بإمكان المؤيدين ووسائل الإعلام القريبة منهم النظر إلى اللقاء الأخير لوزير الخارجية السوري وليد المعلم مع القيادة الروسية على أنه تعزيز للتحالف الذي يجمع سوريا وروسيا، وقد فعلوا. فالجانب الروسي لم يحد في تصريحاته عن الثابت في موقفه من الأزمة السورية المرتبطة وفق الرئيس فلاديمير بوتين «... بالعدوان الذي يشنه الإرهاب الدولي»، مع التعبير عن الثقة بانتصار الشعب السوري، وصولاً إلى الجملة الأهم التي لا بدّ أن وليد المعلم طرب لوضوحها وهي تخرج من بين شفاه زعيم موسكو: «أما سياستنا الرامية إلى دعم سوريا والقيادة السورية والشعب السوري فستبقى من دون تغيير».


وكان بإمكان المعارضين ووسائل الإعلام القريبة منهم النظر إلى اللقاء ذاته على أنه ترك الأبواب مشرعة أمام «جوائز ترضية» لهم من خلال حديث المسؤولين الروس في أكثر من مفصل أثناء اللقاء وقبله عن أهمية الحل السياسي والالتزام بمبادئ بيان جنيف واحد والمتضمن فكرة «المرحلة الانتقالية». كما كان بإمكانهم التركيز على ردّة الفعل المتفاجئة للوزير السوري على الأفكار الروسية الجديدة عن تحالف إقليمي ضد الإرهاب والتي قال الوزير متحفظاً عليها إنها «تحتاج إلى معجزة كبيرة»، لكنهم لم يفعلوا. فبينما اكتفى بعض الإعلام السعودي بالإشارة إلى الخبر على الهامش مع خلطه ببعض التطورات الميدانية، كاد الإعلام المموّل قطرياً أن «ينيّم» الخبر في عالم الصمت.

تعلم القيادة في
دمشق أن الإنجاز الأهم المتمثل في الحفاظ على الدولة قد تمّ تحقيقه

ولكن، وبعيداً عن رؤى التأييد والمعارضة، فإن فكرة الرئيس الروسي حول تشكيل تحالف دولي - إقليمي ضد «الإرهاب» بدل التركيز على إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد تعكس حنكة موسكو والمستوى العالي لحساباتها الاستراتيجية على حساب التفاصيل التي يغرق أهل المنطقة أحياناً في ملفاتها، بل إن من الممكن وببعض التفاؤل النظر إلى التصريحات على أنها مبادرة متكاملة للخروج من عنق الزجاجة الذي وصلت إليه مختلف الأطراف السورية والإقليمية والدولية بخصوص الأزمة السورية في الآونة الأخيرة. فسورياً، تعلم القيادة في دمشق ومؤيدوها أن الإنجاز الأهم المتمثل في الحفاظ على الدولة أو ما تبقى منها وفي إبقاء الجيش فاعلاً ومتحركاً ومتماسكاً، رغم النكسات هنا وهناك، قد تمّ تحقيقه بعد أربع سنوات من الحرب الضروس، لكن الأمر لا يتعدى هذا الإنجاز رغم أهميته، أي لا يتعدى إفشال خطة الخصم إلى تحقيق الخطة الذاتية. أما المعارضات المختلفة فوضعت نفسها على خريطة التحركات السياسية في أروقة المؤتمرات الدولية كجنيف وموسكو، والإقليمية كمؤتمر القاهرة، لكنها لم تنجح في التموضع على «الجغرافيا السورية» التي خسرتها لمصلحة أطراف جهادية لا سلطة لها عليها، وإن تبنّت بمراهقة سياسية وإعلامية نجاحات الأخيرة ميدانياً. وإقليمياً، وصل الشدّ والجذب إلى مراحل تنبئ بأن دوام الحال قد لا يكون من المحال من دون مبادرات جديدة. والحال سيئة بالنسبة للجميع. فلا سقوط للحكم في سوريا ولا سيطرة له على كل البلاد، وبينما انشغلت أنقرة لسنوات بمحاولات إسقاط «المنظومة السورية»، تجد تركيا نفسها الآن في وضع دفاعي – رغم الحديث عن تدخل عسكري في سوريا – تواجه فيه «خطر الدولة أو الدويلة الكردية». أما سعودياً فالشجن اليوم يماني، ولا تلوح نهاية للانشغال بهذا الملف ناهيك عن استحالة الانتصار فيه. وإذا ما أُضيف إلى هذا كله «الالتفاتات» المتزايدة لتنظيم «الدولة الإسلامية» إلى الساحة الخليجية من خلال تفجيرات في السعودية والكويت - رغم انشغال التنظيم بالميادين الأهم في العراق وسوريا وليبيا - و«النأيُ بالنفس» أميركياً عن تفاصيل المنطقة، فإن للرياض مصلحة أكثر من أي طرف آخر في كسر الوضع القائم حالياً، وبأي شكل هذه المرة. ولا تغيب قضية الملف النووي الإيراني عن الذهن السعودي، فمن عزل إيران خليجياً وغربياً في السنوات الماضية إلى انعزال خليجي فعلي على يد طهران وواشنطن المنخرطتين في إعادة صياغة علاقاتهما على مستوى استراتيجي، وإن لم تنطقا هذه الكلمة بعد. لكن إيران معنية، وبعدما أثبتت وقوفها إلى جانب حلفائها في سوريا ولبنان، بإيجاد صيغة جديدة لأوضاع المنطقة لا يَسمح بها حتى الآن الاشتباكُ القائم في سوريا ولبنان. وليس الحلّ - كما تتوق بعض أطراف المعارضة – بالتخلّي عن الحلفاء، لكنه قد يكون في مخرج يراعي جميع الأطراف ويحصد ثمار التخندق مع الحلفاء الذين سيبقون حلفاء. وليست أمزجة اللاعبين الكبيرين، موسكو وواشنطن، بمنأى عن مزاجات المنطقة. نجح كلّ طرف في ما نجح فيه، وفشل في قضايا أخرى، ليبقى الاشتباك سياسياً على حاله الأولى بداية عام 2011 رغم تغييرات ميدانية هنا وهناك لاحقاً، كانت أقرب إلى إرباك اللاعبين الكبار منها إلى إمكانية الصرف في أروقة المؤتمرات الدولية. ولا أدلّ على ذلك من تصريحات واشنطن المتناقضة وعبر سنوات عن «تنحي الأسد» وفقدان شرعيته مرة، وعن «الحوار مع الأسد» وضروراته للحل السياسي مرة. عدا عن خلق «المجلس الوطني» ومن ثم إعدامه، وتعويم «الائتلاف الوطني» ومن ثم تحجيمه، مع دعم علني لدول الخليج هنا، وانتقادات نصف علنية لدعم الأخيرة للإرهاب هناك. أيضاً موسكو اضطرت لمناورات سياسية وعسكرية على الساحة الدولية وبخاصة على خلفية اندلاع الأزمة في أوكرانيا التي خسرتها لكن لم تخسر دورها فيها. ولن تغيب المرونةُ الروسية الاضطرارية على من يتابع تحركات موسكو على الساحة السورية، من الثابت في السياسة الروسية تجاه سوريا كالفيتو الحازم في مجلس الأمن إلى المتحوّل كالموافقة على بيان جنيف واحد وتنظيم مؤتمرات المعارضة في موسكو، والصبر على التطورات الميدانية كسقوط إدلب وجسر الشغور، والانفتاحات على عواصم «لدودة» كالرياض وأنقرة، والتي جعلت كلّها كثيرين من أصحاب التحليلات المسطحة يتوجّسون من عكسِ ذلك لانقلاب في الموقف الروسي.
هي إذن - بالقراءة الروسية - قواعد الاشتباك ذاتها والخطوط الحمراء والصفراء والخضراء التي تفرض نفسها في زمن الحرب، وتفرض تفاصيل الخريطة في زمن السلم اللاحق. لكن الجديد هو التعامل مع الاستعصاء القائم كفرصة بدلاً من السقوط في مناحات حول عالم لا يتحرك دائماً كما نريد. ولموسكو سوابق سورية في هذا المجال لعلّ أوضحها قضية «استخدام السلاح الكيميائي» في أواخر أغسطس/ آب عام 2013، والتي نجحت مبادرة روسية متقنة في نزع فتيل الحرب الساخنة التي كادت تندلع بسببها أو بحجّتها، مقدمةً مخرجاً مقبولاً للطرف الأميركي للإبقاء على الحرب فاترة من خلال تخلّي دمشق عن سلاحها الكيميائي بغض النظر هنا عن الخاسر والرابح، والمستخدم والمستفيد. ولعل الوقت قد حان وفق توقيت موسكو لتحويل الحرب الفاترة باتجاه أن تصبح حرباً باردة، بالمعنى الإيجابي للكلمة.
لم يقل الرئيس فلاديمير بوتين ما قاله مصادفة، ولم يحرص على الحديث علناً عن مبادرة تجمع سوريا والأردن وتركيا والسعودية جزافاً، وقد وضع الكرة شكلياً في ملعب الحكومة السورية حين خاطب وليد المعلم أمام الكاميرات قائلاً: «إذا اعتبرت القيادة السورية هذه الفكرة مفيدة وممكنة، فإننا سنبذل كل ما بوسعنا من أجل دعمكم. ونحن سنعتمد على علاقاتنا الطيبة مع جميع الدول في المنطقة لكي نحاول على الأقل تشكيل مثل هذا التحالف». أفكار حازمة تُفرض على دمشق للوهلة الأولى، لكنها وقبل ذلك مشروع خروج من عزلة عربية ودولية ومشروع «إنزال للبعض العربي والدولي من أعلى الشجرة»، ممن لم يعد بإمكانه التراجع عن مواقفه التي اندفع فيها عدائيةً تجاه دمشق من دون خلق معادلة ورؤية جديدتين، على الأقل من حيث الشكل. فمن حيث المضمون لا تغييرات تُذكر. مناطق نفوذ موسكو وحلفائها في المنطقة باتت معروفة وستبقى: لن تنتهي سوريا إلى دولة تسير في المدار الأميركي. ومناطق نفوذ واشنطن وحلفائها هي أيضاً كذلك وستبقى: لن تنتهي الحرب السورية بهزيمة ماحقة لواشنطن «تُعيد صياغة التركيبة الدولية»، إن لم تقلِبها بكاملها. لندخل إذن – وتلك هي الرسالة الروسية إلى الجميع أصدقاء وخصوماً - وكما فعلنا مع العدوّ النازي في أربعينيات القرن الماضي حرباً عالمية ضدّ داعش لنا فيها جميعاً مصلحة مشتركة رغم الخلافات والاختلافات «التي تشوب علاقات الدول أحياناً». وبعد انتصارنا معاً كحلفاء على العدو المشترك سنعود لممارسة لعبة الحرب... التي ستكون حرباً باردة أيضاً هذه المرة.
* اعلامي سوري ــ برلين