها، هناك تلك السياسات الوحشية التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد الأسير الأعزل المسلوب الحقوق مثل العزل الانفرادي والاعتقال الإداري التي تؤدي بالكثير من الأسرى إلى حافة الموت.
في 27 أيار، علّق المعتقلون الفلسطينيون إضرابهم المفتوح عن الطعام بعدما تم التوصل إلى «اتفاق» مع الجانب الاسرائيلي. مفاوضات استمرت 20 ساعة مع قيادة الإضراب، على رأسهم مروان البرغوثي، أنهت بصعوبة وعلى مضض إضراباً صعباً قاسياً ومؤلماً كان قد استمر 40 يوماً. من الجدير بالذكر، أن ذلك الاتفاق لم يتم إلا بعدما كانت حكومة الاحتلال قد تلقت تحذيرات دولية عن «حراجة وضع الأسرى» وعن دخول معظمهم مرحلة بالغة الخطورة وذات عواقب طبية وصحية لا رجعة عنها، لتنتهي المعركة البطولية بتصريحات غامضة عن التزامات إسرائيلية «مبدئية» و«أولية» حول «معايير جديدة» تتعلق بالزيارات وتحسين وضع الأسرى، وخاصة النساء والأطفال وكثير من المطالب الأخرى ستتم «دراستها» إثر إيقاف الإضراب. وأن المحادثات ستستمر بعد تعليق الإضراب وإنهائه، وخاصة بعدما تم نقل حوالى 18 أسيراً إلى المستشفيات نتيجة تدهور حاد في أوضاعهم الصحية بسبب معركتهم الأخيرة المضنية، علماً بأن الأسير المحامي محمد علان لا يزال مستمراً في إضرابه عن الطعام، بحسب بيان مؤسسة القدس للشهداء والأسرى، رفضاً منه للائحة الاتهامات التي وجهت له، رغم كل محاولات كسر إرادته وفك إضرابه، ما يعني أن المعركة لم تنته بعد، إنما جُمدت إلى حين.
لم أجد ما يعبر عن حال أسيرنا الفلسطيني كما فعل الرسام الإسباني العبقري فرانسيسكو دي غويا (1746 - 1828) في لوحته الشهيرة «الإعدام». ففي هذه اللوحة، رسم الفنان الإسباني مشهداً من إعدامات ليل الثالث من أيار التي شكلت الخاتمة المأسوية لانتفاضة المقاومة الوطنية الإسبانية ضد الغزو الفرنسي الذي قاده نابليون عام 1808. اللوحة التي تصوّر مشهد موت رهيب في ليل وظلام دامس وعلى أفق ملامح كنسية لامبالية، تكشف هول جلاد لاإنساني يمارس الموت باعتيادية مفزعة. لكن انتباهنا لا يستمر طويلاً على أولئك الجلادين ولا على القتلى ولا على أولئك الخائفين ولا على الظلام الدامس في الأفق، بل يوجه الرسام العبقري انتباهنا وبقوة تأثيرية سحرية إلى بقعة الضوء. إنه ذلك المتمرد ذو القميص الأبيض وقد دفع بصدره إلى الأمام، أمام الفوهة رافعاً يديه إلى السماء بإيماءة فيها من التحدي أكثر ما فيها من الألم. إنه ذلك المناضل والمقاوم الذي لم يذعن ولم يخضع برغم أسره، أدرك أن هناك اعتبارات أهم من الموت نفسه. هذه الصورة التصعيدية البطولية هي التي تبقى في وعينا وهي التي يوجهنا إليها الفنان بقوة إيحائية جبارة، تعتبر مركزاً للوحة ومحوراً لها. رغم الموت ورغم الهزيمة ورغم عبثية التحدي، ينهض مقاوماً ومقاتلاً كأنه يصرخ بأنه أكبر من سجانه وأكبر من جلاده.
أليس تلك هي حال الأسير الفلسطيني اليوم في معركته الأخيرة، وفي معاركه التي يخوضها أعزل ضد كيان عنصري محتل لا يمتّ للإنسانية بصلة؟ يقف الأسير الفلسطيني في معركته الأخيرة برغم الضعف ورغم الانكسار والانحسار العربي العام، وبرغم التردي الذي تعيشه الأمة في مجموعها ليقرع جرساً وليرسل نداءً. تماماً كمناضل غويا. لم يعد هناك ما هو أسوأ، ولن أقف خائفاً أمام بنادقكم، هكذا يقول الأسير عبر إضرابه، وهذه هي رسالته التي يطلقها. النتائج؟ لعلها لن تكون على ذلك القدر من القيمة، فالعدو والغازي هو المنتصر الآن. لكن وقفة الشرف والكرامة تلك تتجاوز في قيمها ومعانيها كل النتائج التي يمكن أن تحققها. إنها إشارة تنبيه إلى ضمير أمة نائمة، ونداء استغاثة لإيقاظ شعوب عربية غفلت عن حقوقها وكرامتها ورضيت باحتلال مذل ومهين وغاصب لا يزال مستمراً ويكاد يكمل قرناً كاملاً قضاه في الإجرام والاغتصاب والتهجير. ذلك وضع لم يستطع الأسير الفلسطيني إلا أن يصرخ ضده عبر إضرابه الذي لن يكون الأخير يقيناً. إن كل حدث من هذا النوع يستدعي الكثير من التأملات ويضع وجداننا القومي والإنساني أمام حقيقة واقعنا المؤلم. حقيقة تأخرنا وتخلفنا وانهزامنا كأمة قيل فيها يوماً إنها خير أمة أخرجت للناس.
*كاتب سوري