فخامة الرئيس،

لقد وجهت منذ أسبوع ونيف رسالة أبوية لكل الأطراف السياسية والمسؤولين لكي يتواصلوا معك فيما خص شعورهم بالغبن. وبما أنني لست بمسؤول سياسي ولا صاحب مركز سلطة ولكنني مواطن لبناني يشعر بالغبن والقهر والحزن على بلده وطريقة إدارة الحكم فيه لسنوات خلت، أتمنى عليك أن توسع بيكار رسالتك ليشمل المواطنين المستقلين عن الزعامات السياسية ولتستمع إلى ما عندهم، إذ أنهم هم الأجدر بالاستماع إليهم بدلاً ممن اعتدت واعتدنا على مطالبهم وحساباتهم…

أتوجه إليك بصفتك رئيساً للبلاد ومؤتمناً على الدستور، لا بصفتك أحد أطراف النزاع والصراع على نهش حصص السلطة. أتوجه إليك منطلقاً من خطاب القسم الذي زنته واعداً فيه بعهد جديد... واسألك: كيف يمكن أن نبني عهداً ينطلق من محاصصة الأفرقاء نفسها للحقائب نفسهم والعقلية نفسها؟ كيف نبني عهداً جديداً طغت على شهره الأول أنغام الانقسامات الطائفية والمذهبية وجلّها بسبب صراعات علياء القوم على مغانم وحصص وزارية وودائع هنا وهناك؟ كيف نبني عهداً على وقع برامج وتقارير وخطابات وسكتشات عنصرية تزيد الشرخ بين اللبنانيين وبين لاجئين على أرضنا من واجبنا العمل معهم على إيجاد حلول لأزماتهم لا أن نزيدهم همّاً فيتحول بعضهم بسبب الغبن الى منطق الخارجين عن الدولة (والتاريخ يشهد)؟ كيف نبني عهداً مع إصرار الأحزاب السياسية على الخطاب الطائفي والمظاهر الواعدة بمؤسسات رديفة تأخذ دور الدولة في السلطة والأمن والتقديمات والحقوق؟ كيف يمكننا أن نبني عهد جديداً لا يقطع (ولو حتى بالخطاب أولاً) مع عهود قديمة نعرف كلنا ويلاتها وعيوبها ونخجل من تاريخها أمام العموم وسائر الأمم؟ كيف نبني عهداً لا يأخذ في عين الاعتبار (كأسلافه) أصوات شريحة واسعة من الشعب اللبناني موزعة بين المسحوقين والمغيبين على تراب الوطن وبين المغتربين والهاربين من أجل لقمة العيش وراحة البال في الخارج - فئة خرجت عن ناموس الطائفية وانتمت في الفكر والممارسة الى منطق الدولة والسلطة المدنية؟ كيف نبني عهداً لا يضع يده بيد أصحاب الباع الطويل من النضال لبناء دولة مدنية تساوي بين المواطنين كافة ويبقي اليد ممدودة والجهود مصبوبة لنفس الجبلة التي بنت كل العهود الماضية بارتباطاتها وولاءاتها للخارج وللمال؟
فخامة الرئيس... لا تظن أن دعوتي هذه هي لسؤالكم عن توزير مستقلين في الحكومة التي لن تعمّر طويلاً... وأغلب الظن أن أحداً من المستقلين لن يرضى الجلوس على طاولة تجمع أقطاباً جل همهم حالياً الحصول على مكاسب تعينهم في انتخابات نيابية آتية. دعوتي هي في وقوفكم إلى جانب الحق. فنحن نريد سماع صوتكم حول استعادة الأملاك العامة وشرارتها في المعركة ضد سرقة الشاطئ العام في الرملة البيضاء. نريد سماع صوتكم حول القرار الجائر بتغريم المتظاهرين ملايين الليرات ثمن رصاصات مطاطية وقنابل مسيلة للدموع ومسيئة للسلطة أطلقت عليهم منذ عام. نريد سماع صوتكم حول اعتقال شاب قد يكون أخطأ في التعبير عن "فشة خلقه" ولكن أيستحق هو السجن أكثر ممن قتل ونهب باسم هذا الوطن؟ نريد سماع صوتكم حول القانون الانتخابي العادل والضامن لتمثيل كل اللبنانيين (وكل اللبنانيين هم اكبر بكثير ممن يختصرهم بضع زعماء وأصحاب رؤوس أموال).


كيف نبني عهداً جديداً طغت على شهره الأول أنغام الانقسامات الطائفية والمذهبية؟

نريد سماع صوتكم حول ملفات الفساد التي تعبق بها نشرات الأخبار كل يوم.
فخامة الرئيس... لقد كان لنا كمواطنين رفعنا خطاب #كلن_يعني_كلن خلافاتنا معك (وأنت الذي بادرت لاعتبارنا سارقي شعارات). وما دفعنا لهذا الشعار كان حماية لنا من المتاجرة بقضايانا المحقة في بازارات الانقسامات السياسية. وما دفعنا لذلك أننا شهدنا وعلى مدى عقد من الزمن خطاب وممارسات حزب سياسي كنت رئيساً عليه، فلمحنا فيه انغماساً في لعبة بقية الأحزاب والنظام اللبناني الحالي من خطاب طائفي وتقاسم مكاسب. أنت طويت في خطاب قسمك الصفحة... وأنت اليوم رئيساً لنا جميعاً، وحكمنا وحكم التاريخ عليك هو بممارساتك وعملك ومبادراتك. فإما أن تقود دفة الدولة إلى ميناء المدنية (ونحن لسنا بِواهمين أو مغمضي العينين عما يجري في المنطقة والتحديات الجمة) وإما أن نخسر جميعاً أملاً في تحييد لبنان عن صراعات إقليمية يتلطى بها البعض لتبرير فسادهم وسوء أمانتهم في إدارة المناصب العامة.
فخامة الرئيس... قد يكون التيار الوطني الحر حزبك السياسي، وقد تكون القوات اللبنانية وحزب الله وتيار المستقبل شركاء في إيصالك للحكم، ولكنك اليوم رئيساً لكل اللبنانيين... وعليك من موقعك كحكم أن تنظر إلى هذه التنظيمات وغيرها بعين الناقد، وان تنظر اليهم ولبقية الأطراف السياسية بعين، والى كافة المواطنين ومصلحة الأمة بعين ثانية... فإن وجدت أن عمل الفئة الأولى مؤذياً للتاريخ والحكم، فأضعف الإيمان أن تجير جوارحك لأصوات الفئة الثانية الأوسع والأكبر امتداداً والعابرة للحواجز والطوائف والأيديولوجيات والفئات الاقتصادية والاجتماعية.
فخامة الرئيس... أنا مواطن لبناني أقسمت أنني لن أهادن مع نظام التمييز والفساد المتلطي بحقوق وهمية ونزاعات تاريخية. أنا مواطن لبناني احترم الدستور والقانون والقوى الأمنية وأقيّمها بمدى التزامها بالعمل من أجل المواطن من دون النظر إلى شبكة علاقاته. أنا مواطن أعاني من غياب الدولة وخدماتها، وخائف على الاستقرار الأمني والمعيشي. أنا مواطن خائف من غياب فرص العمل والدين العام المتمادي والتدهور الاقتصادي. أنا مواطن خائف من تدهور مؤسسات الدولة وطرق تعيين الموظفين وتناهش المناصب من المدراء العامين حتى المتعاقدين. أنا مواطن لبناني مؤمن بحرية التعبير والعمل السياسي وبناء الدولة... ومثلي ألوف سمعتم وبلا شك صوتها هادراً في الساحات العام الماضي وعمل حلفاء وأخصام لك على تطويقها وتمييعها وخنقها وتشويهها. ولكن آن الأوان لكم كرئيس للبلاد للاعتراف بحقها في تقديم نموذج آخر للحكم وللعلاقة بين المواطن والسلطة!
عشنا جميعاً، وعاش لبنان.
* ناشط لبناني