تعاني المرأة المسلمة المعاصرة الكثير من المشاكل والتحدّيات، ربما أكثر من أيّ من نظيراتها حول العالم. وتنقسم هذه المشاكل إلى قسمين، داخلي بفعل تعاطي التشريعات والمجتمعات والمؤسسات المحلّية (أي في الدول ذات الغالبية المسلمة)، وخارجي بفعل التنميط الذي يُمارس في الدول الغربيّة والمؤسّسات فيها أو التي تستوحي أفكارها منها.


والجمعيّات والمؤسّسات النسويّة (الغربيّة والمحلّية) هي أكثر الإشكاليّات الخارجيّة على تماس مع المرأة المسلمة. فهذه الجمعيّات تُعنى أساساً بالمرأة وتحصيل حقوقها، ولكن، ولأسباب عدة، تخلق هذه الجمعيّات الكثير من الإشكاليّات للمرأة المسلمة عوض تقديم حلول للمشاكل التي تواجهها.
وحتى الآن لم تتمكن هذه الجمعيّات، من جهة، والمجتمعات المسلمة، من جهة أخرى، من استيعاب مكمن الخلل الذي يحكم العلاقة بينهما. فبينما ترمي الجمعيّات النسوية المجتمعات المحلّية بمصطلحات كالبطريركيّة والذكوريّة، تتهّمها هذه المجتمعات، المحافظة شكلاً، بالنسخ الأعمى لنظريّات الغرب.
ولتقديم تقييم موضوعيّ لأسباب الخلل لا بدّ من فهم مسار وأسباب تكوّن الحركة النسويّة على مدى القرنين الماضيين، وفهم خصوصية علاقة هذه الحركة بالمجتمع الشرقيّ منذ منتصف القرن التاسع عشر.


الموجات الثلاث

عادة ما يُقسّم الباحثون الحركة النسويّة إلى ثلاث مراحل متتابعة زمنيّاً تُسمّى الموجات النسويّة. الموجة الأولى تمتد من منتصف القرن التاسع عشر حتى انتصاف القرن العشرين. تقول إستيل فريدمان، في كتابها «لا رجوع للخلف: تاريخ الحركة النسويّة ومستقبل المرأة»، إن هذه الموجة ربطت، في القرن التاسع عشر، «سلطة المرأة» بالأمومة. ولكن مع بدايات القرن العشرين رُبطت «سلطة المرأة» بمبدأ الهويّة الإنسانيّة المشتركة بين المرأة والرجل، ما يخوّلها الحصول على حقوق متساوية معه. هذه النقلة حوّلت الحركة النسويّة في الموجة الأولى إلى هويّة سياسيّة تهدف إلى المطالبة بالحق بالتصويت عبر الخروج إلى الحيّز العام في حراكات مطلبيّة.
وتضيف فريدمان أنّ النقلة النوعيّة التالية كانت في ستينيات القرن الماضي، التي شهدت انطلاق الموجة الثانية. فاضطرابات ذلك العقد الاجتماعيّة في الغرب، ساهمت بتوسيع أجندات الحركات النسويّة لتتعدّى مجرد المطالبة بالمساواة الاقتصادية والسياسيّة إلى طرح شعار أكبر وهو «تحرير المرأة». فأُضيف مطلب الحق في السيطرة على عملية الإنجاب، وبدأ الحديث عن المساواة في العمل والأفضلية التي يجب أن تحصل عليها المرأة في العلاقات الشخصيّة بسبب الاختلاف في الأدوار، بين الرجل والمرأة، في عمليّة الإنجاب. وضمن هذه النظريّات، بدأ الحديث عن أنّ سبب وجود فكرة «الذكر والأنثى» يعود إلى العادات والممارسات الاجتماعيّة، وليس إلى الاختلاف البيولوجيّ. وهنا يمكن رصد بداية استعمال مصطلح جندر (Gender) بدلاً من جنس (Sex).


التشابه بين نظرة النسويّة الغربية والمستعمر إلى المرأة الشرقيّة ما هو إلا موقع ذكوريّ


أمّا الموجة الثالثة، فقد بدأت مع نهايات ثمانينيّات القرن الماضي. يصعب على الباحثين، في الوقت الراهن، تلخيص توجّهات الموجة الثالثة بسبب قرب المسافة الزمنية والإسهام الأدبي والبحثي المستمر في صياغتها. والواضح مما تصفه فريدمان عن مميّزات الحراك النسويّ في هذه الفترة، هو غياب العناوين الجديدة والتركيز على المطالبة الجزئيّة للتوسّع في تحقيق مطالب الموجة الثانية، بالإضافة إلى ظهور حركات «النسويّات ذوات الألوان» (أي من هنّ من إثنيّات ليست بيضاء) وحركات عالم ما بعد الاستعمار (أي نسويّات المستعمرات السابقة). وبينما ترسم فريدمان صورة ورديّة عن هذه الموجة، توصّف جينيفر ريد، في مقالة ضمن كتاب «أجندة الموجة الثالثة: أن تكوني نسويّة، أن تقومي بما هو نسويّ»، الموجة الثالثة بأنّها البحث في تعقيد الإنتاج الثقافيّ وغموضه ورفض الليبيراليّة الإنسانيّة الفريدة، وبالتالي ضرورة البدء من إنكار وجود مجتمع مثاليّ وضرورة التعامل مع التشظّي الهويّاتي والمؤسّساتيّ. في المقابل تركّز أستريد هنري، في كتابها «ليست أخت أمي: صراع الأجيال والموجة النسويّة الثالثة»، على الجيل الجديد من النسويّات اللواتي وضعن أنفسهنّ ضد نسويّات الموجة الثانية. فتقول بأنّ الموجة الثالثة قد نقلت النقاشات والصراع إلى صراع «حرب الجنس» وتمكين المرأة من خلال حصولها على الحق بالمتعة الجنسية. وتضيف هنري أنّ أصحاب هذه النظريّات قد طغين في الإعلام على الحركات النسويّة «الملونة» والعالمثالثيّة.
ولا يمكن فهم هذا السياق الذي انتهى، حتى الآن، إلى ما سبق ذكره عن الموجة الثالثة، من دون البحث في نقطة المنشأ.


خط البداية

فبينما يختلف الباحثون في السبب الرئيسي خلف الموجة الأولى في القرن التاسع عشر، تركّز أغلبية صغيرة منهم على دخول المرأة إلى سوق العمل مع تشكّل عناصر النظام الرأسمالي إثر الثورة الصناعيّة. فتجزم فريدمان بأنّ دخول أنماط إنتاج جديدة على المجتمعات دفع بموضوع حقوق المرأة إلى الواجهة. وتضيف أنّ المجتمعات البطريركيّة لطالما وُجدت، ولم تدفع بالنساء إلى المطالبة بحقوقهنّ، ولكن حلول المصنع، بدلاً من الإنتاج اليدويّ المنزلي فاقم فارق الدخل بين الرجل والمرأة. هذا بالإضافة إلى أنّ الرأسماليّة أدخلت مفاهيم الحقوق الفرديّة والعْقد الاجتماعيّ في مقابل الأفكار القديمة التي تكرّس الحقوق الطبيعيّة والهرميّة السماويّة أو الدينيّة. كل هذا مضافاً إلى دخول المرأة إلى سوق العمل أعطيا المرأة الأدوات اللازمة للمطالبة بحقوقها.
على هذا الأساس يصعب الحديث عن أيّ حراك يهدف إلى تحصيل حقوق المرأة، أو على الأقل تحسين وتحصين وضعها، من دون توافر الأدوات المناسبة بين أيدي نساء المجتمع، أي من دون دخول المرأة سوق العمل وتحصيلها للدخل الذي يحقق ولو قدراً صغيراً من استقلالها الذي يعطيها هامشاً نضاليّاً.
من هنا لا يمكننا مناقشة وضع المرأة المسلمة من دون التدقيق في دورها، ومستوى دخلها، في سوق العمل في البلدان والمجتمعات ذات الأغلبيات المسلمة. ولأن لبنان من أكثر هذه الدول التي تدّعي «تحرير» المرأة، يمكن اتّخاذ وضع المرأة في سوق العمل فيه كمثال (لا كقياس).


المرأة اللبنانية وسوق العمل

تظهر دراسة عبدالله دحّ وصلاح أبو سدرة بعنوان «التمييز في الأجور بين الجنسين في لبنان: تقييم البيانات الحديثة»، المنشورة عام 2014، أنّ الفارق بين مستوى دخل المرأة والرجل في لبنان يتفاوت بحسب المراحل العمرية. فبينما يبلغ 28% ما بين 18 و25 عاماً، يرتفع الفارق إلى 44% ما بين 26 و33 عاماً، وينخفض إلى 34% ما فوق 34 عاماً.
وفي دراسة لمشروع «وضع المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» منشورة عام 2010، توضح البيانات أن 37% من النساء اللبنانيّات حظين بعمل ذي أجر في فترة الأسبوع السابقة (تنخفض النسبة مع ارتفاع سن المرأة). ومن هؤلاء 43% تعملن في قطاع التجارة والمبيع، و20% في قطاع الخدمات، و16% في التعليم، و6% في الصحة، و5% في قطاع الصناعة. والجدير ذكره أنّ القطاع الوحيد الذي يفوق وجود النساء فيه نسبة وجود الرجال، هو التجارة والمبيع، بينما النسب أقل في باقي القطاعات.
تُظهر هاتان الدراستان أن نسبة النساء العاملات في لبنان قليلة، وأنّ أولئك اللواتي يعملن يحظين بأجور أقلّ من أجور نظرائهنّ الرجال. كما تظهر عدم مساواة في سياسة التوظيف في القطاعات المختلفة، وغياب للمرأة عن قطاعات ذات دخل عال. ولكن في لبنان حالة خاصة تتعلّق بوضع المرأة السيئ في سوق العمل، وعادة لا تهتم الدراسات برصدها وتحليلها، وهي وضع المرأة المحجبة.
فباستثناء وظائف القطاع العام، تواجه المرأة المحجّبة التمييز في التوظيف في القطاعات كافة. تبدأ المشكلة في رفض معظم الشركات والمؤسّسات الخاصّة الكبرى (وهي معروفة بالاسم) توظيف المرأة المحجّبة، تحت عناوين واهية لا تمتّ إلى تقييم كفاءتها بصلة. الأمر الذي يحصر خيارات المرأة المحجّبة بعدد محدود من المؤسّسات الأكبر حجماً ذوات الطابع الدينيّ أو الدمغة الطائفيّة (وهذه بمعظمها مؤسّسات تشتهر برواتبها المنخفضة أو المتدنيّة نسبة إلى نظيراتها غير المحصورة الانتشار طائفيّاً)، أو بالمؤسّسات والشركات المتوسطة وصغيرة الحجم الموجودة في البيئات التي تتقبّل تدينهنّ، وهي مؤسسات ذوات رواتب منخفضة أيضاً.
ووضع المرأة المحجبة هذا ليس سرّاً، بل يكفي سؤال أيّ امرأة محجّبة، صاحبة اختصاص، عن أفق العمل لتحكي عن تجارب أكثر بشاعة من هذا التوصيف بكثير. ولكن بالرغم من شيوع خبر هذا التمييز الأكثر إجحافاً بحق المرأة في لبنان، لا نجد أنّ الجمعيّات النسويّة اللبنانيّة ترفع صوتاً، حتى ولو لمجرد الإشارة إلى الموضوع. علماً بأنّ مجرّد بداية الحديث عن تحرّر المرأة، يجب أن يقترن بالسعي لتأمين أدوات «النضال» سابقة الذكر. وهذه الأدوات كما يبدو أوْلى من المطالبة بمتفرّقات حقوق هنا وهناك.

ظلمٌ على ظلم

اللامبالاة والإهمال من قبل المجموعات النسويّة تجاه المرأة المحجّبة، تشرح السبب خلفهما مِيْدا ينوغلو، في كتابها «تخيّلات استعماريّة: نحو قراءة نسويّة للاستشراق». تعود ينوغلو في تحليلها إلى نظرة المستشرقين الأوائل (وهُم ذكور) إلى الحجاب. فالحجاب شكّل المانع بين نظر الغربيّ وجسد المرأة الشرقيّة، كما توضح كتابات مستشرقي القرن الثامن عشر التي تحدّثت عن «لغز» هذه المرأة وتخيّلات الرجل الغربيّ عمّا يخفيه الحجاب والأبواب الموصدة.
وتضيف ينوغلو أنّ هذا المانع شكّل، في العقل الباطن للمستشرق بُعدين، الأوّل بعد سياسيّ يتحدّى أطماعه الاستعماريّة. فالمرأة المحجبّة، في حينه، كانت لغزاً عليه أن «يخترقه»، وهي وحجابها ممثّلان «لجوهر الشرق» وأسراره المخفيّة، والمستعمر يجب أن يتمكّن من أن يرى كلّ ما يعتبر أنّه حقّه الاستعماريّ. والبعد الثاني بعد جنسيّ، فثنائيّة عدم القدرة على التنبؤ بماهية هذه المرأة وعدم القدرة على الوصول إليها، حرّكت انجذاباً جنسيّاً لدى الرجل المستشرق. وتستشهد ينوغلو على هذا باستعراض مجموعة من الأعمال الأدبيّة التي تتحدّث عن إغراء الشرق الجنسي، وبالأخصّ المرأة المحجّبة التي تخفي ما يشتهيه خيال الرجل المستشرق من أمور.
وتشرح الكاتبة أنّه نشأ مما سبق هوس أدبيّ بالحجاب برّره أولئك المستشرقون بسعيهم «لتحديث» و«تحرير» المرأة الشرقيّة من الطغيان الذي هو الحجاب والذي يشكّل «قناعاً» يحجب الذات الحقيقيّة للمرأة.
تنتقل ينوغلو فيما بعد إلى شرح نظرة الحركة النسويّة الغربيّة إلى المرأة الشرقيّة بشكل عام. فتقول إنّ هذه الحركة لا ترى سبيلاً إلى التحديث في الشرق إلّا في كسر العادات والتقاليد. وربطت هذه الحركات ما بين المرأة الشرقيّة والشرق وتقاليده، لتبقى المرأة الشرقيّة هي «جوهر الشرق» وممثّلة التقاليد والمثال الأكبر والأبرز على تأخّره الحضاري. وعليه تحوّل خلع الحجاب إلى السبيل إلى تحديث المرأة الشرقية وتالياً الشرق كلّه.
وفي نهاية كتابها تستنتج ينوغلو، أنّ هذا التشابه الكبير بين نظرة المرأة الغربيّة (من ضمنها جسم الحراك النسويّ) والرجل الغربي المستشرق/المستعمر إلى المرأة الشرقيّة، ما هو إلا موقع ذكوريّ تتخذه المرأة الغربيّة استكمالاً لسرديّات مصدرها مؤسّسات بطريركيّة الطابع. وهذا يضع الحركة النسويّة الغربيّة تحت خانة الدعم الإمبرياليّ والذكوريّ والتأثّر بهما.
العمل من الداخل إلى الخارج
شرح ينوغلو هذا يؤمّن تفسيراً، ولو كان قاسياً بعض الشيء، لنظرة الحراك النسويّ الغربيّ إلى المرأة الشرقيّة بشكل عام، وإلى المحجّبة بشكل خاص. ولسوء الحظّ فإنّ معظم الجمعيّات النسويّة العاملة في الشرق، وخصوصاً في لبنان مموّلة من منظّمات غربيّة، ما يضع أجنداتها وأهدافها ضمن سياق «النسويّة الغربيّة» (راجعوا مقالة «المنظمات النسوية النضال بتمويل دولي» المنشورة في جريدة الأخبار العدد 2994). وهذه «النسويّة الغربية لا ترى في المرأة المحجّبة إلا امرأة مقموعة يجب أن تتخلّص من سبب قمعها الأوّل، أي الحجاب، قبل وسمها بوسم المرأة والسعي لرفع الظلم عنها». هذه العلاقة الإشكالية بين المرأة المحجّبة والمنظّمات النسويّة تُعدّ تحدّياً كبيراً أمام المرأة المسلمة المعاصرة. فمن بديهيّات العصر أن تنظر النساء، في كل العالم، إلى هذه المنظّمات كضمانة لهنّ ضدّ بعض الظلم الذي يتعرّضن له، ولكن يجد جزء كبير من النساء المسلمات أنّه سيضطّر لمواجهة ما تخلقه المجتمعات من مشاكل للمرأة من دون «غطاء حقوقيّ» أو عمل منظّم داعم. كل ما سبق ذكره يخلق مسؤوليّة مشتركة لوضع هذه المشاكل على خارطة النقاش العام، سواء من قبل المحجّبات (لا سيما المتمكنات ماديّاً ووظيفيّاً) ومن قبل المهتمّين بحقوق الإنسان والشأن العام.
* باحث لبناني