«كلّ غرضٍ يتمّ انتاجه على وجه الأرض موجودٌ هنا. تحمل العربات بضائع لا تحصى الى الأسواق، حيث كلّ شيءٍ متوافر ورخيص. الأقمشة المزركشة، الحرير المطرّز، اللؤلؤ والأحجار الثمينة معروضةٌ في كلّ أرجاء السوق ومتاجره»

دو هوان ــــ عالمٌ صيني ساهم في بناء بغداد يصف العاصمة العبّاسية

يُحاجج مؤرّخ الفنّ والعمارة الإسلامية جوناثان بلوم بأنّ الإسم الأدقّ لـ»طريق الحرير» يجب أن يكون «طريق الورق»، نظراً للتحوّلات الثقافية الكبرى التي أدخلها انتشار الورق من الصين الى أرجاء آسيا، ومن بعدها اوروبا (كلام بلوم هو من دراسةٍ ممتعة عن اعتماد الورق المخطّط ــــ اي المقسّم الى مربّعات ــــ في الخرائط والرسوم الهندسية الإسلامية، إذ يبدو أنّ المعماريين العرب لم يكونوا يرسمون تصاميم مسبقة لأعمالهم قبل أن يباشروا ببنائها، حتى فترةٍ متأخرة نسبياً في القرن الخامس عشر).

بدأ المسلمون باستخدام الورق الذي اكتشفوه، إثر فتحهم لوسط آسيا، في القرن الثامن حين صعدت الامبراطورية الإسلامية وبيروقراطيتها وأصبحت هناك حاجةٌ للتدوين والأرشفة. كان العرب قبل ذلك يعتمدون الكتابة على الرقع الجلدية أو أوراق البردى، ولكنّ الورق الصيني ــــ وهو أكثر عمليّة وأرخص بما لا يُقاس من البدائل ــــ تحوّل بسرعة الى سلعة استراتيجية، أصرّت الدولة العبّاسية على توطين صناعته، فتمّ انشاء عددٍ كبير من مطاحن الورق خلال فترة قصيرة من القرن التاسع، «من سمرقند الى بغداد ودمشق والقاهرة وفاس وقرطبة»، ثمّ انتقلت هذه التقنية الى اوروبا المسيحية في القرن الثالث عشر (في الصين، قبل استخدام الورق للكتابة، كانت الرسائل والأوامر الرسمية تدوّن على ألواح خشبٍ مربّعة، تضمّ الى بعضها ككدسةٍ بشريط أو حبلٍ، مثل الكتاب، وتشكّل حين تُقرأ بالترتيب رسالة مفهومة. المنقّبون يجدون اليوم الكثير من هذه الألواح، ولكنّ المشكلة هي أن الخيوط التي كانت تربطها وترتّبها قد زالت، فأضحى من الصعب والمُجهد إعادة جمع هذه «الشذرات» وفهم مضمونها). هذه العملية ــــ تبادل منتجٍ أو ابتكار مع مكانٍ قصيّ ثمّ توطينه، ثمّ انتاج نسخات محلية عنه، تغيّره وتبدّل الثقافة في آن ــــ تختصر قصة حياة ما صار يسمى بـ»طريق الحرير».

الطريق البوذي

جوناثان بلوم، كالكثير من الباحثين، يقسّم «طريق الحرير» (وهو دينامية تبادل، وليس «طريقاً» بالمعنى الحرفي للكلمة) الى ثلاثة طرق: الطريق البوذي، الطريق المغولي، وطريق البحر المتوسّط؛ والعالم الإسلامي يقع تماماًً في المنتصف بين الطريقين الأخيرين. من المثير أن نعرف أنّ طريق الحرير أدّى بمعنى ما الى تحوّل الدّيانة البوذيّة نفسها، مثلما بنت البوذية شبكات الحجّ والأديرة التي رسمت درباً تجارياً من الهند الى الصين مروراً بأفغانستان ووسط آسيا.
يكتب المؤرخ الصيني ليو أنّ البوذية «الأصلية» التي انتشرت في الهند الزراعية كانت تعتمد على مفهوم الـ»نيرفانا» التقمّصية، ومختصر تعاليمها أن مشاكل الحياة سببها الرغبات، وطريق التنوير يمرّ عبر التخلّي عنها والزّهد الفائق، وأنّ بوذا كان رجلاً عاديّاً، لكنّه تنوّر وارتقى بالتدريج وتخفّف من أحمال الدنيا حتّى «اختفى». حين أراد الحكّام والكهنة نشر البوذيّة خارج الهند، وجدوا أنّ مفهوم الـ»نيرفانا» لن يجد صدىً في مجتمعات آسيوية ليست معتادة ــــ كالهنود ــــ على مفهوم التقمّص، ولا تجد شيئاً جذاباً في أن تجري إعادة ولادتك باستمرار ــــ مرّة على صورة انسان ومرّة على صورة نعجة ــــ بحثاً عن التنوير. كما أن جيران الهنود أقوامٌ معتادون على الآلهة والطّقوس الفخمة، ولن يفهموا بوذا الّا كإله. من هنا نشأت نسخة محدثة عن البوذية، هي مدرسة الـ»ماهايانا» (الوسيلة، أو الواسطة)، مع نصوص دينية جديدة لا تحثّ المؤمنين على حياة الفقر والجوع، والشحاذة في الشوارع كأتباع بوذا الأوائل، بل تبشّرهم بآلهة «وسيطة»، هم كيانات متنوّرة مثل بوذا، ولكنّهم بدلاً من الارتقاء الى الـ»نيرفانا» قرّروا أن يظلّوا في عالمنا وأن يساعدوا البشر في حياتهم البائسة (بهذا المعنى، هم قادرون على تقديم خدمات «عملية» لك، من نوع انقاذ سفينتك في إعصار أو حماية تجارتك من الغشّ والكساد). الأديرة تبنى لهذه الآلهة وأنت، حين تتبرع لها، تضمن رضاها وخدماتها؛ وحين تموت، فلا حاجة لدورة التقمّص اللامتناهية، بل يمكنك أن تقضي مرحلة التنوير في واحدةٍ من «جنّاتٍ» متعدّدة، في نعيمٍ ووفرة، قبل أن تصل الى الـ»نيرفانا» وترتقي.
أصبحت الأديرة البوذية ثريّة ومهيبة، تتلقّى تبرّعاتٍ سخية وتساهم بدورها في حلقة التجارة وإيواء المسافرين. بحلول القرن الثاني للميلاد، كانت هذه المؤسسات تشبه حبلاً ممتداً يلتفّ من حدود الهند الغربية الى قلب الصين. تماثيل بوذا الضخمة في باميان بأفغانستان، مثلاً، كانت بمثابة منارةٍ تعلن لقوافل التجار القادمين من الهند، على مدى قرون، بأنهم قد وصلوا الى الطرف الغربي من طريق الحرير، وقد أنهوا العبور الخطر للجبال، وأصبح عليهم الالتفاف شمالاً صوب آسيا الوسطى وبعدها يدخلون الصين.

طريق في اتّجاهين

إن كان الرهبان البوذيون قد نشروا الورق في جنوب آسيا ووسطها، واحتكّ بهم المسلمون وأخذوا عنهم معارفهم، فإنّ تجارة الحرير لم تكن أقلّ أهميّة. رغم أنّ الصينيين قد سيطروا على انتاج الحرير لفترة طويلة، حتى بعد أن انتشرت تربية دود القز خارج بلادهم، الّا أنّ صناعة نسج الحرير وتحويله الى سلع أخذت سبلاً لا يمكن توقّعها. الكثير من الحرير الصيني، مثلاً، كان يتمّ تصديره على شكل لفائف وخيوط، ليتمّ نسجها في الخارج عبر فنّانين مهرة، ثم يُعاد استيراد هذه الملابس والمنسوجات الى الصّين لحساب النبلاء والأثرياء. الايرانيّون مثلاً، وهم كانوا معروفين بمهارتهم في نسج الصوف والقطن وابتكار التصاميم البارعة، طبّقوا معرفتهم هذه على خيوط الحرير، فأصبحت التصاميم والرموز الساسانية المميزة (كطائر السيمورغ أو الحيوانات البرية) من البضائع المطلوبة في كلّ أرجاء آسيا (يُلاحظ أنّ المنقبين لم يجدوا منتجاً حريرياً ساسانياً واحداً داخل حدود ايران، فقد كان شغل الحرير ذاك كلّه للتصدير).
الأرجوان هو مثالٌ آخر على هذا التشابك الثقافي. يتمّ استخراج صباغ الأرجوان من صدفة بحرية خاصّة قبالة مدينة صور منذ قرونٍ طويلة، ويكتب ليو أنّ صباغ الأرجوان، لأنه من مكوّن بروتينيّ، يلتصق بشكلٍ ممتازٍ بالأقمشة المكوّنة ايضاً من بروتين، ويظلّ لونه عليها الى الأبد. حين وصل الحرير الى المنطقة، طبّق البيزنطيّون تقنية الصباغ الأرجواني عليه. أنت تحتاج الى كميات هائلة من الأصداف لإنتاج قدرٍ بسيطٍ من الصباغ، يقول المؤرخون، فهو باهظ الثمن؛ ولأن الحرير كان نادراً وغالياً ايضاً، أصبح اقتناء رداءٍ أرجواني من أثمن الأمور التي يمكن أن تشتريها في العالم القديم. لهذا السبب أصبح الحرير الأرجواني لباس الملوك وكبار الكهنة، من بيزنطية الى الصّين، ومنع على النّاس العاديين لبس الحرير الأرجواني تحت طائلة الموت. أصرّت الدولة البيزنطية على احتكار صناعة الأرجوان وحصره في مشاغل الدولة والتحكّم ببيعه وتصديره الى درجة أنّ سرّ الصّباغ قد ضاع نهائياً بعد سقوط القسطنطينية، ولم يواصل أحدٌ انتاجه.

الصين في بغداد

في بغداد العبّاسية كان قلب طريق الحرير ومصبّه. وقد بنيت عشرات المشاغل في المدينة لنسج الحرير، وأتقن المسلمون زراعته ــــ التي انتشرت من ايران الى شمال افريقيا. كان لدور الحكومات دوماً أثرٌ أساسي على طبيعة ووتيرة التبادل في آسيا. البيزنطيون، مثلاً، كانوا يحرصون على حصر انتاج الحرير بالدولة، وفي مراحل مختلفة في الصين، ايضاً، كانت العديد من المنتوجات الحريرية (كالثياب الفخمة التي يرتديها زعماء القبائل البدوية والملوك) ممنوعٌ نسجها الا تحت رقابة الدولة. أمّا في بغداد، فقد اعتمد العبّاسيون نظاماً «منفتحاً»، سمح بانتشار الصناعة وتطوّرها ـــــ ومجيء فنانين مهرة من الصين والهند وايران ليعملوا على أنولة بغداد ــــ مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على النّوعية وقيمة الانتاج. نظام «الطراز» (وهو كلمة فارسية الأصل) كان يعني أنّ على كلّ مشغل حريرٍ أن يضيف «طرازاً» ــــ أي هامشاً على حدود قطعة النسيج ــــ يحتوي، إضافة الى البسملة وأقوالٍ دينية، اسم المشغل، والخليفة، والسنة التي صُنع فيها المنسوج. هكذا أصبح بالإمكان ردّ البضائع الى أصلها ومنع التزييف، فأصبحت منسوجات «الطراز» موثوقة ومنتشرة، ومطلوبةً بشكلٍ خاص في اوروبا (ولهذا السبب نجد مطرّزات مسيحية من القرون الوسطى حولها آيات قرآنية، فالكنائس كانت تشتري الحرير قماشاً أبيضاً أو بتصاميم عربيّة، ثم تطرّز فوقها صور القديسين بالخيط والإبرة).
هذا النّظام للتبادل والسفر، كما نعلم، قد اندثر منذ زمنٍ بعيد. قصّة «طريق الحرير» لا تعلّمنا عن التّاريخ فحسب، وعن أصولنا الآسيوية، وعن صلاتٍ حضارية لم تعد موجودة، بل هي تعلّمنا ايضاً أن الخيار المطروح هو ليس بين «العولمة» و»الإنعزال»، بل إنّ هناك أشكالاً مختلفة من «العولمة» عرفها التاريخ، لم تكن كلّها على مثال الغزو البحري الأوروبي الّذي وحّد الكوكب بالقوّة ابتداءً من القرن السادس عشر. بالمعنى نفسه، فإنّ ماضي الهيمنة الأوروبية القريب قد جعلنا، وإن بشكلٍ غير واعٍ، نقصر قصّتنا مع العالم على علاقتنا بالغرب (حتى السرديات القومية التي نشأت في بلادنا تجهد للتركيز على تمازجنا مع اوروبا وطابعنا «المتوسطي»، والبحّارالذي ييمّم وجهه للغرب ــــ كما تقول أغنية قومية لبنانية شهيرة)، فننسى هكذا «وجهنا الآسيوي»، وجزءاً لا غنى عنه من ماضينا ومستقبلنا (يتبع).