في آذار 2012 ارتفع سعر الدولار مقابل الليرة السورية متجاوزاً الـ95 ليرة سورية وهي ضعف ما كانت عليه في أوائل عام 2010 حين كان الدولار يساوي 47.5 ليرة، أي أن الدولار ارتفع في ذلك الحين في قفزة استثنائية في تاريخ العملات بنسبة 100%!.


لقد تبخر في ذلك اليوم نصف مدخرات السوريين. لم يعِ الكثير من الناس (بمن فيهم أعضاء الفريق الاقتصادي القائم على إدارة اقتصاد البلاد) أهمية ونتائج الحدث الذي قصم ظهر العملة. وتماماً كما يحصل حين يقع الزلزال، الهزة الأولى هي الأقوى وهي ذات الأثر التدميري الأسوأ أما ما يأتي بعدها فيكون بمثابة هزات ارتدادية لا تكون مطلقاً بالقوة والخطورة نفسها.
فبينما أدّت الخمسين ليرة الأولى التي ارتفع فيها الدولار أمام الليرة لخسارتها 50% من قيمتها الأصلية فإن الخمسين الثانية أخسرتها فقط 16,6% بينما الخمسون الثالثة أخسرتها 8,4%، وأما الرابعة فستخسرها 5% من قيمتها. وطبعاً قام البنك المركزي بمواجهة الموضوع متبعاً سياسة business as usual أي كأن أمراً لم يكن. ثم بعد فترة قصيرة، وبعد أن ثبت أن التصريحات والمداورات والمراوغات ونشر الشائعات لم تنفع، ولم يعد بالإمكان متابعة سياسة طمر رأس النعامة، عمد الفريق الاقتصادي الحاكم إلى سياسة جديدة، وهي التسهيل الكمي أو quantative easing أي طباعة العملات وضخ السيولة وإغراق الأسواق بالأوراق النقدية الفاقدة القيمة لينشأ لدينا حالة مشابهة لحالة الخطوط المتوازية في الهندسة - لا يلتقيان- أحدهما يعبّر عن «السعر الرسمي» والآخر عن السعر الحقيقي في «السوق السوداء».


تبخّر في يوم
واحد عام 2012 نصف مدخرات السوريين

لإدراك مدى سوء الأوضاع نعود إلى تقرير للبنك الدولي حمل عنوان «مينا ايكونوميك مونيتور» يقول فيه إن احتياطي المصرف السوري من العملات الأجنبية قد بلغ اليوم حدود الانهيار متراجعاً من 20 مليار دولار عشية الأزمة إلى نحو 700 مليون دولار (مع احتياطي من الذهب يبلغ حوالى 25 طن تم تسييل أغلبه عن طريق عمليات التدخل الإيجابي وطرح كميات دولارية في أوقات معينة للبنك المركزي عبر شركات الصرافة). مع بلوغ سعر الصرف أرقاماً قياسية حيث يتجاوز 462 ليرة بحسب بيانات بورصة دمشق أما في السوق السوداء فيتراوح بين 525 و550 ليرة للدولار الواحد، «هذا معناه بوضوح أن الاحتياطي قد جف» كما قال الخبير الاقتصادي جهاد اليازجي لوكالة «فرانس برس». كل ذلك في ظل ارتفاع العجز في الميزانية ليبلغ حوالى 20% من إجمالي الناتج المحلي الذي يتراجع بمعدلات سنوية بلغت في 2015 نسبة 19%. بعد أن قمنا بقراءة في الأرقام لا بد من إجراء محاولة في قراءة الأسباب.
تعتمد الحكومات عادة واحدة من الطريقتين لضبط أسعار عملاتها، إما عن طريق تحديد أسعار الفائدة فيتمّ تحديد السعر التوازني لليرة بما يزيد عن معدل التضخم بنسبة 2 إلى 3% من بين أمور أخرى. وفي الحالة السورية نجد أن سعر الفائدة مثبّت نسبياً عند حدود 10%، في حين أنّ معدلات التضخم خلال السنوات الخمس السابقة تتحرك ضمن متوسط يتجاوز 100%، فأبقى المركزي على أسعار الفائدة ثابتة نسبياً بينما حلّقت الأسعار وتحقق الركود العميق في الاقتصاد.
أما الطريقة الثانية في ضبط أسعار العملات فهي التحكم باحتياطيات البنوك أي تحديد الاحتياطي الأدنى الذي يجب على البنوك امتلاكه لتقوم بالإقراض، وهو ما يسمى بـ«الاحتياطي الإلزامي»، وقد قامت الحكومة السورية بتحديد احتياطي إلزامي بالغ الانخفاض (حوالى 5%) وهي نسبة قليلة أعطت المجال للبنوك في التوسع بالإقراض الرخيص (المنخفض الفائدة على البنك والمقترض) مما أدى إلى ارتفاع جنوني في معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة في ظل طوفان ازدياد المعروض النقدي الحاصل.
خلال هذا الوضع تصبح تدخلات «المركزي» السخية ذات آثار محدودة ووقتية تلبي حاجات السوق لأيام قليلة ثم سرعان ما تعود الأسعار إلى الارتفاع لأن أسباب وجذور تدهور العملة المحلية لا زالت قائمة.
السياسات المالية وظروف الحرب وتجار الأزمات، كل ذلك يساهم بشكل يومي في تغذية الانهيار الداخلي للاقتصاد السوري عموماً وانهيار العملة المحلية خصوصاً التي فقدت حتى الآن ما يقارب 90% من قيمتهاً. لكن الأسوأ لم يأت بعد، إذ من المتوقع أن الليرة السورية ستواجه أيضاًَ انهياراً حاداً بمجرد أن يلوح أي حل للأزمة السورية. فعودة المهجرين إلى مناطقهم التي تركوها سيسبب ازدياداً استثنائياً على طلب الحاجيات الأساسية، بما فيها الاحتياجات المتعلقة بالطعام والشراب التي لا تنتج محلياً اليوم ولا بأي شكل من الأشكال بفعل البنية التحتية المدمرة بشكل شبه كامل، فأن ذلك سيؤدي إلى ضرورة استيرادها بالدولار في ظل خزائن الدولة الشبه فارغة، وهو ما سيدفع بالعملة السورية إلى مزيد من الانتكاس... وليصبح سيناريو التعويم اللبناني والعراقي شبه حتمي.
إن تشظي البلاد وتوقف معظم حركة الإنتاج بسبب التدمير الواسع للمدن الصناعية في حلب وريف دمشق وحرق المحاصيل الزراعية وانخفاض إنتاج النفط من نصف مليون برميل يومياً إلى 17 ألف برميل، والكهرباء التي كانت تصدر إلى لبنان واليوم تعاني من العوز الشديد... كل ذلك يشير إلى حركة تقلص الصادرات الوطنية بشكل كبير سيؤثر على مدى عقد أو أكثر (بافتراض حل سريع للأزمة في البلاد) على حجم الإيرادات من القطع الأجنبي وقيمة الليرة السورية التي تعاني من ضربة عميقة الأثر ستستمر حتماً لأجيال.
* كاتب سوري