فاز دونالد ترامب. تفاجأ كثيرون واحتج أميركيّون بطريقة غير مسبوقة وقرع الزعماء الأوروبيون جرس الإنذار. يريد البعض أن تقوم الدنيا ولا تقعد، علماً بأن ترامب لم يأتِ بانقلابٍ أو بانتخابات مزورة. هو ابن شرعي للنظام العالمي، وهو نتيجة لأزمة قائمة وليس سبباً لأزمة قادمة.


قد يكون الاحتجاج ضرورياً من باب تحذيره من مغبَة اتخاذ قرارات متطرفة، لكن ليس اعتراضاً على نتيجة انتخابات في دولة تعتبر نفسها وصية على الديموقراطية في العالم. في نهاية الأمر، الأفضل أن يتم التعاطي معه على أساس ما سيتخذ من مواقف كرئيس وليس كمرشّح. الدعاية الانتخابية شيء والرئاسة الفعلية شيء آخر. هذا عدا عن أن معتقدات وقناعات الرئيس، على الرغم من أهميتها، تبقى أضعف من ضروريات الحكم واستمراره. فسياسة الرئيس الأميركي هي مُحصِّلة تفاعل مراكز القوى في الولايات المتحدة.


تعكس قرارات الرئيس معادلة مراكز القوى الأميركية وليس
القناعات الشخصية
هذا ما حصل مع الرئيس هاري ترومان* بالنسبة إلى قرار تقسيم فلسطين.
«يدَّعي اليهود أن الله سبحانه وتعالى قد اختارهم لميزة خاصة بهم. أنا متأكّد أن حُكمَهُ أفضل من ذلك. في الحقيقة إني لا أعتقد أن الله قد اختار أي مجموعة لتكون مفضّلة لديه». هذا الرأي لترومان وهو «كان يريد أفضل الظروف لليهود في كل مكان لكنه يعترض على قيام دولة دينية سواءً كانت كاثوليكية أو يهودية. وكان يرفض أي صيغة تلحق الضرر بالسكان العرب أو يمكن أن تؤدي إلى حرب وإراقة الدماء». (هذه المقتطفات واللاحقة منها اقتبستها من كتاب جون جوديس بالإنجليزية «التكوين: ترومان، اليهود الأميركيون، وأسس الصراع العربي الإسرائيلي»).
لذلك، كان ترومان يمتعض كثيراً من الضغوطات الصهيونية ويحاول التملّص منها فيُحيل الأمر لوزارة الخارجية، وقد كان طاقمها غير مؤيّد لقيام دولة يهودية ولا حتى لهجرة يهودية كثيفة إلى فلسطين. تعبيراً عن انزعاجه هذا، قال في إحدى المرّات: «لم يستطع المسيح، عندما كان على الأرض، أن يرضيهم، فكيف يمكن لأحد أن يتوقّع أن يكون لي أي حظ في ذلك؟». لكنه ولأسباب، معظمها انتخابية، وفي لحظات حاسمة كان يرضخ لهذه الضغوطات ويلبي الطلبات الصهيونية حتى من دون الرجوع إلى وزارة الخارجية والتشاور معها. حصل هذا عندما أصدر تصريحاً، في سنة 1946، بمناسبة يوم «كيبور» اليهودي (عيد الغفران) يعبّر فيه عن «اهتمامه العميق... أن تُتَّخذ خطوات بأسرع وقت ممكن للسماح بهجرة 100 ألف يهودي الى فلسطين»، داعياً بذلك بريطانيا لرفع القيود التي وضعتها على هجرة اليهود إلى فلسطين بموجب الكتاب الأبيض. تبريراً لخضوعه قال: «عليَّ أن أعطي أجوبة لمئات الآلاف من الذين يتطلّعون لنجاح الصهيونية وليس لدي مئات الآلاف من الناخبين العرب».
لعدم قدرته على الإمساك بالقرار الأميركي بشأن الوضع في فلسطين، كان ترومان «يشعر بالقرف عند التعاطي مع كل ما يتعلّق بفلسطين». وكان دائماً يتمنى أن تقوم، بالنيابة عنه، جهات أخرى مثل الأمم المتحدة باتخاذ القرار الصائب الذي يتمنّاه لكن من دون أن يتدخّل تحاشياً للضغوطات الصهيونية. حصل ذلك عند تأليف لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين التي أُنشأت في 15 أيار 1947 لرفع اقتراح حل للوضع في فلسطين.
لكن اللجنة لم تكن بدورها خارج نطاق التأثير والضغط الصهيوني، لذلك كانت توصيتها بتقسم فلسطين إلى دولتين، يهودية وعربية مع وضع القدس تحت وصاية الأمم المتحدة. واقترحت 55% من فلسطين للدولة اليهودية، ويسكن في هذا القسم 498000 يهودياً و497000 عربياً. أما الدولة العربية فحصتها 40% يسكن فيها 725000 عربي و10000 يهودي.
لسنا بحاجة إلى خبراء لنعرف أن هذا القرار ما هو إلا تشريع دولي لتأسيس الدولة اليهودية وهو أبعد ما يكون عن أداة لإرساء سلام في فلسطين. وهنا لا أتحدث عن حقوق الشعب الفلسطيني المغيَّبة كلِّياً، وإنما عن مسعى السلام الذي يدّعيه «المجتمع الدولي». يكفي أن نسأل: كيف يمكن إقامة دولة يهودية ونصف سكانها عرب؟ الجواب الحتمي: تهجير العرب، أي تطهير عرقي وحرب طويلة.
هذا ما كان قسم الخارجية في الولايات المتحدة يعيه، لذلك تم تأليف لجنة مختصة لرفع مقترح لتعديل التقسيم في محاولة لرفع بعض «الغبن» اللاحق بالعرب سواءً من ناحية المساحات أو نوعية الأراضي لكل طرف. لكن أمام الضغط الصهيوني الذي قال عنه ترومان إنه لم يشهد ضغطاً على البيت الأبيض أشد منه، ولضيق الوقت وانشغاله بالحملة الانتخابية أعطى الرئيس تعليماته للموافقة على مشروع التقسيم كما هو في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني. حصل ما كان متوقعاً. اشتدت حدة الصراع في فلسطين وبدأت العصابات الصهيونية بتنفيذ سياسة التطهير العرقي. مع تدهور الأوضاع في فلسطين ازدادت قناعة قسم الخارجية في البيت الأبيض بعدم صلاحية قرار التقسيم وطالب البعض بأن على الولايات المتحدة «أن لا تأخذ لاحقاً أي مبادرات بخصوص تنفيذ التقسيم أو داعمة له»، لاقى هذا الموقف دعماً في قسمَيْ الخارجية والدفاع.
كانت المشكلة في فلسطين كابوساً يدك مضاجع ترومان الذي كان يشعر بأنه عديم الحيلة أمامها، وكانت تُخرجه عن طوره فردّدَ أمام أحد ناشري الصحف والتوتر ظاهر عليه: «تبَّاً لهذا وذاك وللآخرين، تبّاً للروس، تُبّاً للبريطانيين، تبّاً لليهود».
أمام تدهور الوضع في فلسطين حاولت الإدارة الأميركية تدارك الأمر وتم تداول اقتراحين. الأول: إنشاء قوة دولية لفرض التقسيم بحسب قرار الأمم المتحدة لضمان وقف القتال وإقامة الدولتين. والثاني: «وصاية مؤقتة للأمم المتحدة على فلسطين من أجل إقامة السلام ومنح يهود وعرب فلسطين فرصة في المستقبل للاتفاق على حكم البلاد».
كان الخيار الثاني محبّذاً لدى وزير الخارجية مارشال وطاقمه، ولاقى استحساناً لدى ترومان. ما إن علم الصهيونيّون بذلك حتى ثارت ثائرتهم وشنوا حملة ضغط غير مسبوقة لدرجة أنهم هددوا بأن اليهود في فلسطين سيطلقون الرصاص على الجنود الأميركيين إن حاولوا فرض انتداب جديد على فلسطين.
كما في السابق، وجد ترومان نفسه مضطراً لوضع قناعاته الشخصية جانباً مفضلاً الرضوخ للابتزاز الصهيوني. ترك الأمور تجري على عواهنها وكان السبّاق في الاعتراف بإسرائيل لحظة إعلانها.
هكذا يحكم الرئيس في الولايات المتحدة. قراراته تعكس معادلة مراكز القوى الأميركية وليس القناعات الشخصية التي تبقى هامشية بالنسبة إلى القضايا الكبرى. ترومان لم يكن استثناءً وترامب لن يكون.
* كاتب وباحث فلسطيني