لم أتشرف يوماً بلقاء الزعيم الكوبي والعالمي الراحل، لكنني أعدها من دواعي الشرف أني عشت في زمن فيدل كاسترو وعايشته، رغم أني كنت حدثاً عندما انتصرت ثورة الشعب الكوبي بقيادته هو ورفيقه المغدور تشي غيفارا على نظام الدكتاتور باتيستا، نظام الظلم والتبعية لواشنطن.


في ذلك الوقت، هافانا، إلى جانب هانوي، كانت في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته مركز إشعاع ثورات الضعفاء على الأقوياء، ثورات المظلومين على الظالمين، والضحايا على المعتدين.
تلك كانت ثورة فيديل كاسترو وتشي غيفارا، اللذين ألهم اسماهما ثوار العالم على الإمبريالية العالمية بقيادة واشنطن وأذنابها الناتويين، في الغرب الاستعماري وفي بقية أنحاء العالم وعلى نحو خاص في دول أعراب العمولة والعمالة.
في تلك المرحلة من تاريخ العالم، التي أعقبت الحرب الأوروبية الأهلية الثانية، المسماة، كما الأولى، الحرب العالمية، انطلقت حركات التحرر العالمية لتطرد الاستعمارين البريطاني والفرنسي اللذين فتكا بالشعوب المستعمَرة وببلادها وثرواتها وتواريخها ومواضيها. لكن تلك المرحلة شهدت أيضاً حلول الولايات المتحدة الأميركية محل الإمبراطورية التي توقفت الشمس عن الشروق عليها، بعدما كانت «التي لا تغيب عنها الشمس»! واستحالت واشنطن مركز العدوان في العالم، ورمزه الأول، من تولي قيادة المشروع الصهيو ــ إمبريالي لاغتصاب فلسطين وطرد أهلها من بلادهم وبيوتهم وحقولهم ومراعيهم، إلى التآمر على إيران والإطاحة بحكومة الزعيم المناضل المنتخب محمد مصدق، ودعم الانقلابات العسكرية في شرق المتوسط وكان أولهما في شرق المتوسط في سورية، مسرح عدوانها المستمر علينا وعنوان برطعتها المستمرة.
لم تتوقف واشنطن عن شن الحروب في مختلف أنحاء العالم، حتى قبل اندلاع الحرب في أوروبا وآسيا وقبل انتهائها. فشنت العدوان تلو الآخر في آسيا، أكثرها دموية وأقلها معرفة بتفاصيلها، حرب الإبادة بحقّ مسلمي الفيليبين المعروفين بـ«مورو»، ثم انتقلت لتدعم عدوان فرنسا في جنوب شرقي آسيا وفي شمالي أفريقيا، إضافة إلى دعم التكفيريين من آل سعود، ضد نجد والحجاز وعسير، والقائمة تطول وتطول.
خمسينيات القرن الماضي وستينياته شهدت أيضاً صعوداً غير مسبوق لحركات التحرر في العالم المستعمَر، وظهور شخصيات فذة فيه، منهم المناضل الكونغولي المغدور باتريس لومومبا وأحمد سيكو توري في غينيا، وكوامي نكروما في غانا، وعبد الناصر في مصر، وجواهر لال نهرو في الهند، وفي سيلان بندرنايكة، أول رئيسة دولة في العالم الحديث، وأحمد سوكارنو في إندونيسيا، وهو شي منه في فييتنام، وأحمد بن بلله ورفاقه في الجزائر، وجوليُس نيريري في تنزانيا، ونلسون منديلا في جنوب أفريقيا، وبيرون في الأرجنتين، وأخيراً وليس آخراً فيدل كاسترو ورفيقه إرنستو تشي غيفارا.
تلك كانت أيقونات ثورية وأسماء تلهم شعوب العالم المناضل من أجل التحرر. لكن كوبا فيدل كاسترو وتشي غيفارا شكّلت استثناء. فرغم قوة واشنطن العسكرية والاقتصادية وانتشار قواتها في مختلف أطراف المعمورة، إلا أنّ تحدي هافانا لها كان استثنائياً لأن كوبا لم تكن تبعد عن شواطئ ولاية فلوريدا أكثر من مئة كيلومتر، ومن منّا ينسى مغامرة خليج الخنازير الفاشلة!
الثورة الكوبية بقيادة زعيمها الراحل، كانت المخرز في عيون واشنطن العمياء عن حقوق الشعوب، ولم تفلح كافة محاولاتها التخلص منه، رغم نجاح جرائمها ضد محمد مصدق وأحمد سيكو توري وكوامي نكروما وباتريس لومومبا وأحمد سوكارنو. ينقل عن الرئيس الكوبي الراحل قوله: لو كانت النجاة من محاولات الاغتيال إحدى مبارزات الألعاب الأولمبية لفزت بالميدالية الذهبية. 638 محاولة اغتيال خططت لها واشنطن وأذنابها ضد الزعيم الكوبي لكنه نجا منها جميعها، من دون أن يتراجع ولو خطوة عن مبادئ ثورته، إلى أن اضطر أوباما للحضور أخيراً إلى هافانا معلناً هزيمة مشاريع بلاده للقضاء على روح الثورة في العالم المستعمَر.
ولفلسطين مكانة خاصة في كوبا فيدل كاسترو. فقد أخبرني صديق عزيز حظي بزيارة تلك البلاد وباللقاء بالقائد، الكومندنتيه، بأنه زار ضمن وفد فلسطيني، مدرسة في هافانا تحمل اسم «فلسطين»، وفوجئ بعمق معارف التلاميذ المفصلة عن وطننا المغتصب ومدنها. ولما استفسر عن سر تلك المعارف أخبره المضيفين أن تلاميذ المدرسة قسموا إلى مجموعات كل واحدة تحمل اسم مدينة من مدن فلسطين المحتلة، وكان معرفة كل ما توافر من معلومات عن تلك المدينة جزء لا يتجزأ من منهاج الدراسة، وكانوا في نهاية الفصل الدراسي يجتمعون ويتبادلون معارفهم عن فلسطين لتتكامل الصورة عندهم.
فلنتذكر كاسترو «الفلسطيني» في الوقت الذي تتبارز فيه زعامات ميليشيات رام الله (ومن قبلها في بيروت) فما بينها، على التنازل عن وطننا وتغيير المناهج لتبني الرواية الصهيونية، وتتقاتل في ما بينها وتتهالك عند قدمي العدو لنيل تنصيبه لها لمنصب المندوب السامي للعدو الصهيوني على أبناء شعبنا وفي وطننا، من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً.
ألم أقل إني محظوظ حقاً لأني عشت في زمن هؤلاء العظماء وفيديل وتشي في المقدمة منهم!