من المعروف أن ولادة ما يسمى وسائط التواصل الاجتماعي وانتشارها عالمياً، فتحا أبواباً جديدة لتلقي المعلومات، صحيحة كانت أو مضلِّلة. انتشار تلقي الأخبار عبر هذا الطريق، يمكن عدّه إحدى نتائج انعدام الثقة بين الحكام والمحكومين، أياً كانت طبيعة النظام. وكنا قد أشرنا من قبل إلى انعدام ثقة الناس بوسائل الإعلام الرسمية، أي تلك التي تُعد جزءاً من المنظومة الحاكمة، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى ولادة مصطلحات جديدة مثل «إعلام الكذب/ Lügenpresse»، و«إعلام الثغرات، إعلام الأخبار المنتقاة/Lückenpresse»، وكذلك إعلام التحريض، و«الأخبار المختَلَقَة/ fake news» الذي تسيد المشهد الانتخابي الرئاسي الأميركي.


الإعلام الغربي أنتج منذ ستينيات القرن الماضي مصطلحاً جديداً من مصطلحات الحرب الباردة، هو «التضليل/disinformation»، واستخدم للإشارة إلى إعلام المعسكر الشيوعي على نحو محدد وإلى إعلام اليسار العالمي على نحو عام، مقابل مصطلح «الحقيقة/ Pravda»، وهو اسم الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. ومن طرائف الأمور أن اليسار الغربي، مع التحفظ على هذه الصفة، بادر الآن إلى استخدام «البرافدا»، للإشارة إلى إعلام المؤسسات الحاكمةmain stream.
انتشار الأخبار، في أي مجال كان، سياسياً أو غير ذلك، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، يمكن أن يكون مفيداً، خصوصاً في مواجهة تضليل الإعلام الرسمي، لكنه خطر من منظور آخر، لأن المرء يميل إلى تلقي الأخبار من مصدر واحد يعجبه، ما يجرده من النظرة النقدية تجاه عالم مضطرب وحروب وفوضى. فنحن نعيش في عالم ما أطلق عليه صفة الإعلام الحربي. وبما أننا نخوض في بلادنا حروباً لا نهاية لها منذ الغزو النابليوني، فالحذر واجب كما تثبت الأحوال الهائلة في بلادنا.
تسيد التضليل الإعلامي قاد علماء اللغات إلى ابتداع مصطلح جديد لوصف العصر الحالي، هو «ما بعد الحقيقة/ Postfaktisch». لكن هذا المصطلح الجديد مضلِّل أيضاً لأنه يوحي ضمناً بأننا عايشنا عالم الحقيقة، وهذا أمر غير صحيح.
ولأن الاقتصاد «تعبير مكثف عن السياسة»، فإن المصطلحات الاقتصادية ليست أقل خطورة من مصطلحات المجالات الأخرى، فمن المفيد الحديث هنا في مصطلح محدد يُتداوَل عالمياً، والمقصود هنا نمط الإنتاج.
عندما كنتُ أدرس إدارة الأعمال في الدولة الرأسمالية الأولى، أي في بريطانيا، في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبرغم أن الحرب الباردة كانت مستعرة، إلا أن النظام الاستعماري كان يواجه هزائم وأزمات خانقة داخلية وعلى المستوى العالمي أيضاً. فحركات التحرر كانت في تقدم مستمر، ومنظومة الاستعمار العالمية في حالة تفكك وضياع. مع ذلك، كنا نتعلم أنّ ثمة نظامين اقتصاديين في العالم هما الرأسمالي والشيوعي. المصطلحان كانا صحيحين لأنهما يشيران على نحو دقيق إلى العلاقة الاقتصادية السائدة في مجتمع ما. فالرأسمالية تعني حكم رأس المال، أو مالك رأس المال على نحو دقيق. أما النظام الشيوعي، فيشير إلى المشاعية. في الوقت نفسه، كنا نتعلم أيضاً أنّ من الصحيح وصف النظام الاقتصادي الشيوعي بأنه «مجتمع الرعاية/ society welfare»، وأن النظام الرأسمالي هو «مجتمع الاستهلاك/ consumer society».
لكن مع مرور الزمن، وتعاظم مشاكل النظام الرأسمالي العالمي، عمدت وسائل الإعلام/ التضليل، في الغرب إلى استحداث مصطلحات جديدة للدلالة على النظام الرأسمالي. الأخير، تحول بعد هزيمة المعسكر الشيوعي، تدريجاً، لكن بخطى ثابتة، إلى «اقتصاد الامتلاء»، ثم إلى «اقتصاد السوق/ Market Economy»، الذي هو تضليلي أكثر من غيره لأنه لا يشير إلى طبيعة العلاقة بين الحاكِم، أي مالِك رأس المال، والمحكوم، أي العمالة المأجورة. فالاستمرار في استخدام مصطلح رأس المال والرأسمالية، صار محرِجاً للطبقات الحاكمة. فالرأسمالية، «الأرض الموعودة»، صارت بين ليلة وضحاها الحاكم المطلق عالمياً، وكل أمراضها ومشاكلها بدأت بالظهور للعيان للضعفاء في الدول الرأسمالية المصنعة، بعدما كانت تتخفى خلف الحرب الباردة والدكتاتورية وما إلى ذلك من مصطلحات الإعلام الحربي الغربي.
بل إن تسليط الأضواء على عيوب النظام الرأسمالي وآفاته وأمراضه المزمنة الملازمة له، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث النظام هناك هو رأس المال النيوليبرالي، أي المتوحش، الذي انطلق في تشيلي ومن ثم في بريطانيا الثاتشرية، استدعى اجتراح مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي/Sozialmarkt Wirtschaft»، المستخدم في الدول الأوروبية المصنعة، تمييزاً له من الاقتصاد النيوليبرالي.
صحيح أن النظام الرأسمالي في ألمانيا، التي عشت وعملت فيها نحو ثلاثة عقود، كان يقدم مزايا اجتماعية لا يتوافر مثيلها في دول أوروبا الغربية الأخرى، لكنها كانت حالة استثنائية بسبب حالة الصراع/ التنافس/ الحرب إعلامية... إلخ، مع ألمانيا الشرقية. معظم المزايا التي كان سكان ألمانيا الغربية يحصلون عليها تبخرت مع هزيمة المعسكر الشيوعي والتحاق ألمانيا الشرقية بالغربية («التحاق» وليس وحدة أو «إعادة وحدة» ــ هكذا الاسم الرسمي لعقد «الوحدة»). وبدأت المشاكل الاجتماعية في ألمانيا بالتفاقم لدرجة أن كثيراً من علماء الاقتصاد ومراكز الأبحاث النخبوية (think tank) بدأت تشعر بأخطار استمرار عملية تمركز رأس المال في أيادٍ قليلة وتآكل تأثير الطبقة الوسطى التي تشكل الأساس الشعبي للنظام، وصاروا يحذرون من أخطار استمرار تسلط النظام النيوليبرالي على استقرار المجتمعات في الغرب، وهو خطر تتضح صحته في صعود اليمين المتطرف في دول أوروبية عديدة منها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولونيا والمجر والنمسا وغيرها.
مع أن اليسار كان يطلق على النظام الاقتصاد في ألمانيا الغربية «نظام الثلثين»، أي إن رفاه ثلثي المجتمع يعيش على حساب بؤس الثلث الأضعف، إلا أن مراكز الأبحاث النخبوية صارت تفضل الحديث عن «اقتصاد السوق» رافضة اللازمة «الاجتماعي»، وتحذر على نحو مستمر من تبعات المضي قدماً في السياسات النيوليبرالية، لكن من دون فائدة. فرأس المال ليس على استعداد للمساومة على تحكمه المطلق بالمجتمع أو بأي أرباح خيالية إضافية يحققها من خلال النيوليبرالية «إذا وصل مقدار ربح الرأسمالي إلى الضعف، فإنه على استعداد للتضحية بكل شيء، حتى لو قاده ذلك إلى حبل المشنقة».
لذا، إن استخدام مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي» هدفه تضليل المجتمع ومحاولة لإخفاء هيمنة رأس المال والرأسمالية على مقدرات بلاد ما بما فيها من حجر وبشر! فلننظر إلى مصير الدول العربية البائس بسبب رضوخها لإملاءات رأس المال العالمي وأدواته.