بدأت أميركا تسير في المسار الانحداري، وإن بغير رغبتها، وهي لا تزال تعاند الحقائق، والوقائع الاقتصادية العالمية الجديدة، التي تؤكد انتهاء مرحلة تربع الامبراطورية الأميركية على عرش القرار الاقتصادي والسياسي العالمي، بعدما أصبحت دولة غير قادرة على تأمين نفقاتها الأساسية إلا عبر الاستدانة.


وممن؟ من الصين وروسيا وغيرهما من الدول التي تعتبرهما واشنطن المنافس الأكبر لها الذي يهدد بضمور قوتها العالمية على غرار ما حصل للإمبراطورية البريطانية، ولا تستطيع مقاومته بسبب التشابك الاقتصادي العالمي، وعدم قدرتها على الاستغناء عن علاقة الانفتاح القائمة مع الكثير من الدول، وخصوصاً الصين، لا اقتصادياً، ولا مالياً. فالميزان التجاري بين الصين وأميركا يبلغ أكثر من نصف تريليون دولار، وهو مختل بشكل كبير لصالح الصين، التي تعتبر بالمقابل أكبر دولة دائنة لأميركا التي لا تستطيع إيجاد بديل لتأمين المال لسداد فوائد الدين وتعويض العجز في الموازنة العامة، ما جعل خبراء الاقتصاد يصفون هذا الواقع بالواقع المعقد، والصعب الذي جعل أميركا تابعة للصين، وتسقط في فخ المديونية الذي عملت على إيقاع الكثير من دول العالم الثالث فيه عبر ربط قروض الصندوق الدولي المقدمة لهذه الدول بشروط قاسية.
وفي هذا الإطار، ينقل جوزيف آر ناي الأستاذ بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب «مستقبل القوة» عن خبير صيني لدى سؤاله عن السبب في الثقة الجديدة بالنفس التي تتصرف بها الصين في مجال السياسة الخارجية قوله «بعد الأزمة المالية التي ضربت العالم (عام 2008) يعتقد الكثير من الصينيين أن بلادهم في حالة صعود، وأن الولايات المتحدة في حالة هبوط».
وبغض النظر عن حقيقة أن الصين لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوقت، كما يؤكد قادتها، حتى تبلغ مستوى من التطور يجاري، أو يتجاوز التطور في الولايات المتحدة على المستويات كافة، فقد بات من المؤكد أن الصين تسير في خطى سريعة نحو القمة، وأميركا تسير في مسار انحداري حسبما تؤشر إلى ذلك الأرقام، والمعطيات الاقتصادية والمالية.
ففي حين أن معدلات نمو الاقتصاد الصيني يبلغ سنوياً نحو بين 7% حالياً، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم، فإن الاقتصاد الأميركي يشهد حالة ركود متواصلة منذ سنوات، وهو يواجه منافسة اقتصادية قوية على صعيد الأسواق العالمية من قبل الاقتصاد الصيني، وغيره من اقتصاديات الدول النامية، التي تمكنت سلعها الرخيصة الكلفة، وذات الجودة الجيدة من اكتساح الأسواق الدولية على حساب السلع الأميركية ذات الكلفة المرتفعة.
وفيما تصدر الصين أكثر مما تستورد، وأصبحت أكبر دولة تجارية في العالم، وميزانها التجاري يحقق فائضاً بما يفوق الـ 160 مليار دولار سنوياً، مع أنها تعتبر ثاني أكبر دولة مستوردة في العالم.
فإن الولايات المتحدة، ومنذ عقود، باتت تستورد أكثر مما تصدر، الأمر الذي جعلها أسيرة عجز في ميزانها التجاري، بدأ منذ عام 1971، وأخذ بالتنامي حتى بلغ عام 2005 رقماً قياسياً مقداره 616723 مليون دولار، وهو رقم أسوأ بحوالى 25 في المئة من العجز المسجل في عام 2004، وسجل العجز عام 2006 مبلغاً مقداره 763600 مليون دولار، أي بزيادة حوالى 40 مليار دولار عن عام 2005، واقترب العجز في عام 2011 من سقف التريليون دولار. وهكذا ازداد الفارق بين مداخيل أميركا وإنفاقها الذي يتجاوز هذه المداخيل، مما أغرقها في مزيد من الاستدانة لتغطية العجز في الموازنة السنوية، حتى تحولت أميركا إلى أول دولة مدينة في العالم، وبلغت ديونها حسب ما جاء في كتاب رؤية استراتيجية للكاتب والمستشار السابق للأمن القومي الأميركي زبيعينو بريجنسكي أكثر من 19 تريليون دولار، وهي مرشحة لتصل إلى نحو 23 تريليون دولار في السنوات المقبلة، ما يوسع الهوة بين حجم ناتجها القومي الكلي البالغ 14,5 تريليون دولار، ونسبة الدين، ويزيد من عبء فوائده المرهقة للاقتصاد، ويجعلها تغرق أكثر في أزمة مديونية غير مسبوقة في التاريخ، ما يؤشر إلى انتهاء وتلاشي عصر القوة الاقتصادية الأميركية المهيمنة على الاقتصاد العالمي، بعد أن أصبح من المستحيل على أميركا أن تخرج من أزمتها مع احتفاظها بالمرتبة الأولى، في ظل تصاعد وتيرة المنافسة الاقتصادية الدولية للاقتصاد الأميركي في الأسواق العالمية. وفي السوق الأميركية على حد سواء، وباتت واشنطن تواجه استحقاق الإقرار بهذا الواقع، والعمل على أساس أن إمكانياتها وقدراتها الاقتصادية لم تعد تسمح لها بالتصرف باعتبارها الدولة الأقوى في العالم، وبالتالي عليها التسليم بالتعاون مع روسيا والصين لحل المشكلات العالمية، وهو ما يدفع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب إلى التركيز على التعاون مع روسيا، وعدم التورط في حروب جديدة والقول إن أولويته في سوريا هي محاربة "داعش" وليس الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، وكذلك العمل على إعادة النظر باستمرار انخراط أميركا في سياسة العولمة التي يعتبرها السبب في تراجع الاقتصاد وازدياد البطالة وارتفاع إعداد الفقراء وتدني مستوى حياة الأميركيين.
ولأن مقياس القوة لأي دولة في العالم يبنى على أساس القوة الاقتصادية، فإننا نشهد هذه الأيام تقدماً ملحوظاً في النفوذ السياسي الدولي للصين وروسيا، في مقابل انحسار، وتراجع نفوذ الولايات المتحدة على المسرح العالمي، وظهر ذلك بوضوح في الآونة الأخيرة، في مجلس الأمن الدولي، من خلال استخدام الفيتو المزدوج أكثر من مرة في مجلس الأمن من قبل الصين وروسيا، في مواجهة أميركا وحلفائها من دول الغرب، التي عجزت عن استصدار قرارات عن مجلس الأمن تسمح لها بالتدخل في سوريا لإسقاط نظامها الرافض لمشاريع الهيمنة الغربية، على غرار ما حصل في ليبيا والعراق، في محاولة للإبقاء على هيمنتها على العالم، ومنع إقامة نظام دولي يقوم على التعددية والتشاركية واحترام سيادة واستقلال الدول. وعليه يمكن القول، وبكل تأكيد، أن أميركا لم تعد قوة عظمى مهيمنة على العالم، وهي أصبحت في ميزان القوى الدولي الحالي واحدة من عدة دول كبرى، إلى جانب الصين، وروسيا، إلخ. ولهذا فإن الإمبراطورية الأميركية دخلت في مسار تراجعي لتصبح واحدة من الدول الكبرى المقررة، وليست القوة الوحيدة.
*صحافي لبناني