«إنّ اسوأ سياسةٍ هي الهجوم على المدن، لا تهاجم المدن الّا حين لا يكون أمامك أيّ خيار آخر» ــــ صَن تزو


يعتبر العديد من المؤرخين العسكريين أنّ أوّل مثالٍ حديثٍ على حرب المدن، بمعنى «حرب الشوارع»، كان خلال حصار سرقسطة (ساراغوسا) الإسبانية من قوات نابليون عام 1809.

كانت الجيوش الإسبانية تتقهقر في اتجاه سرقسطة بعد هزيمتها في معركة توديلا، والجنرال الفرنسي لوفيفر يطاردها بقوات أكبر منها بكثير. حين وصلت بقايا الجيش الإسباني الى سرقسطة، كان المسار التقليدي في حالةٍ من هذا النّوع هو أن يتواجه الأسبان والفرنسيون في مكانٍ مفتوحٍ خارج المدينة، ثم يدخلها المنتصر فاتحاً. منذ العصور الوسطى، كانت معارك المدن تتوقّف فعلياً على الأسوار: من يخترق الأسوار ويمسك بها يسيطر تلقائياً على المدينة، التي تستسلم له أو يستبيحها، فلا معنى للقتال في الشوارع. أمّا في عهد نابليون، فقد ألغت المدفعية حصانة الاسوار الأوروبية القديمة، ولم تعد هناك إمكانية لحصارٍ طويل (المدفع، في أواخر القرن الثامن عشر، كان يقدر على ضرب الأسوار من مسافة ميلين). ولكن في ساراغوسا، فهم القائد الإسباني، بالافوكس، أنّه لا يملك حظّاً في الصمود أمام الفرنسيين في مواجهةٍ مفتوحة، فقرّر أن يحوّل مدينته الى حصنٍ كبير وأن تكون هي ميدان المعركة.
تحيط بالمدينة، من جهتين، مجموعةٌ من الأديرة القديمة الضّخمة والمبنية من حجر صلد، حوّلها الإسبان الى قلاع ووصلوها بساترٍ ترابيّ وضعت عليه مرابض المدفعية. من جهة الجنوب عدّلوا مسار نهرٍ ليكون بمثابة حاجزٍ مائي يحمي الجبهة، ثمّ حضّروا حصوناً على مداخل المدينة وفي النقاط المشرفة، ليصبح استيلاء الفرنسيين على أيٍّ من هذه المواقع الإجبارية مكلفاً ومعقّداً. ولكنّ التحضيرات الكبرى كانت داخل المدينة نفسها؛ جنّد بالافوكس أكثر من عشرة آلاف سرقسطي ليشاركوا في الدّفاع، ثمّ قسّم المدينة الى مربّعات صغيرة، أصبح كلٌّ منها حصناً مستقلّاً، وثُقبت الجدران ليتمكّن المدافعون من الانتقال بأمان بين مباني كلّ مربّع. وزّع الإسبان مدفعيّتهم لتكون فوهاتها موجّهة صوب الشوارع الرئيسية وشرايين المدينة والسّاحات العامّة، التي سيتقدّم عبرها الفرنسيون. وضعوا المدافع والقناصة في أبراج الكنائس وعلى الطوابق العليا، وكان بالافوكس بنفسه يشرف على المعركة من قلب مبنىً حصينٍ يعود الى القرون الوسطى.

خرافة ستالينغراد

ماذا كانت النتيجة؟ بعد شهرين من الحصار والقتال، تمكّن الفرنسيّون من تحطيم الدفاعات الخارجية لسرقسطة، ثمّ تقدّموا في أحياء المدينة واحتلّوا وسطها وأجبروا القيادة الإسبانية على الإستسلام. قُتل خمسون ألفاً بسبب المعارك والأمراض، منهم 35 ألفاً من أهل مدينةٍ كانت تعدّ 55 ألف ساكنٍ عام 1808. في كتابه عن حرب المدن، يقول انتوني جوز إنّ كلاوسفيتز عدّد ثلاثة شروطٍ أساسيّة لنجاح أيّ حركة تمرّد: أن تتحرك على مساحاتٍ كبيرة وبشكلٍ لا يسمح بالتنبؤ بحركتها ومحاصرتها؛ أن تظلّ بعيدةً عن السواحل، حتى لا يتمكن العدوّ من مفاجأتها بالإنزالات؛ وأن تختار أرضاً صعبةً لا تقدر الدّولة على الوصول اليها بسهولة. كلّ هذه الشروط غير متوفّرة حين تكون محاصراً في مدينةٍ، ولهذا السّبب، فإنّ كلّ الأمثلة التي رواها جوز في كتابه، من وارسو عام 1944 الى غروزني، انتهت الى النتيجة ذاتها: هزيمة المدافع المحاصَر، وثمنٌ هائلٌ يدفعه المدنيّون. ولا يوجد استثناءٌ واحد.
السّبب الوحيد للقتال في ظروف حصارٍ هو وجود أملٍ في قدوم نجدةٍ تنقذك (كما حدث في فيينا مع العثمانيين، أو في ستالينغراد) أو في أن يتعب المهاجم ويفكّ حصاره ويرحل. في القرون الوسطى كانت حصارات المدن تدوم أحياناً لسنوات، ولكن، ما أن يطبق الحصار وتُعزل المدينة، حتى تصبح النتيجة محسومةً، ولو آجلاً. حرب الحصار واقتحام المدن تحوّلت في القرون الوسطى الى ما يشبه عملية «ميكانيكية». خطّ رئيس المهندسين لدى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، سيباستبان دو فوبان، «دليلاً إرشادياً» لكيفية إخضاع مدينة مسوّرة: تحفر خنادق ثمّ تغطّيها، ثم تمدّها حتّى تقترب من الأسوار، ثم ترسل المنقّبين والمهندسين لنبش الأساسات وتفخيخ السّور. وحين تقرأ كتاب رودز مورفي عن «الحرب العثمانية»، وتوصيفه لحصار بغداد عام 1638، تكتشف أنّ الأدوات والخطوات كانت متشابهة مع تكتيكات معاصريهم الفرنسيين الى حدّ التّطابق.
«ستالينغراد»، كرمزٍ وشعار، خلقت وهماً شائعاً عن الحرب المدينية وعن إمكانيّة أن تقف مدافعاً، في وجه آلة حربٍ كبيرة تحت الحصار، وتنتصر ببطولة (وقد فكّر البعض في تطبيقها في بيروت عام 1982). في الواقع، ستالينغراد هي مثالٌ معاكسٌ بالكامل لهذه الفكرة، إذ خاض السوفيات معركة تأخيرٍ بينما الإلمان يتقدّمون بنجاح على طول المدينة (ستالينغراد تشبه مستطيلاً طويلاً على نهر الفولغا، وقد حوّل السوفيات كلّ جزءٍ منه، وفي قلبه مجمّع صناعيّ، الى عقدةٍ دفاعية). كان الهدف هو دعوة الجيش السادس الألماني الى «فخٍّ»، حين يصير منتشراً في عمق المدينة، فتضرب الجيوش السوفياتية من الخارج جناحيه وتعزله داخلها، فيصبح محاصَراً بعدما كان مهاجِماً. وحين أطبق الحصار أخيراً على الألمان وانقطعت عنهم الإمدادات في ستالينغراد، استسلم الجيش بكامله بعد أقلّ من شهرين.

البريء يدفع الثمن

الفكرة هي أنّه، حين تتمّ محاصرتك عبر عدوٍّ متفوّق، ويختار هو ــــ براحةٍ ــــ أسلوب القتال ونقاط الضّغط ويستخدم الوقت والنّار والجوع ضدّك، فأنت لا تملك أملاً في النّصر. السّبب الوحيد الذي جعل المدافعين عن ستالينغراد وغروزني يبلون بلاءً حسناً هو أنّ الحصار حول هذه المدن لم يكن مكتملاً وظلّ للمدافعين منفذ (هذا ايضاً ما فعله الجيش العراقي مؤخّراً، حين جرّب اقتحام الموصل من شرقها قبل أن يسيطر على محيط المدينة ويقفله على المدافعين، فتمكّن «داعش» من تحويلها الى معركة استنزاف). ظلّ السوفيات على طول معركة ستالينغراد يتلقّون الإمداد ويخلون الجرحى عبر نهر الفولغا، فيما في غروزني عام 1994، حاول الرّوس اقتحام العاصمة من جهتين مع ترك جبهةٍ كاملة مفتوحة للشيشانيين. فاستخدمها دوداييف ومسخادوف لتنظيم الإمدادات وتأمين الإنسحاب، ولم يكن هدف المعركة الصمود في المدينة، فهي سقطت في النهاية، بل تأخير الرّوس وتكبيدهم خسائر تكسر لديهم إرادة القتال (بالمناسبة، أكثر الضحايا المدنيين في معركة غروزني الأولى كانوا من القومية الرّوسية، وليس من الشيشانيين؛ فالمباني السكنية الكبرى في وسط العاصمة على طول الجادات الموصلة الى القصر الجمهوري ــــ وهو كان نقطة الدفاع المركزية ــــ كانت مساكن للمهندسين والتقنيين في غروزني، وغالبيتهم من القومية الروسية، ذهب المئات منهم ضحايا للقصف الروسي والمعارك).
في وارسو عام 1944، حين حاول القوميون البولنديون الاستيلاء على العاصمة، لم يحتسبوا لخوض حرب حصارٍ ضدّ الألمان، بل كانوا يأملون بأنّ النّازيين، مع اقتراب الجيش السوفياتي الزاحف، سينسحبون من المدينة ويتركونها لهم، فلا تقع تحت سيطرة موسكو والجيش الأحمر. ولكن الالمان حوّلوا وارسو الى معركة تحدٍّ، فيما انتظر السوفيات، ببساطة، خارج المدينة بعشرات الكيلومترات حتّى يصفّي الخصوم بعضهم. بالنسبة الى أهل وارسو، كان ثمن سوء التقدير هذا باهظاً الى أقصى الحدود. قُتل ما يقارب ربع مليون مدني، ومُسحت المدينة القديمة بالكامل. يقول جوز إن الألمان لم يقصفوا أيّ بقعةٍ خلال الحرب العالمية بالعنف الذي وجّهوه ضد قلب وارسو التاريخي. في ستالينغراد، قُتل أكثر من 44 ألف مدني في «القصف التمهيدي»، من الجوّ وبالمدفعية، قبل أن تبدأ المعارك الفعلية ويتمكن الروس من إجلاء المدنيين الذين لا حاجة لهم. لهذا السّبب كان ماو تسي تونغ يحذّر الثّوار من دخول المدن، ويصرّ على أن يقاتلوا فقط حيث يملكون الأفضلية، وأن يسيطروا على الأرياف حتّى تسقط المدن لوحدها وتستسلم. حتّى لينين، الذي قامت حركته ــــ على العكس من ماو ــــ بالسيطرة على المدن ومن ثمّ الإنطلاق منها لغزو الريف، كان يحذّر البلاشفة من استخدام أسلوب الإرهاب وحرب المدن، لأنه يفصلهم عن الشعب ويخلق تناقضاً بين الأهداف السياسية ومصالح الناس.

حلب

أمّا في حلب السّورية، فقد دارت معركة حصار، لسنوات، تبدّلت فيها كلّ القواعد أعلاه، ببشاعتها وقسوتها وكلفتها على النّاس العاديّين. قتل الآلاف وهجّر الملايينٍ من أهل المدينة، وخاض من تبقّى ــــ وهم أكثر من مليون ــــ حياةً شبه مستحيلة. كان كلّ شطرٍ في المدينة يحاول أن يحاصر الآخر، وكما وقعت حلب الشرقية تحت حصارٍ في الأشهر الأخيرة، ظلّت حلب الغربية، هي الأخرى، تحت حصارٍ قاسٍ دام أشهراً طويلة رهيبة (من أوّل ما فعلته الفصائل المسلّحة حين استولت على شرق حلب، مثلاً، كان قطع المياه عن غربها). كان «فكّ الحصار» عن نصف حلب يعني، حكماً، حصار نصفها الآخر، وهي معادلة استمرّت حتى نهاية المعركة. قصف وتدمير حلب لم يحصل في الأسبوعين الماضيين (ولا يمكن تدمير مدينة في أسبوع)، بل خلال سنوات من الحرب المستمرّة القاسية، والتهجير، ونهب الأسواق القديمة والمعامل والمصانع، وتخريب ما لم تمكن سرقته.
سقطت القذائف على شطري المدينة، ومع أن القوة التدميرية للجيش السوري والطيران الروسي أكبر من قوّة المعارضة بما لا يقاس، وقد تحوّلت أحياء وشوارع كاملة في حلب الشرقية الى ركام، وقُتل الآلاف في الغارات، وأصبحت حلب القديمة، بمساجدها وخاناتها وكنوزها الأثرية، خراباً بسبب القتال، الّا أنّ قصف حلب الغربيّة لم يكن تفصيلاً وإن غاب عن سردية الإعلام. ففي غرب حلب، حيث الكثافة السكانية مرتفعة للغاية (ظلّ في غرب المدينة على طول الحرب أضعاف ما في شرقها)، أصبحت الحياة جحيماً بسبب القصف المستمرّ، وقُتل الآلاف من الأبرياء (أي ما يفوق ضحايا معارك الأسابيع الماضية، مقاتلين ومدنيين)، وهجر المدينة أكثر من يقدر على الهجرة. كما أن اتّفاق خروج المحاصرين في شرق حلب سيرافقه خروج المدنيين المحاصرين منذ أكثر من سنة في كفريا والفوعة (وهو حصارٌ آخرٍ قاسٍ قلّما نسمع به).
أكثر من يرفع الصوت على حلب هذه الأيّام، خاصّة بين النخب والمثقفين، يشعر بأنّه تلقى هزيمة سياسيّة وعسكرية، وهذا لا ضير فيه، والمنطقي هنا هو أن تعرض موقفك السياسي ومعنى ما يجري من هذه الزاوية. ولكن أن يتمّ تقديم هذا الموقف على أنّه «موقف أخلاقي» مطلق، فهنا المشكلة. حرب المدن، تاريخياً، هي ايضاً ميدانٌ خصبٌ للكذب والبروباغاندا، وقد جرت في السنوات الماضية عادةٌ في الدعاية السياسيّة تضاعف هذه النّزعة، وتدفع النّاس الى السير في طريقٍ يعاكس المنهج النّقدي في التفكير. بديهياً، حين تشهد حالة حربٍ وتغيير وانعدام يقين، وضخّاً مستمرٍّا للدعاية، فإن أوّل ما تفعله هو ِأن تدقّق وتتأكّد من الوقائع، حتى تعرف ما يجري فعلاً وتفاصيله وحجمه، ولا تبني على زيف. ثمّ تناقش هذه الأحداث وتستخلص منها معاني؛ ثمّ تبني على أساس ذلك موقفاً. الّا أنّ منطق «الحملات السياسية» التي تقوم على التجييش، في الشرق وفي الغرب، تطالبك بعكس هذه المنهجية. عليك أن تبدأ بتبنّي «الموقف الصحيح»، ثم تقبل «الوقائع» التي تقدّم اليك كما هي، ولو من دون دليلٍ أو مصدر. بل أنّ التمحيص في الوقائع ــــ والتشكيك في ما تقدّمه آلة الدعاية ــــ يُعتبر مكروهاً أو تواطؤاً. هذه هي الوسيلة المثلى لخلق جماهير بلا نقديّة وتحويل العقل المفكّر الى أداة. هذا النمط من الحملات السياسية، كما كتب الزميل محمود المعتصم، يمنع الجماهير من «إدراك التاريخ بوصفه تاريخاً»، أي سرديّة مترابطة ومتّصلة سببياً ومفتوحة على النقاش والمعاني السياسية، بل كمجموعة أحداث ومعارك وأزمات صارخة متفرّقة (يوماً حلب ويوماً الفلوجة ويوماً بنغازي أو صنعاء)؛ لا يربطها رابط ولا توضع في سياق واقعي. بل توظّف في حملة موجّهة سياسياً، لا تريد أن تناقش أو تحاجج أو تنتقد رأياً معيّناً، بل تريد أن تفرض عليك ما تقول، وأن تكرّر لهم ما يريدون سماعه. لهذا السبب تكون هذه «الحملات»، بطبيعتها، انتقائية، موجّهة، مفارقة للوقائع، تحشد لحماية أناسٍ وتسكت على انتهاك آخرين، تنشط في أوقاتٍ وتهمد في أوقات، ولهذا يقع تأسيسها «الانسانوي»، حكماً، في تناقضٍ مستمرّ.
كلّ هذا معقولٌ ومتوقّع، فالدّعاية فنّ وأنت، حين تكون بعيداً عن الميدان، لا تتواصل مع المعركة عبر التجربة المباشرة، وأكثر نقاشات العرب عن سوريا تكون نقاشات داخلية أكثر مما هي تتعلّق بسوريا والسوريين. ما هو غير معقولٍ هو أن يقوم «المتفرّجون»، خارج الميدان، بالتّشاوف الأخلاقي على أناسٍ يعيشون في بلادٍ تجتاحها الحرب، وتواجههم خيارات صعبة وحياتهم مهدّدة؛ بل لا يخجل هؤلاء (من كلّ الأطياف والمعسكرات) من الذهاب الى السوريين، الذين يدفعون وحدهم الثمن كاملاً، ليلقّنوهم «الموقف الصحيح»، ويخبروهم عمّا يجري في بلادهم، ويقرّروا للحلبيين كيف يجب أن يشعروا تجاه انتهاء الحرب في مدينتهم ــــ هم يعتقدون، ربما، أن لعبة المزايدة والدعاية والشتائم على الشبكات الاجتماعية لها معنىً في العالم الواقعي. حين تكون وسط التهديد والمأساة، ماذا تفعل مع من لا يطرح نفسه صديقاً ولا حليفاً، ولا يريد النقاش معك ولن تتعلّم منه. بل أنّه، حتّى، لا يشكّل عدوّاً حقيقياً يمكن أن تهابه وتحترمه؟ أقصى ما يمكنك فعله هو أن تلتفت الى تحدياتك، وأن تتجاهله حتى تنتهي المعركة.