عندما التزم الرئيس العماد ميشال عون بتحرير أراضي لبنان بكل الوسائل المتاحة وبضرب الإرهاب استباقياً، كان يكرّس أمراً كان مفعولاً، وهو ما جاء في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ ٢٠٠٨: ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. لا بل إنّ الرئيس عون ذهب أكثر من «حزب الله» في تأكيده على حق لبنان في ردع الإرهاب ونحره في مهده قبل أن يستحيل خطراً وجودياً على لبنان.


إنّ «حزب الله» لم يدخل الحرب السورية إلا بعد عامين من انتشار الإرهاب التكفيري في لبنان واختراق الحدود اللبنانية بشكل سافر في الشمال والشمال الشرقي. فلم يكن استباقياً، بل بدأ دفاعه عن حدود لبنان وخوضه معركة القصير في صيف ٢٠١٣ بعد عامين من اشتعال الحرب في سورية. ولا يمكن لأي إنسان عاقل إلا أن ينظر إلى هذا الأمر، على أنه من زاوية الدفاع عن لبنان وحرمة أراضيه. وينسى كثيرون استهداف قرى بعلبك والهرمل والشمال والتفجيرات الانتحارية في ضاحية بيروت الجنوبية ومناطق أخرى، وتركيز التكفيريين خصوصاً على مناطق وجود المقاومة خدمة لإسرائيل. بل الرئيس عون يبارك عمل المقاومة ويعتبر أنّ من حقها استباق العدوان على لبنان بردعه.
ليس ميشال عون من ينأى عن مصاب سوريا وهو قائد المسيحية المشرقية، وهو الذي قال في مقابلة مع الدكتور كمال ديب عام ٢٠٠٣ (راجع كتاب «هذا الجسر العتيق») أي قبل عودته إلى لبنان : «إنّ بوصلتنا هي الديموقراطية فإذا انتشرت الديموقراطية من هنا إلى الخليج فليمتد وطننا من هنا إلى الخليج». فالرئيس عون ليس انعزالياً وليس «لبنان أولاً»، بالمعنى الشوفيني بل هو لبناني أولاً من منطلقات لا يمكن أن تكون عداءً لسوريا. بل هو يتعاطى مع مصلحة لبنان التي تقتضي مد اليد لسورية وبخاصة حالياً، وفي مقدمة الأمور تأتي معالجة ملف النازحين وعودتهم إلى ديارهم. فمن غير المقبول مطلقاً ما مارسته حكومة الرئيس تمام سلام التي امتنعت عن مخاطبة السلطات السورية في ملف النزوح وساهمت بذلك في أزمة عنوانها مليون وخمسمائة ألف لاجئ ــ وليس نازحاً ــ سوري في لبنان. وثاني الملفات هو إيجاد الحلول الاقتصادية المشتركة بين البلدين. فالقاصي والداني يعلم أنّ ٧٠ بالمئة من تجارة لبنان مع الدول العربية تمرّ عبر سوريا (إلى الخليج والسعودية والأردن والعراق)، ناهيك بالمرور إلى إيران وتركيا ومنها إلى سائر أوروبا براً وأيضاً عبر الأراضي السورية. وإذا تحرّك موضوع مرور الموز بعد أسبوع من انتخاب عون، فلا شك أنّ هذا كان أول الغيث.


بيروت
قادمة على ورشة كبرى عندما تصمت المدافع

ثم إن ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة قد تعمّقت أكثر بانتخاب عون: فالفريق الذي يقف إلى جانب المقاومة بات يمتلك مفاتيح أساسية في النظام السياسي اللبناني. وجمهور التيار الوطني الحر الذي كان مهمشاً ومضطهداً في السابق بات يمتلك قصر الشعب وباتت «أو تي في» محطة رئيس الجمهورية وليس المحطة البرتقالية فحسب. وأثبت «حزب الله» أنّه رمز الاعتدال السياسي اللبناني فلا يسعى لوزارة ولا يفرض نفسه في أي سياسة داخلية، إلا إذا تعلّق الأمر بالموقف من الصراع العربي الإسرائيلي.
ويهمل كثيرون أنّ الاستقرار اللبناني هو استثنائي فيما تشتعل الحروب والأزمات في المنطقة، وهذا الاستقرار إنما أساسه تحرير الجنوب والبقاع الغربي على أيدي المقاومة عام ٢٠٠٠. وكذلك بعد ردع المقاومة لإسرائيل عام ٢٠٠٦، ويومها فهمت تل أبيب أنّ أي صراع مع لبنان يعني أنّ المعركة ستكون في الجليل وشمال فلسطين المحتلة أيضاً. هكذا فهم الرئيس العماد إميل لحود «حرب تموز» آنذاك، وهكذا وقف العماد ميشال عون وتياره إلى جانب المقاومة مهما كان الثمن في صيف ٢٠٠٦ الدامي.
ويقاس هذا الشيء بأحداث سورية. فالتكفيريون هم العدو على الحدود الشرقية، كما هي إسرائيل العدو على الحدود الجنوبية. فهم أرادوا أن يحولوا لبنان قاعاً صفصفاً، كما فعلوا في حلب وحمص والرقة ودير الزور وتدمر وغيرها من مراكز العمران السري. فأخذوا يقصفون قرى لبنان ويشنون الهجمات في المناطق المكتظة بالسكان. ولئن شاءت الطبقة السياسية في بيروت أن يبقى الجيش اللبناني ضعيفاً أمام هؤلاء – كما فرضت عليه أن يكون ضعيفاً دوماً في وجه إسرائيل – كانت المقاومة اللبنانية هي رد الشعب اللبناني سواء جنوباً أو شرقاً وشمالاً. فقامت شريحة من الشعب اللبناني المنظّم بدحرهم عن الحدود، وطبعاً كان «حزب الله» هو رأس الحربة ولكن أيضاً كان شباب وشابات الحزب «السوري القومي الاجتماعي» وحزب «التوحيد» ومنظمات أخرى. وغداً عندما يعود الاستقرار إلى سوريا وهو غد قريب، ستجد سوريا في لبنان حكومة لبنانية ورئيساً وشعباً وجيشاً، كما كانوا معها في كل الأفراح والأتراح أشقاء مخلصين للجارة الكبرى. وهذا يعني أن الرئيس عون قد أصاب عندما استقبل وزيراً سورياً برفقة السفير السوري في بيروت وتلقى اتصال تهنئة من الرئيس السوري بشار الأسد. فثمّة الكثير من العمل المشترك لعودة النازحين وإنهاض الاقتصاد والمشاركة في إعادة إعمار سورية. فبيروت قادمة على ورشة كبرى عندما تصمت المدافع وتبدأ مشاريع الإعمار داخل سورية وسيكون رئيس الحكومة اللبنانية أول زائري العاصمة السورية لمصلحة لبنان.
*صحافي لبناني