ينهي السفير علاء الحديدي مقالته في جريدة «الشروق» بتاريخ 19/6 عن عملية بيع روسيا لأرض ألاسكا في ١٨٦٠ بكلمات تحمل معاني مخفية. فيقول السفير وهو يكاد يصرخ للسلطة التنفيذية في مصر انتبهوا بخصوص تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير: «حكم التاريخ في النهاية واضح حول من حقق المكسب الأكبر ومن صاحب الخسارة الأكبر».


يسرد السفير في مقالته نقاطاً مهمة عدة عن كيف قام قيصر روسيا ببيع جزء من أرضه لأميركا لأنه كان مديوناً لجهات خارجية في إشارة ثانية خافتة لحال مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي الآن. لعل لعاقلٍ أن يتعظ. لكنه وسط كل هذه الإيماءات الذكية، في رأيي المتواضع، يختزل مقارنة أخرى أجدر للموقف المصري الحالي، وهي عملية بيع فرنسا ولاية لويزيانا للولايات المتحدة. فيقول السفير: «وذلك أكثر من صفقات أخرى عقدتها الولايات المتحدة، مثل شراء إقليم لويزيانا من فرنسا في عام ١٨٠٣، والتي كانت تعادل في مساحتها وما تم دفعه فيها ما يوازي ضعف ما تم مع ألاسكا أو حتى أكثر».
لكن هل يعلم السفير أن أخوي نابوليون حاولا أن يثنياه عن بيع لويزيانا؟ وأن لوسيان وجوزيف ذهبا لأخيهما الحاكم نابوليون وترجياه أن يعدل عن عملية البيع، حتى تذمر لوسيان لأخيه قائلاً: «لو لم تكن أخي لكنتَ عدوّي!» في تعبيرٍ واضح لما كان في ذلك الزمن عما قد نعتبره اليوم «أزمة حكم داخلية» أو ما قد يسميه البعض «صراعاً على مراكز القوة».
وهل يعلم السفير أن إقليم لويزيانا لم يكن ملك فرنسا في الأصل، بل حصلت عليه بموجب معاهدة سرية من إسبانيا في عام ١٨٠٠، وبعدما حصل نابليون على الولاية سرعان ما شرع ببيعها؟ ففي حالة نابوليون آنذاك، كانت أزمة الحكم في خسارة نابليون الكثير من الأراضي في أميركا الشمالية أثناء الحروب النابليونية مع بريطانيا، فبعد حصوله على لويزيانا من إسبانيا، بعدما دفع ثمناً عسيراً وخسر الكثير من قواته، كان العقل يقول إنه لن يتنازل عن هذه الأرض وإن وصل الأمر لتهديد عرشه، لكنه ضرب بعرض الحائط المنطق وفعل عكس ما توقعه الجميع.
هذا ما يفعله السيسي الآن. بعدما حاربت مصر حروباً طويلة مع الكيان الصهيوني الذي سعى إلى احتلال سيناء وجزيرتي تيران وصنافير أثناء حرب ١٩٦٧ وحرب الاستنزاف لكي يتركهما الآن.
أُبرمت معاهدة شراء لويزيانا بثمنٍ باهظٍ. أحد بنود المعاهدة نص على سعر شراء محدد عند ١١.٢٥ مليون دولار زائد بند لغفران ديون فرنسا الحربية التي قُدّرت على نحو ٣.٧٥ مليون دولار. اضطرت الولايات المتحدة أن تقترض حتى تسدد هذا المبلغ بسعر للفائدة بنحو ٦٪ حتى أنها لم تسدد القرض إلا في مطلع سنة ١٨٢٣، فتحولت التكلفة إلى ٢٣ مليون دولار. فحتى السفير المعين من أجل التفاوض لشراء لويزيانا، جايمس مونرو، اضطر أن يبيع مقتنياته الشخصية وأواني الفضة الخاصة به لكي يحصل على بعض النقود من أجل سفره لفرنسا. وبالرغم من حصوله على منصب رئيس الولايات المتحدة (١٨١٧ـ١٨٢٥) عاش جايمس مونرو طيلة حياته مديوناً حتي بعد صدور قرار من الكونغرس بتعويضه عن تكلفة السفر والمفاوضات بمنحة تقدر بـ٣٠,٠٠٠ دولار. هكذا حال السعودية الآن مثل حال المشتري لولاية لويزيانا، الولايات المتحدة، تراكمٌ مهول لديون وكله من أجل شراء هاتين الجزيرتين التي حسب بعض التسريبات حصلت مصر في مقابل التنازل عنهما على ١٦ مليار دولار. تحاول السعودية الخروج من هذا المشهد بهيمنة جديدة بناءً على هذا الانتصار لكي تغطي على أي صراعات داخلية في أروقة بلاط آل سعود.
بالرغم من «أعمال العنف» التي بدأت بعد عملية «شراء» لويزيانا، كما يقال في كتب التاريخ الأميركية زوراً من دون ذكر المذابح التي أقيمت «للسيطرة» على سكان لويزيانا الأصليين بدلاً من القول إنهم أبيدوا، فإن أهم مفارقة في تأريخ معاهدة «بيع» لويزيانا تكمن في من استفاد في السر من هذه المعاهدة. قد تبدوا أميركا منذ القرن التاسع عشر «عملاقة»، كما يصور السفير علاء الحديدي، إلا أن حقيقة الأمر هي العكس تماماً. فأميركا استدانت وحاربت حرباً شرسة من أجل السيطرة على ولاية لويزيانا في حرب دامية مع السكان الأصليين الذين لم يستسلموا حتى أبيدوا. لم يكن في القرن التاسع عشر هناك «أميركا» كما نعرفها اليوم نظرياً على أنها قوة لا يُستهان بها، بل ولادتها ونشأتها بدأت في تجمعات إرسالية مستوطنة صغيرة تعمل بموجب بلدها الأم في إنكلترا. كان هذا الكيان الصغير في شمال أميركا يعمل بشكل دؤوب كي يولد وبأي ثمن وإن كلفه جيشاً من البشر، أو عبيد سود أو حتى سفك دم أمة بريئة كاملة مثلما حصل مع السكان الأصليين لأميركا الشمالية. برغم أن هذا الكيان ولِد من رحم السلطة الإمبريالية البريطانية، إلا أنه لم يتحوّل إلى دولة إلا عندما استعمر لويزيانا ــ نصف ما أصبح الولايات المتحدة لاحقاً ــ وسمى نفسه «الولايات المتحدة». لعل هذا هو الدرس الذي لم يلتفت إليه السفير علاء الحديدي: الكيانات الاستعمارية هي التي تستفيد دوماً من عمليات بيع و شراء الأراضي، إن كانت ألاسكا أو لويزيانا. بل نعت تلك العمليات بعمليات بيع وشراء في سلع ــ وأي سلع، أرض قامت من أجلها حروب وسفكت من أجلها دماء ــ يمحو عنها بُعدها الاستعماري. ليس هناك أرض تباع وتشترى، بل هناك حكم القوي على الضعيف. وفي صفقة جزر تيران وصنافير لعبت السعودية ومصر دوريهما ببراعة من دون أن يظهر ذلك المستعمر أبداً، إلا من خلال صحافي مغمور يكتب في عمود رأي في الصحيفة الصهيونية «هآرتس» يدعى أمير أورين، الذي تفوه بما لم يقدر أن يقوله أي مسؤول صهيوني في العلن وهو أن «صفقة تبادل جزيرتي تيران وصنافير من مصر للسعودية ــ لا فرق إن كان الأمر «إعادة» أو تأجيراً ــ هو أمر جيّد لكونه نوعاً من سابقة (على الرغم من أنها ليست السابقة الأولى)».
*كاتب مصري