أحد قراء صحيفة «الأخبار» كتب في مجال التعليق على مقال «حزيران نكبة فلسطين الثانية» يتساءل، مستنكراً: وينو الفلسطيني! مين هوي الفلسطيني؟!

كلنا يعلم مدى الدمار المادي والروحي الذي ألحقته الحملات الصليبية في بلاد الشام على مدى مئتي عام احتلال، حيث خلت البلاد من أهلها بسبب المذابح ما دفع صلاح الدين الأيوبي إلى استقدام مجموعات بشرية من كل المناطق المحيطة بها لتفعيل الحياة فيها وإعادة دوران عجلتها.

قبل ذلك، فلسطين، وفي الوسط منها مدينتي القدس، لم تكتسب أي أهمية في التاريخ العربي الإسلامي إلا لفترة قصيرة إبان الحرب الأهلية الإسلامية الأولى عندما فرض بعض خلفاء بني أمية قبة الصخرة التي بنيت في عهد مروان بن الحكم بكعبة مكة، مقصداً للحج.
لكن بعدما استتب الأمر للأمويين، استعادت مكة الصدارة الدينية، أما القدس، ومعها جند فلسطين، فقد عادت إقليماً عادياً، إلى أن احتلها الصليبيون.
صلاح الدين الأيوبي، بعدما تمكن من قيادة حرب استعادة القدس وبعض أراضي جند فلسطين، أدخل مجموعة من التقاليد الدينية، السارية إلى يومنا هذا، المرتبطة بالجغرافيا، ما أضفى على تلك البلاد صفة قدسية إضافية، وجعل منها أرضاً إسلامية، أي جغرافيا مقدسة، وصار أهلها حراساً لقدس الإسلام، رغم أنف أحكام تيارات العصر الحجري الأصولية؛ هذا إضافة إلى موقعها القدسي لدى المسيحية. بهذا تطورت شخصية معنوية لأهل البلاد، الذين أعرِّفهم بالفلسطينيين، جعلت منهم حماة الديار المقدسة، من الجليل شمالاً إلى الخليل جنوباً.
الفلسطيني هو إذن حارس الجغرافيا المقدسة، اليهودية والمسيحية والإسلامية.
الفلسطيني هو أيضاً من سكن تلك الأرض، أباً عن جد، من زرع فيها أشجار الزيتون والبرتقال، وفي سهولها حصد الحنطة وكل خيرات الأرض التي نبتت فيها.
والفلسطيني هو من رفع صوته منذ أربعينيات القرن التاسع عشر رافضاً المخططات الأوروبية لتحويل البلاد إلى مستعمرة يهودية.
الفلسطيني هو كل من قاوم الهجرة اليهودية إلى بلاده، ودخل في معارك، غير متكافئة، مع أعدائه، دفاعاً عن مدنه وقراه وحقوله وأهله، تراه في التظاهرات اليومية وفي حمى المعارك مع العدو الصهيوني وفي مخيمات المنافي وفي مقابر الشهداء المنتشرة في بلاد العرب وفي عيون الأسرى في سجون الأعداء.
والفلسطيني هو الفدائي من أعاد للكفاح المسلح مكانته ضد العدو الصهيوني، وشكل ظاهرة فتية نبيلة اعتز بها العرب في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، رغم أنف الأنظمة المتهالكة منذ قبل اغتصاب بلادنا عام 1948 للتصالح مع العدو ودفن قضيتنا الوطنية وشعبنا.
والفلسطيني هو الذي تشكل، بحقه، المجازر، من دير ياسين إلى غزة 2014، منطلقات التأريخ اليومي لحيواته.
والفلسطيني هو أيضاً ذاك القابع في «دولته» في مبنى المقاطعة برام الله بعدما استسلم لإملاءات العدو ووقع، نيابة عن نفسه فقط، صكوك الاستسلام في أوسلو وغير أوسلو؛ فلكل منزل بالوعته.
أما قنوات «الممانعة» و«المقاومة» وإعلامهما، «تقاوِم» و«تمانع» تعريف المشاهدين والقراء بالفلسطيني «المقاوم والممانع»، ولا ترى عيونها سوى ذاك المتهالك والمستسلِم، فأمر أستنكره، لكن ليس لدي سلطة لتغيير ذلك، وربما توجه سؤالك إليها علك تجد إجابة.
كما ترى، الفلسطيني متعدد الشخصية، مثل كل شعوب الأرض، المكافحة من أجل التحرر. فيه تجد ما يسر، وفيه أيضاً ما يغيظ وما لا يسر القلب. لكَ أن تختار أي الوجوه ترى أنها الغالبة فيه، ليس في هذه اللحظة، لكن عبر تاريخ طويل.
عندما تجد تعريفك في أي منها، تكون قد عرفتَ من الفلسطيني، ونكون قد عرفنا من أنت!