«كلّ سلطة هي تآمر مستمرّ»

(هونوري دوبالْزاك)
«كلّ سلطة تولّد العنف»
(جِيل لاميرْ)


إنّ علاقة السّلطة الرابعة بالسياسة وأسرارها ودسائسها هي علاقة معقّدة يصعب فكّ شفراتها والجزم إذا ما كانت الأولى هي وسيلة للتصدّي والحدّ من جبروت الثانية أم أنّ هذه الأخيرة بآليات اشتغالها وإغراءاتها قادرة على ترويض «الأميرة» وإدخالها إلى بيت الطاعة.

وكتاب الصحافييْن في جريدة «لوموند» الفرنسيّة ــ جِيرارْ دافي وفابريس لوم، الصادر في 12 أكتوبر 2016 عن دار النّشر الفرنسيّة «سْتُوكْ» - يظهر جانباً من جوانب هذه العلاقة المبهمة بين الصحافة والسياسة/ الصحافي والسياسي والتي عادةً ما تنتهي بكشف أسرار خطيرة أو تجاوزات يسعى رجل السياسة لإخفائها عن الأعين من دون جدوى.
دَافِي ولُوم ليسا غَرِيبَيْنِ عن هذا العالم، فهما معتادان على «الإيليزي» وعلى محادثة الرؤساء فقد أحدث كتابهما عن الرئيس الفرنسيّ السابق نيكولا ساركوزي ــ الصادر في 1 أيلول/ سبتمبر 2011 ــ ضجّة كبيرة... لكن يبدو أنّ الرّئيس الحالي لم يتّعظ من تجربة من سبقه!
لقد قُسِّمَ الكتاب إلى أجزاء عدّة معنونة بكلمة واحدة تليها مباشرة مقولة لأحد الفلاسفة، المفكرين أو السياسيين تمهيداً لما سيأتي بعدها. ويشرح كاتبا «سَارْكُوقَتَلَنِي» منذ البداية أنّ النيّة كانت متّجهة نحو تتبّع المائة يوم الأولى منذ انتخاب هولاند، غير أنّ الأمور تغيّرت ووقع الاتّفاق على الحضور والاشتغال على كتاب يجمع ويُوَثِّقُ كلّ التحرّكات والقرارات التي تُتَّخَذُ في «الإِيليزي» على امتداد خمس سنوات. أصبح اللقاء بعد ذلك بصفة دوريّة وتزايد حضور الصحافيين قرب الرئيس لرصد حركاته، تحليل مواقفه ولانتزاع الإجابات المناسبة إن لزم الأمر.

عن الصّحافة الاستقصائيّة والحياة الشخصيّة

لا تكترث صحافة الاستقصاء بنشر أمور تتعلّق بالحياة الخاصّة للسياسيين، خصوصاً إذا كانت ذات صلة أو مؤثّرة في الشأن العام. وهذا ما نستشفّه من كتاب دافي ولوم، إذ يكشف الكتاب عن خصوصيّات الرئيس الفرنسيّ ويسلّط الضّوء على انفعالاته وتشنّجاته في ذروة مشاكله العاطفيّة التي تؤثّر حتماً في قراراته.


الإسلام بحسب هولاند ديانة تتعارض تعاليمها مع علمانية فرنسا
إنّ الأجزاء المتعلّقة بمغامرات هولاند تنزل به من المرتبة التي حمله إليها المنصب لتنزع عنه كلّ ذلك البهرج لنراه في كلّ حالاته، بعيداً عن تلك الصورة الثابتة (une image figée) التي «تُسَوَّقُ» على الشّاشات وفي المناسبات الرسميّة. إنّها فرصة للقارئ ليتجاوز ذلك الفارق/ الهوّة (le gouffre) التي تفصله عن عالم الرّئيس المجهول. أمام تفاهة تفاصيل مغامرات هولاند وردود أفعاله في كثير من المواقف التي نكتشف أنّها تشبه أيّ شخص آخر، تبدأ الصّورة التي بنيناها تنهار شيئاً فشيئاً لنتخلّص في آخر المطاف من تلك الاستيهامات (les fantasmes) التي تنتابنا وتسيطر علينا لحظة التّفكير في عوالم القصور الرئاسيّة. لقد نقل لنا صحافيا «لوموند» صورة رئيسٍ متشظي الكيان ومتأرجح بين «نسائه» فهو مشتّت الذّهن خلال فترات خلافه مع «فاليرِي تْرايْفَايْلاَرْ» (التي أصدرت كتاباً بعنوان «شكراً على هذه اللّحظة» تروي فيه تجربتها مع الرّئيس). كما لم يتوانَ هولاند عن إظهار ميله وإعجابه بأمّ أبنائه «سيغولِينْ رْوَيَالْ» والتي يرى أنّها إن لم تكن في وزارتها الحالية «لكانت في أيّ وزارة أخرى» على حدّ قوله. وهو دليل آخر على ضبابيّة اختياراته وغياب معيار الكفاءة على الأقلّ فيما يتعلّق بـ«رْوَيَالْ». تفتح الأجزاء ــ التي تصف خيبات وحالات ضعف هولاند ــ الأبواب على مصراعيها لتأخذ «القارئ ــ الفضوليّ» إلى أدقّ تفاصيل حياة الرئيس.

ازدواجيّة الخطاب؟!

تخبرنا أعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ــ في ما يتعلّق بالخطاب السياسيّ وتوظيف اللّغة ــ أنّ رجل السياسة هو مجرّد واجهة لآلة ضخمة تعمل على تسويق خطاب معيّن والتّأثير على المستمع عبر تطويع آليّات الخطاب. ويبدو أنّ كتاب دافي ولوم خير دليل على ذلك. فاعترافات الرئيس الفرنسيّ تصطدم القارئ فيظنّ أنّه أمام شخصيّة أخرى تماماً مختلفة عن تلك التي تظهر على شاشات التّلفاز. فهولاند المدافع بضراوة عن قانون نزع الجنسيّة (la déchéance de la nationalité) عن مرتكبي الأعمال الإرهابيّة، يبدو غير مقتنع تماماً بهذا الإجراء القانونيّ المتّخذ بعد الأحداث الإرهابيّة التي ضربت العاصمة باريس. إذ يرى أنّه إجراء لا يتماشى وقناعاته وفي تعارض كلّي مع حقوق الإنسان. ويؤكّد أيضاً على أنّ الحزب الاشتراكي واليسار عموماً لا يمكنه أن ينجح أو يُقْنِعَ إذا ما دخل في نقاش حول الهويّة (l`identité) وهو ما يعكس التسرّع في أخذ القرارات والخضوع والاستسلام لضغط الشّارع. وتتواصل ازدواجيّة الخطاب كلّما تقدمنا في قراءة الكتاب لنكتشف رئيساً اشتراكياً يتبنّى أفكاراً يمينيّة كقوله مثلاً «يوجد الكثير من المهاجرين في فرنسا». هذه الكلمات كفيلة بأن تلخّص انقلاب الخطاب وتغيّره مقارنة بخطابه الرسميّ لوسائل الإعلام. فعلى امتداد ما يقارب 700 صفحة، تتالى المفاجآت حول مواضيع حساسة ومحوريّة، فالإسلام ــ بحسب هولاند ــ يمثّل مشكلة بالنسبة إلى فرنسا، ذلك أنّها ديانة تتعارض تعاليمها مع علمانيّة الدولة وهي تحاول ــ بكلّ الطرق ــ فرض قانونها على الجمهوريّة. هذه هي نظرة الرئيس الفرنسي للإسلام بعيداً عن الأضواء والخطابات الفضفاضة.
لقد نجح هولاند في إخفاء هذا التحوّل في الأفكار (métamorphose des idées) التي تتعارض مع مبادئ اليسار ذلك أنّه متخصّص في التّكتيك السياسيّ (ميزة أخرى يكشفها الكتاب) وهدفه الخروج من المآزق «بأقلّ الأضرار» كما صرّح وزير الفلاحة «سْتِيفان لُوفُولْ» لمؤلّفيْ الكتاب.

*كاتب تونسي