تستفّز مشاهد الضباط والرتباء السعوديين على شاشات التلفزة وهم يفرون في معركة قّل نظير لها من انعدام التناسب ــ في مقوّمات القوة المتعارفة ــ بين طرفيها على طول الحدود اليمنية السعودية، مخلّفين وراءهم أسلحتهم وحصونهم المنيعة، ناهيك إذا اكتشفت أن «أنصار الله» يقاتلون في عمق يصل إلى 13 كلم خلف الحدود.


يستفّز كّل مهتّم ومراقب ليسأل لماذا؟ وما حقيقة ما يشاهده؟
يزداد السؤال إلحاحاً لحظة «عصف» أحوج ما تكون به المملكة أن تقدّم نفسها أمام حلفائها قبل خصومها كقوّة جديرة بالاعتماد، يؤمَن جانبها وتمتلك ناصية الحرب كما المال، لتأتي «صورة الوهن» في الميدان على معنويات قيادتها وتحطّ من نظرة الدول إليها ورهانها عليها، بما يزيد من أزمتها والدور المهدّد الذي تهوي نحوه ببطء لكن بثبات واطراد. لا ينتظر من هذه المقالة أن تعالج مسألة بهذا العمق والحساسية لكنّها محاولة لطرح مجموعة أسئلة على هذا «العسكري»، وتحاول أخذ موقعه ودوره. فأن تضع نفسك موضع العسكري السعودي يجعلك أقرب إلى الواقع فتحلّل وتناقش وتفهم وتتفهّم.
فالمؤسسة العسكرية لا تخرج عن كونها جزءاً من بنية المجتمع والنظام على حّد سواء مع بعض الإضافات:
1. طبيعة المملكة والعقد الاجتماعي:
نحن نتحدث عن مجتمع سياسي يعوزه تحديد وحدّ أدنى من الوضوح في طبيعة علاقة المجتمع بالسلطة، حتى ولو بنظرية العقد الاجتماعي الغربية (حقوق وواجبات). أغلب الباحثين يرونها دولة ريعية ويذهب آخرون أبعد من ذلك للحديث نظرية «جماعات المنتفعين».
فالوظيفة هي جائزة ترضية أو فرصة عمل مقابل عدم الاشتغال بحقل السياسة وتركه لأصحاب الدولة ومالكيها أي لآل سعود وأمرائهم ويسري ذلك على المؤسسة الأخطر المؤسسة العسكرية. فالوظيفة هي جائزة ترضية أو فرصة عمل مقابل عدم الاشتغال بحقل السياسة وتركه لأصحاب الدولة ومالكيها أي لآل سعود وأمرائهم. ولا تخرج المؤسسة العسكرية عن هذا السياق.
وحين لا يوجد أطر تفاعلية حيوية نتيجة منع قيام تجمعات مصالح متجانسة، وحين يغيب التنسيق الأفقي في السياسات لصالح التجزئة التي تخفّف من تحدّي السلطة المركزية وتمكّنها من تشتيت الضغط حال حصوله. في هذه الحالة تبدو المؤسسة العسكرية المجتمعية الأصل معزولة عن التفاعل بمجتمعها وقضاياه لصالح وظيفة ترضية تبعدها عن الأحوال والآمال والتحدّيات.
اليوم وبعد مرور أكثر 7 عقود من عمر السعودية، يتّم الحديث اليوم عن فرض ضريبة اليوم ولأسباب كثيرة (اقتصادية وهوياتية) لا يتسّع لها المقال تُطرح إمكانية إشراك المجتمع عبر دفع الضرائب (غير الزكاة) برغم أنّ أحد أوجه فذلكة الضريبة أنّها ترسّخ نوعاً من المشاركة في الأعباء العامة وتحمّل المسؤولية الوطنية وثقافة مجتمع وتنشئة فرد ومواطن ورابطة علاقة مع سلطته ودولته. وهكذا فالعلاقة تقوم على فعل طرف واحد أي السلطة ما يفقدها الحيوية والتفاعل والتكامل والتبادل الذي يغني ويعمّق الوشائج. الطرف المقابل أي الشعب والفرد هو في موقع المنتظِر، لا المبادر أو المقدِّم ولا تخرج المؤسسة العسكرية عن هذا.
ومعلوم بلغة العقل والتجربة أنّ المؤسسة العسكرية بقدر ما تحكي حكاية مجتمعها وتعايشها لا حكاية السلطة، بقدر ما تكون أسخى في البذل والعطاء.
لا يجب أن نغفل الفوارق النوعية في الوعي والخلفية والتجربة التاريخية إلى اليوم بين المحافظات السعودية فأهل نجد ــ منطلق آل سعود والوهابية ــ ليسوا كأهل الحجاز، والأخيرين ليسوا كأهل المنطقة الشرقية أو الجنوبية في طبيعتهم وعلاقتهم بالآخر ومبانيهم الثقافية والفكرية والدينية برغم المحاولات القسرية لـ«توهيبهم».
ما يعني أنّ هناك فوارق جوهرية في الفهم والنظرة ودرجة الولاء بين المكوّنات لزعيم العشائر ــ أي الملك ــ وهذا ما ينسحب بدوره على الجيش بشكل طبيعي
ولا نغفل أيضاً عن أثر التعرّض المفاجئ لمجتمع مغلق لليبرالية حادّة فتحت أبوابها الطفرة النفطية المالية.
2. ظهر في العقد الأخير مستوى الإرباك الذي تعانيه المملكة في تحديد طبيعة الهوّية التي تتبناها بجناحيها (آل سعود والوهابية)، فالتنشئة على مفهوم «الدولة القومية» ضعيف جداً، مع أنّه لوحظ اهتمام متزايد بهذا الجانب، يمكن رصد بعض البرامج التلفزيونية التي تعرّف الشعب بوطنه وآثاره وتاريخه الهادفة لبناء هوّية وطنية، لاعتبار أنّ التنشئة الوهابية ذات المنابر الكثيرة والموّزعة على مفاصل المجتمع كلّه تقوم على فهم ديني يقسم الدنيا إلى دارين (إيمان وكفر)، ومن هو غير إسلامنا الطهراني الوهابي كافر.. التعريف الأخير يرخي بأزمة تزيد من تعقيد الأمور: إذ كانت التنشئة تتأسّس على هذا الفهم الوهابي ومندرجاته. حماية مقدّسات المسلمين وأرض الطهر التي اؤتمِن عليها. فيسأل ــ هذا العسكري ــ لماذا لم أتحرّك منذ عقود للدفاع عن مقدّسات المسلمين المغتصبة من فلسطين إلى غزو العراق 1991 واحتلاله 2003 الى مجازر البوسنة وما بينهما وما تلاهما. لماذا حينما احتدمت المواجهة مع الشيوعية «الكافرة الملحدة»، ثمانينيات القرن الماضي، لم تتبن حكومتي إرسالي للدفاع عن المسلمين في أفغانستان بل أرسلت من تحت الستار أفراداً وجماعات دينية بخاصة بالتهريب ما يمكن فهمه أنّه شكل من أشكال اللاتبني أو تريد تجنيب نفسها أضراراً محتملة.
ويحيّره أكثر ما يراه من نشاط غربي لأميركا وحلفائها في بلاده وبلاد المسلمين، إذ يترّبعون على أكبر المواقع البّرية والجزر العائمة في الخليج.
3. هل لديه منهج ليحدّد العدو والصديق؟ وبأي معيار يروز الأمور؟
لو أخذ بالمعيار الديني، فمعه يفترض أن تتصدّر إسرائيل دائرةّ «أهل الكفر». فصريح القرآن الذي لا يمكنه تجاهله يعلن: «لتجدّن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» وبالطبع أميركا لفرط دعمها وتبنّيها، لا الشيعة أو الزيدية أو الأباضية أو المسيحية.
وإذا سأل نفسه: ترى، لمن أقاتل ولماذا، فآباء وأنساب اليمنيين تربطني بهم صلة القربى وحتّى الأمس القريب كانت هذه الأرض والمحافظات تتبع اليمن والعلاقات الاجتماعية متداخلة، ناهيك عن أنّ التسليم النفسي فيها لم يُحسم بعد.
لماذا لا نعامل أهل اليمن والزيديين بالخصوص الذين تربطنا بهم القرابة والدم والجيرة التاريخية بما عاملنا به إسرائيل الغاصبة التي أحرقت مصاحفنا وانتهكت وتنتهك مقدساتنا يومياً بملاقاتهم الى منتصف الطريق بشيء قريب ممّا بادرنا به تجاه إسرائيل منذ الملك فهد عام 1981 إلى عبدالله عام 2002.
وإذا أخذ بالمعيار المصلحي، فتستوقفه مسألة بديهة أنّ زيادة التوتير المذهبي في المنطقة واستفحاله هو «تسونامي» سيُغرق الجميع ولن ينجو منه أحد، والمملكة ودول الخليج التي تدور في مدارها لهي أقلّ تحصيناً وأكثر عرضة لعوارضه، فهل العقل السير بنظرية شمشوم الجبار أو كما ورد في القرآن الكريم الذي يحفظه، قالوا إن يكن هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. وهل ستبقون لتتعرفوا على الحجة بعد أن تسقط حجارة من السماء!
ويسأل هذا العسكري الذي يطالبه الأمراء بالذود عن الدين ضدّ من تدّعي أنّهم كفرة وآخرها كلام وزير خارجيته يتحدّث بإرساله الى سوريا والرقة للقتال ضدّ العدو الروسي الإيراني بذريعة «داعش»، لماذا لا تقطع دول الخليج علاقاتها الدبلوماسية مع روسيا وإيران ــ الأعداء ــ كخطوة أولى قبل أن أرسل للقتال في معارك يُثبت يومياً أنّها فاشلة.
4. السياسة السعودية طالما كانت طوال تاريخها تدار من وراء الستار وبالابتعاد المباشر عن الأحداث لأسباب لا يسع لها المقال، واستمرّت هذه السياسة حتّى الأزمة الأخيرة بما يخالف تاريخها في لحظات ربّما أخطر وتحدّيات أكبر على المملكة والأمّة الإسلامية جمعاء. فما عدا ممّا بدا، وكيف به أن يفسّر أنّ الأسلحة المكدّسة منذ عقود تفتح مخازنها لأوّل مرّة – لا مناوراتية – لتصّب جام إمكاناتها على شعب مسلم أعزل. هل كل حروب وتحدّيات الماضي لم تكن كافية ولا تستأهل فتح المخازن؟ هل فقط هذه هي الحرب «المقدّسة»؟!
وهو يسأل سؤالاً ما انفّك يردّده ولو بالنجوى، أنّه حينما يقاتل في ساحة المعركة، فلحساب من ودفاعاً عن من؟ أليس أهل العقد أولى ــ الأمراء والملوك ــ أن يدفعوا أبناءهم إلى جبهات القتال بدل نيويورك وباريس ولندن لينفقوا مال الذهب الأسود ويبقى هو في الميدان دفاعاً عن تهديدات جلها مشكّكة!
خلاصة القول، إنّ واقع العسكري السعودي ما فتئ يعكس واقع مجتمعه من جهة وسياسة الأمراء ومبرّر إنشاء الوظيفة الخدمية «العسكر» من جهة أخرى. وبين هذه وتلك يشعر أنّ عقيدته القتالية يتقاذفها الإرباك والأسئلة المتلاطمة، فغياب عقد اجتماعي واضح يضعف من التبادلية بحدّها الأدنى (حقوق وواجبات) والدولة الريعية والأداء السياسي والاستراتيجي للمملكة على مدى عقود لم يساعد في تثبيت الهوّية وتركيز مبانيها بما يعطيها خطاً بيانياً واضحاً لمراكمة الثقة وروح المبادرة والتضحية في سبيل الأهداف.
يُعتقد أنّه لن نرى في المدى المنظور وحتّى البعيد جيشاً سعودياً قادراً على مواجهة تحدّيات فعلية فضلاً عن آخر منفّخة ومفتعلة تفتقد أدنى مبررات المشروعية الحقّة. اللهم إلا إذا قرّر الأمراء على ضوء المعطيات الصادمة تغيير الجيش والاستعاضة عنه تدريجياً بجيش من المستوطنين «الإسلاميين المغلقين» أو المرتزقة الذين يتّم استئجارهم من الدول الفقيرة لحماية المملكة، هذا ما يدور اليوم في أروقة القرار السعودي للتعاطي مع الحدود اليمنية، إنّه أشبه بمعالجة الرمد بالعمى. زرعت المملكة إيديولوجية متطرفة خارج حدودها واليوم تحصد، فكيف إذا زرعته ضمن حدودها.
* باحث لبناني