لا تزال مسألة سقوط الاتحاد السوفياتي تحتلّ مركزاً مرموقاً في مواضيع الأطروحات الجامعيّة والدراسات البحثيّة. والنظريات تختلف فيما بينها، وإن كان هناك إفراط أميركي في نسب السقوط إلى حزم وصلابة رونالد ريغان أو إلى عدميّة الشيوعيّة كعقيدة أو إلى الحتميّة التاريخيّة للفوز الرأسمالي (الأميركي).


ليس هذا مجال بحث ذلك هنا، لكن يمكن الإضافة عَرَضاً أن نجاح الدعاية السياسيّة الأميركيّة كان سبباً من أسباب التفوّق الأميركي العالمي على دعاية الشيوعيّة. نفذت الدعاية الأميركيّة إلى عقول الشباب حول العالم بأساليب ملتوية وخداعيّة. وكانت دعاية الشيوعيّة عن نفسها وعن المنظومة العالميّة التي غطّت أكثر من نصف الأرض ضعيفة للغاية ودفاعيّة (وأقلّ استعانة بالكذب والخداع والرياء من منافستها). أما الدعاية الأميركيّة فكانت صفيقة ووقحة لكنها فاعلة وإن خبيثة. لقد تُرجم كتاب «الحرب الباردة، ثقافيّاً» إلى العربيّة وفي الكتاب شرح للطرق العديدة التي لجأت الامبراطوريّة الأميركيّة إليها لتقويض السحر الشيوعي وعوامل جذبه الحقيقيّة. هذا لا يعني أن أميركا نجحت ضد الاتحاد السوفياتي بالحيلة والعلاقات العامّة فقط. لا، هي كانت توازي دوماً بين الدعاية الذاتيّة (ما يُسمّى، مفارقة، بـ«القوّة الناعمة» —مع أن صاحب النظريّة جوزيف ناي، لا ينفي ضرورة استعمال القوّة الصلبة) وبين العنف والحروب السريّة والعلنيّة.
تدرك (وتدركين) أن الدعاية الأميركيّة نجحت في اختراق العقول عندما تقرأ في الصحافة العربيّة عن فيديل كاسترو. طبعاً، إن موقف إعلام آل سعود مفهوم تماماً. هذا الإعلام لا يزال يسدّد حسابات ضد الشيوعيّة وضد الناصريّة وضد اليسار لأن السلالة الحاكمة تلك متربيّة على الحقد والكراهية. لكن إعلام آل سعود كان مضحكاً هذا الأسبوع. المقالة الافتتاحيّة في «الشرق الأوسط» شكت من أن كاسترو حكم كوبا بـ«اليد الحديديّة». أما سمير عطالله، الذي يتنافس مع جهاد الخازن في إفناء الحبر والحياة في مديح الأمراء والشيوخ من الطغاة، فإنه اعترض أن كاسترو أنشأ نظاماً كان قائماً على «القمع والإعدامات» فقط. ليس واضحاً ما إذا كان عطالله يجري مقارنة بين النظام الكوبي ومملكة آل سعود الفاضلة، لكن الكلام المطلق على عواهنه يكون — في هذه الحالة — نقلاً حرفيّاً واستبطاناً عن الدعاية الأميركيّة. حتى نصري الصايغ وصف كاسترو بـ«الديكتاتور الجميل»، أي أن وصف الديكتاتور مُلازم لكل حاكم شيوعي (ماذا عن الحاكم الأميركي الذي يستبدّ بسكّان الأرض ويتجسّس عليهم بالمليارات؟ أليس هو ديكتاتوراً أكثر من غيره، وهو يصدر أوامر لقتل مَن يريد من البشر حول العالم، ومن دون محاكمات؟). هذه هي التصنيفات الأميركيّة من حقبة الحرب الباردة والتي تُنقل إلى لغات محليّة. يحق لأوباما أن يزهو أن الحكم الأميركي يروّج لحقوق الإنسان والديموقراطيّة لأن أحداً لا يسائل إمبراطوراً عالميّاً. أما جهاد الزين في «النهار» فإنه يعترف أنه بعد أن «أخذت قيَم الديموقراطيّة تتقدّم» عنده على القيم الثوريّة، فإنه «درّب نفسه» على كراهية كاسترو وعبد الناصر. هل كانت هذه زلّة لسان؟ لماذا يؤدّي اعتناق القيم الديموقراطيّة إلى التدريب على كراهية كاسترو وعبد الناصر، وليس إلى كراهية آل سعود أو آل خليفة أو السلالة الهاشمية في الأردن مثلاً، مع أن الكل هنا ليسوا ديموقراطيّين؟ أم أن اعتناق الديموقراطيّة في بلادنا العربيّة يستبطن حكماً المعايير السياسيّة الأميركيّة، وهي مناقضة ومنافية للديموقراطيّة؟ ولماذا يؤدّي اعتناق «القيم الديموقراطيّة» (ما هي، بالمناسبة؟) إلى ترجمة معايير الحكومة (لا الديموقراطيّة) الأميركيّة؟
والدعاية الإمبرياليّة تتحرّك في بلادنا بعناوين مختلفة: منها ما يُسوّغ التدخل العسكري الأميركي في كل بلدان المنطقة باسم «التدخّل الإنساني» (متناسياً أن المصطلح عينه هو من اجتراح الإمبرياليّة الأميركيّة الباحثة عن مُسوغّات لغزواتها واحتلالاتها)، ومنها ما يُسوّغ التدخل العسكري الأميركي باسم «ثورة» مزعومة، ساعة هي في ليبيا وساعة هي في سوريا — كأن الحكومة الأميركيّة كانت في تاريخها إلى صف الثورات، وهي التي قادت على مدى أكثر من قرن كل الثورات المضادة حول العالم، خصوصاً في منطقتنا. وهناك دعوات (ترتدي زيّ اليسار وهي تنتمي إلى اليسار بقدر ما ينتمي إليها القيادي الشيوعي اللبناني السابق الذي أصبح مسؤولاً تنظيميّاً في تيّار عائلة الحريري) للترحيب بالتدخّل العسكري الأميركي لأن رفض هذا التدخّل لا يجوز من قبل اليسار لأن بعض اليمين الغربي يرفض التدخّل العسكري الأميركي (وهذه الحجج تُنشر طبعاً في صفحات صحف الأمراء — المرجعيّة اليساريّة عند البعض). والدعاية السياسيّة تتحرّك بمناسبة وغير مناسبة، وهي انفجرت بمناسبة رحيل المناضل كاسترو.
لكن صحف أميركا لم تكن تقلّ دعائيّة في تعميق حفرة رجل أوصى بحرق جثّته. الكل يتنافس على الهتاف للديموقراطيّة وعلى إدانة «القاتل» كاسترو. لكن الغوص في الدعاية الأميركيّة يحتاج إلى تعليق الكثير من الافتراضات والمسلّمات والحقائق. راسخة هي الأكاذيب الأميركيّة عن حركات معادية لها، وإن تشدّقتها الشعوب حول الأرض. إن «المعلومات العامّة» — أو ما يُسوّق على أنه معلومات عامّة ــــ حول الثورة الفرنسيّة والثورة البلشفيّة والثورة الصينيّة هو نتاج مصانع الدعاية الكاذبة في الحكومة الأميركيّة. المراثي الأميركيّة كانت مدرسة في الصحافة الموجّهة، والصحافة الأميركيّة هي صحافة موجّهة. ما بالكم بالنائب الأميركي (من أصل عربي) داريل عيسى الذي كتب تعليقاً على وفاة كاسترو: «إن المفارقة في وفاة فيديل كاسترو في «جمعة (التسوّق) السوداء» — أكثر الأيّام رأسماليّة في السنة — يجب أن تُذكِّر بأن الحريّة تنتصر دوماً» (لاحظوا أن الحريّة بالتعريف الأميركي ليست إلّا التسوق الرأسمالي).
وفي أوّل فقرة من مرثيّة «نيويورك تايمز» عن كاسترو ذكرت هكذا عرضاً أنه (أي كاسترو) «دفع بالعالم إلى حافة الحرب النوويّة». أي أن زعيم الجزيرة الصغيرة الذي لا يملك السلاح النووي هو الذي دفع العالم إلى حافّة حرب نوويّة لا تلك الدولة التي كانت أوّل مَن رمى قنابل نوويّة (ولأغراض سياسيّة ودعائيّة وليس لأغراض عسكريّة). وفي ما نُشِر عن المداولات الأميركيّة في حقبة «أزمة الصواريخ الكوبيّة» كانت القيادة العسكريّة الأميركيّة تتحرّق لاستعمال السلاح النووي وضرب القوّات والسلاح السوفياتي. كانت الحكومة الأميركيّة لا الحكومة السوفياتيّة هي التي هدّدت بجدّ باستعمال السلاح النووي في حقبات متعدّدة من الحرب الباردة. أما جريدة «واشنطن بوست» فقد سخرت من أن هناك مناطق فقيرة قرب الأماكن السياحيّة في هافانا وأن هناك بائعات هوى فيها. لكن هذا الكلام الذي أريد منه ذمّ نظام كاسترو، ينطبق على العاصمة واشنطن إيّاها، حيث هناك مناطق فقيرة على بعد خطوات من البيت الأبيض، كما أن شارع بائعات الهوى (شارع ١٤) لا يبعد إلا شارعيْن عن شارع ١٦ الذي يقع البيت الأبيض فيه. ويتكرّر في كل المقالات عن كوبا وعن كاسترو الكلام عن الضحايا.


صحف أميركا لم تكن تقلّ دعائيّة في تعميق حفرة رجل أوصى بحرق جثّته


أما المؤرّخ في جامعة «ييل» كارلوس آير، فكتب على طريقة الصراخ أنه من غير المقبول عدم تقريع كاسترو بعد وفاته لأنه حوّل كوبا إلى مستعمرة سوفياتيّة (تحول معظم دول أميركا اللاتينيّة إلى مستعمرات أميركيّة مقبول طبعاً)، وقال إنه كاد أن يتسبّب في «هولوكست نوويّة». وأضاف أنه صادر أراضي لمنفعته الشخصيّة من دون إعطاء دليل، مع أن ظروف معيشة كاسترو لم تكن يوماً على نسق رفاهيّة وثراء حياة حلفاء أميركا مثل موبوتو أو نورييغا أو قادة الـ«كونترا» أو طغاة الخليج، مثلاً.
أما منظمّة «هيومن رايتس ووتش» (ذات المصداقيّة المعدومة في مجال حقوق الإنسان) فأعادت التذكير بتقاريرها عن الوضع الإنساني فيها، وعن وضع المساجين بأن سجيناً شكا أمره إلى المنظمّة لأنه كان يتناول ست بيضات في اليوم مع أنه يفضّل الدجاج (ورد ذلك في تقرير المنظمّة المذكورة عن خرق حقوق الإنسان في كوبا). أما عن عدد ضحايا النظام، فلا تورد المنظمّة أرقاماً معتمدة.
إن كل الأرقام المنسوبة عن عدد «ضحايا» هذه الثورة هو غير دقيق بتاتاً، وهو يتجاهل دائماً أن تلك الثورات لاقت مؤامرات وثورات مضادة (مدعومة أوروبيّاً أو أميركيّاً من الداخل والخارج). وعليه فإن تعداد الضحايا يُدخِل في الحسبان هؤلاء الضحايا الذين قُتلوا على يد الثورة المضادة الخارجيّة والداخليّة. ما هي دمويّة الثورة الفرنسيّة (أو ما يُسمّى بـ«حكم الإرهاب») مقارنة بدمويّة الحرب الأهليّة الأميركيّة مثلاً؟ إن تعداد ضحايا الحكم السوفياتي، مثلاً، يضيف إلى التعداد العشوائي الأميركي كل ضحايا الكوارث الطبيعيّة والأمراض والذين ماتوا ميتة طبيعيّة في السجون (ولو كانوا من المجرمين غير السياسيّين)، كما أن التعداد يضيف أحياناً ضحايا الحرب العالميّة الثانيّة. وتفعل الدعاية الأميركيّة الشيء نفسه بالنسبة إلى الثورة الصينيّة: ضحايا المجاعة والفقر يُعدّون من ضمن «ضحايا الشيوعيّة» (هذه هي الطريقة العلميّة المضحكة في ذلك الكتاب الفرنسي «الكتاب الأسود عن الشيوعيّة»، والذي تُرجم -هكذا عفواً- إلى كل لغات الأرض).
لنأخذ الدعاية الأميركيّة التي اجترّها عرب عن ضحايا بالآلاف لنظام كاسترو. مَن هم هؤلاء وكيف قضوا؟ ليس هناك من إحصاء دقيق والأكيد أن الأرقام المتداولة هي من المصدر الرجعي اليميني الأميركي نفسه. المعلّق الأميركي الليبرالي ريتشارد كوهن (المعروف بعنصريّته ضد السود والذي كتب ذات مرّة متفهّماً منع محلاّت المجوهرات في منطقة «جورجتاون» في واشنطن منع الشباب الأسود من ارتياد محلاّتهم بسبب الصفات الجرميّة، والذي تحوّل من ناقد خفيف لدولة إسرائيل في الثمانينيات إلى ناقد قويّ لناقدي دولة العدوّ في السنوات الماضية) كتب مُقرّعاً أوباما على لطف بيانه تعليقاً على وفاة كاسترو وذكّره بـ«الإعدامات الجماعيّة» في كوبا. وقصة الإعدامات الجماعيّة في كوبا تتكرّر على كل شفّة ولسان، حتى أن المتعاطفين مع كاسترو يجدون ضرورة للتنديد بـ«الإعدامات الجماعيّة». لكن ما هي هذه الإعدامات الجماعيّة؟ لقد رصدتُ كل هذه الإشارات إلى الإعدامات الجماعيّة ووجدتُ أنها كلّها تعود إلى مصدر واحد لا غير، وهو «الأرشيف الكوبي»، وهو موقع يُعرّف عن نفسه بأنه موقع «حر» و«مستقل»، لكن تحاول أن تجد مصادر تمويله فلا تفلح لكن الموقع يقول إن لا علاقة بين التمويل وسياسة الموقع (هذه على طريقة ما يُقال إن خالد بن سلطان لا يتدخّل في عمل جريدة «الحياة» كأنه يحتاج إلى التدخّل للإصرار على الحفاظ على خط آل سعود في الجريدة). لكن مجلس إدارة هذا المركز (أو الموقع) يضمّ مسؤولين «سابقين» في الإدارة الأميركيّة. لكن ما هو عدد ضحايا «الإعدامات الجماعيّة» على ما قيل عنها؟ هنا، تتضح الأكاذيب وتتضح طريقة الاحتساب الكاذبة التي تلجأ لها الدعاية الأميركيّة، والتي ينقلها الصحافيّون والكتّاب حول العالم.
يقول هافيير كوراليس (أستاذ علوم سياسيّة في جامعة أمهرست الليبراليّة في مساتشوستس) في مقالة له على موقع «فورين بولسي» بعنوان «كاسترو كان جهنّم» (عنوان موضوعي ورصين، بالفعل) أن تقدير الإعدامات في كوبا (وطبعاً، يستعين بالموقع «شبه الحكومي»، «الأرشيف الكوبي») يتراوح بين ٦٠٠٠ و١٧٠٠٠. وهذا الفارق في التقدير يظهر مدى التهوّر والتفلّت الذي يسم الكتابات الأميركيّة والأكاديميّة عن كوبا. لكن كيف احتُسبت هذه الأرقام. هنا نحتاج إلى العودة إلى مقالة، ماري أناستازيا أوغريدي، المُحرِّرة في «وول ستريت جورنال»، (بعنوان «إحصاء ضحايا كاسترو» في ٣٠ ديسمبر من عام ٢٠١٥ في الجريدة نفسها) للنظر في عناصر الحساب الأميركي الدعائي عن كوبا. تجد في هذا الحساب (طبعاً بالإضافة إلى الاستعانة بموقع «الأرشيف الكوبي») أن الحساب يتضمّن أكثر بكثير من العدد الذي يعتبره الموقع موثوقاً (وهو ٩٢٤٠، والتوثيق في الموقع هو شبيه بتوثيقات ضحايا سوريا من قبل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» — وهو المرجع المُعتمد من قبل الإعلام الغربي والحكومات الغربيّة والإعلام العربي النفطي — حيث يقول مدير المركز، مثلاً، قبل أيّام، إنه «وثّق» استعمال غاز الكلور في سوريا من قبل النظام من منزله في لندن). لكن لا يكتفي الحساب بهذا الرقم، أي ٩٢٤٠، فيزيد عليه. فيقول نائب مدير المركز إنه يجب إضافة عدد ٧٨٠٠٠ من «الأبرياء» الذين «ربما ماتوا» (حسب وصف نائب مدير المركز) في طريقهم خارج كوبا. لكن ليس هذا كل شيء، فهناك أيضاً عدد ٥٣٠٠ من الذين يقول إنهم ماتوا في قتال النظام الشيوعي وفي «خليج الخنازير». أي أنّ مجموعة المرتزقة والمجرمين الذين جندّتهم المخابرات الأميركيّة لقلب النظام الشيوعي هم ضحايا كاسترو أيضاً، مع أن كاسترو لم يقم بإعدام الـ١٢٠٠ من الذين وقعوا أسرى في يد النظام وأفرج عنهم فيما بعد. أي أن كاسترو لم ينظّم عمليّة إعدامات جماعيّة ضد من استحق محاكمات ميدانيّة لأنهم غزوا بلادهم بالنيابة عن خطة أجنبيّة أرادت العودة إلى زمن الاستعمار الأميركي. لا، وأغريدي على حق (بصورة معاكسة لقصدها): إن هدف «الأرشيف الكوبي» يكمن في إعداد نسخة كوبيّة عن «الكتاب الأسود لشيوعيّة» كاسترو، ولو بالتلفيق ولو بالتزوير.

كل الأرقام المنسوبة
عن عدد «ضحايا» هذه الثورة غير دقيق بتاتاً

لكن الأرقام لا تكفي للعمل الدعائي الأميركي الرجعي. هناك حاجة لمزيد من الأرقام. هنا يضطرّ المركز إلى التجوال في العالم، فيقرّر أن ١٤٠٠٠ كوبي قد قتلوا في أنغولا وفي «مغامرات خارجيّة». لكن هذا الرقم لا يمكن أن يكون صحيحاً. إن أكبر تدخّل كوبي خارجي هو في أنغولا وعدد الذين قُتلوا في الحرب هناك لم يتجاوز الخمسة آلاف حسب مجلّة «اتلانتك» في عام ١٩٨٨ في مقالة لجون هويت ويليامز بعنوان «كوبا الآلة العسكريّة لهافانا». و«الأرشيف الكوبي» المبتكر يرفض أن يدرج مَن بات بأمراض القلب على أنه ضحيّة لمرض أو حالة صحيّة بل يدرج ذلك في خانة جرائم النظام.
ليس هناك من تعداد دقيق لعدد «الضحايا» لكن من الأكيد أن النظام الكوبي لم يكن نظاماً دمويّاً وأن الإعدامات التي جرت في بداية الثورة (ضمت المجرمين وأعضاء البوليس السرّي والجلّادين وحرّاس النظام السابق الوحشيّين) لم يتعدَّ المئات، لا الآلاف. قارن ذلك بعدد ضحايا نظام باتيستا (الذي لم يكن متحالفاً فقط مع الحكومة الأميركيّة بل مع «الإجرام المنظّم» ومع الشركات الأميركيّة الكبرى التي كانت تستغل خيرات البلد)، والذي لا يقلّ عن ٢٠٠٠٠ ضحيّة (راجع مثلاً كتاب سامويل شابيرو، «أميركا اللاتينيّة الخفيّة»، ص. ٧٧).
ليست القصّة في الأرقام. قتلت أميركا في ليلة قصف واحدة على أماكن سكنيّة في طوكيو أكثر مما قتل باتيستا بعشر مرّات (وضحايا باتيستا هم أيضاً ضحايا الاستعمار الأميركي الذي نصّبه). أميركا تلعب بالأرقام كما تشاء، وهي لم تنشر بعد التقديرات العسكريّة (السريّة) لعدد ضحايا غزوها للعراق في عام ٢٠٠٣. كما أن أميركا تتلاعب بالأرقام كما تشاء عندما يتعلّق الأمر بضحايا حلفائها حول العالم. وفي هذا الأسبوع، قرّرت الحكومة الأميركيّة الإعلان أن تقديراتها لعدد ضحايا قصفها في سوريا والعراق هو ضعف ما كانت قد أعلنته من قبل. وهي لم تعدِّل استنسابيّاً في تقديراتها إلّا بعد أن شكّكت مجموعات رصد الضحايا في الغرب، مثل «إيروور» البريطانيّة، في الأرقام الأميركيّة. وقبل أيّام، أقرّت صحيفة «واشنطن بوست» أن عدد ضحايا القصف الأميركي في عمليّة الموصل وحدها وصل إلى أكثر من ٨٠ مدنياً ومدنيّة. لكن هذه التعدادات ليست ذات بال. ليس هناك من «كتاب أسود عن الإمبرياليّة الأميركيّة». والثلاثة ملايين آسيوي الذين قتلتهم القوّات العسكريّة الأميركيّة في حرب فييتنام باتوا يُضمّون إلى ضحايا الشيوعيّة في «الكتاب الأسود» عن أعداء أميركا. والشباب العربي على وسائل التواصل لن ينقل أرقاماً عن ضحايا أميركا أو عن ضحايا القصف السعودي والإماراتي والقطري في العالم العربي لأن ذلك لا يدخل في باب السخرية والنقد المُباح.
الدعاية الأميركيّة هي الناموس وهي القاموس. لا يرد ذكر لكاسترو إلا ويوصف بالديكتاتور. لماذا؟ لأنه لم يفتح بلاده أمام الغزوات الأميركيّة التي يسهل مرورها عبر ديموقراطيّات مُزيّفة أو انتخابات مُسيّرة (كما حدث في تونس) عبر المال الخليجي والغربي وعبر تدخل المصارف الدوليّة؟ حرّر كاسترو بلاده من الاستعمار في منطقة تعتبرها أميركا بصفاقة «حديقتها الخلفيّة». إن عدد «المسجونين السياسيّين» (بالتعريف الأميركي) لم يكن يتعدّى أصابع اليديْن، وكان هذا العدد مثال اعتراض واستهجان أكثر من آلاف المسجونين في أنظمة الطغيان العربيّة التي لا تتلقّى من الغرب إلى التسليح والدعم. كان كاسترو أذكى من حكام الاتحاد السوفياتي الذين توالوا بعد ستالين: عرف أن السقوط في الدعاية والأفخاخ الأميركيّة لن يؤدّي إلا إلى عودة الاستعمار. أذكر كيف كان الإعلام الأميركي يرصد وضع حقوق الإنسان في كوبا. أذكر عندما نشرت «نيويورك تايمز» في الثمانينيات مقالة عن خرق حقوق الإنسان في كوبا، وأعطت مثلاً أن معارضاً وجد كتابة معادية له على جدار منزله. رحماك.
لا يمكن الكتابة الموضوعيّة عن كاسترو وعن كوبا. حاول أستاذ السياسة في جامعة هارفرد هورهي دومنغيز، أن يكتب تقييماً ضخماً ومستفيضاً عن كوبا في كتابه الصادر في عام ١٩٧٨. لكنّه استهلّ كتابه بتأكيد أنه ليس موالياً للحكومة الكوبيّة. لكن دومنيغز اعتبر أن سياسة التكافؤ الاقتصادي والتعليم والصحّة هي مثار إعجاب. ويعترف دومنغيز أن الذين اعتقلوا بعد «خليج الخنازير» أطلق سراح معظمهم بعد فترة وجيزة (ص. ٢٥٣). وعانى المؤلّف من اتهامات شتّى (ظالمة) بالشيوعيّة. لكن الكتاب الذي يعتمده الأميركيّون في دراسة كاسترو، هو السيرة التي كتبها مراسل «نيويورك تايمز» السابق تد شولتز (وهو من أصل بولوني ومعاد للشيوعيّة). ويطلعنا شولتز على نظريّته النفسانيّة لدراسة كاسترو فيقول إنه وإن كان من عائلة ميسورة فقد أصيب بعقدة دفينة وحقد طبقي لأنه قابل أولاد أثرياء في المدرسة اليسوعيّة التي درس فيها. هذه هي النظريّة المعتمدة في تفسير شخصيّة الرجل.
أما الإنجازات الحقيقيّة للنظام (من حل المسألة العنصريّة إلى دفع التمثيل النسائي إلى واحد من أعلى المستويات في العالم أجمع) فهذا لا يحظى باعتراف مكافحي الشيوعيّة والمساواة. ويقول باحث طبّي معروف هنا (في مراسلة معي) أن كوبا بدأت صناعة «بيوتيك» ناجحة لإنتاج أدوية بأقل كثيراً من أسعارها التجاريّة في الولايات المتحدة. لا بل إن صناعة الـ«بيوتيك» في كوبا تنتج تطعيماً «كاملاً» لداء السحايا بينما لا تنتج أميركا إلّا الصنف غير الكامل من التطعيم. والحظر الأميركي على كوبا منع (حتى قبل أسابيع فقط) استيراد التطعيم المبتكر من الجزيرة. وكوبا لم ترسل أطبّاء ومعلّمين حول العالم، بل هي أرسلت أيضاً جنوداً شاركوا في هزيمة النظام العنصري وأدواته في جنوب أفريقيا. هذا هو إرث كاسترو الذي لا تعترف به وسائل إعلام الرجعيّة العالميّة. لكن عندما يكون المعيار أميركي المصدر، فإن الحكم لا يمكن إلاّ أن يكون ظالماً ومجحفاً.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)