وصفني أسعد أبو خليل في مقاله بما يلي: «الكذب، الزهو بالإجرام، مجرم حرب، انعزالي، جرائمه وطنية، لم يأسف على جرائمه، يقول كلاماً فارغاً، عمل في جهاز صنيعة الموساد، ثم أصبح صنيعة المخابرات السورية، له أدوار ومسرحيات، لا يزال حريصاً على أمن العدو الإسرائيلي، ولاء حاضر لكل جهاز مخابرات أجنبي تعامل معه، وغيره من الكلمات والاتهامات».


أبدى استياءه من منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس محمود عباس (لاعتذارهم المشكور والسبّاق من لبنان سنة 2007)، والكنيسة المارونية والرهبانيات المارونية، وإبراهيم قليلات والمرابطون، وعلياء الصلح، وعثمان الدنا، وسليمان العلي، والوزير فيصل أرسلان، والوزير طلال أرسلان، والمرحوم الرئيس رفيق الحريري حتى يتساءل القارئ على من يرضى الكاتب؟
عندما قال لي صديق للكاتب إنه سوف يرسل كتابي إليه شجعته لأنني ظننت انه بعد أن يقرأ سيفهم أكثر ما أحاول فعله ولماذا خصصت أكثر من 16 سنة من حياتي، أي منذ أن قررت التغيير العلني كي أدور على المدارس والجامعات والجمعيات والجمهور اللبناني، كما أن أجول على الكثير من السياسيين وضحاياي أو أقاربهم طالباً منهم، المغفرة وأحاول أن أعوّض وأكفّر عن أعمالي الحربية. نعم زرت الفلسطينيين وطلبت مغفرتهم ولا أزال أطلب مغفرة كل فلسطيني أحس أنه بحاجة إلى أن يسمع ذلك كي يشفى من جراحه. وجراحي ليس من أحد يداويها!
أسفت لأن الكاتب قرأ الكتاب وعلّق عليه من عقله لا من قلبه. آسفني أن يكون لا يزال يحمل هذا القدر من الوجع بسبب الحرب الأهلية فتحوّل إلى حقد يعميه عن الحقائق الواضحة التي أكتب عنها، وأعبّر فيها في كل لحظة عن الأنا الحالي النادم عن أخطاء وخطايا الأمس.


أقترح عليه ألّا يلوم
ويشوّه حاضر شخص استفاق
وأحسّ بفداحة المسؤولية

أسفت أيضاً، إذ لاحظت ولعل الخطأ هو في طريقتي بالكتابة وبتداخل الماضي مع الحاضر في تبويب الكتاب، إن الأمور التبست عليه فخلط بين ما عبّرت عنه بين مشاعري ومعتقداتي في الماضي وما أنا عليه اليوم. لذلك أقترح عليه، وحفاظاً على الحق، أن يقرأه مرة جديدة من هذا المنظار والمنطق فيتوضح الالتباس الذي وقع فيه.
ثم إنني لاحظت أن غيظ الكاتب جعله يقرأ الكتاب وكأنه يدرس نصاً ففنّد التفاصيل وغاب عنه الأساس وهو الروح. يعيب عليّ الكاتب مراراً على التزامي الديني، أتفهم ذلك وأردّه إلى خلفيته الشيوعية الملحدة، ولكن اقترح عليه أن يحترم فكرة أنّ إيماني وتديّني الواعي الجديد الحقيقي هو السبب الأساسي الذي جعل مني إنساناً جديداً، وهو أيضاً فهمي المتأخر أن المسيحية محبة ومحبة فقط.
أما في المحتوى السياسي والتاريخي للحرب اللبنانية وأسبابها، أظن أنّه لا يمكن لبروفيسور جامعي يُعلم مادة العلوم السياسية أن يتجاهل أنّ النظام الطائفي اللبناني والانقسام بين اللبنانيين وقلة العدالة الاجتماعية والسياسية، كانت مكونات سهّلت نشوب الحرب الأهلية، إلا أن التواجد العسكري الفلسطيني حينها وتصرفاته وتسلطه على اللبنانيين، كما تعديه على الجيش والقوى الأمنية وسيطرته على الجنوب اللبناني ومناطق واسعة أخرى في الداخل، وتدخل الفلسطينيين في الشؤون السياسية الداخلية هو السبب الأساسي في اندلاع الحرب اللبنانية وتأججها مراراً بعد محاولات عديدة لوقفها.
ثم وأنا أقرأ المقال، سألت نفسي هل المسيحيين الذي قُتِلوا خلال الحرب انتحروا أو أن أحداً من الفريق الآخر قتلهم وخطفهم ونكّل بهم؟ هل أسعد شفتري وفريقه سابقاً هم وحدهم من خاض الحرب البشعة؟ نعم أنا أوافق على وصفه للحرب بالبشعة وجرائمها بشعة أيضاً. لكن أقترح عليه أن يعيد النظر كخبير ويعترف أننا كلنا اخطأنا، وكلنا أجرمنا بحق الوطن. وإن كان علينا أن ندفع الثمن فتعالوا ندفعه اليوم قبل الغد إنما جميعاً وليس فرداً واحداً أو جهة واحدة.
أقترح عليه أن لا يلوم ويشوّه حاضر شخص استفاق يوماً وأحسّ بفداحة المسؤولية، وبدلاً من أن يتهم الآخرين أقر بخطئه وفهم أن التغيير لن يأتي بالاتهامات المتبادلة بل بالحقيقة الشخصية. أنا كنت حقيقياً يا سيدي في ما كتبته عن نفسي. لم أبغ أن أعيد كتابة الماضي بل الاعتراف به من أجل غد أفضل.
تقول إن ندمي مزيّف ولا تثق بي وهذا حقك. إنما هل تساءلت ما الذي جعلني أقدم على طلب المغفرة؟ عند نهاية الحرب لم يمدّ أحد اصبع الاتهام نحوي أو اتهامي بأي شيء، لأن عملي كان في الكواليس حتى يوم مشاركتي في مفاوضات الاتفاق الثلاثي. إحساسي بالذنب ثم بالمسؤولية تجاه وطني، وخاصة محاولتي إنقاذ الأجيال التي ستعقبنا من الدخول مجدداً في الدائرة الجهنمية التي أدت إلى انفجار الوطن والعنف مجدداً حَتَّمت عليّ أن أتقدم بطلب المغفرة ومسامحة الآخرين من جهتي ومحاولة التصحيح. كما وتوضيحاً لظنونك، آثرت منذ أن أترك عالم السياسة والعنف وأن ابتعد كل البعد عن أي موقف سياسي، ولم أصرح كما تدعي بأي شيء يمتّ إلى السياسة بصلة.
أما موضوع المعلومات عن الإسرائيليين وتشكيك الكاتب بولائي للبنان، فأنا اقترح عليه إعادة قراءة الفقرة حول هذا الموضوع. انت وأنا نعلم أن أي معلومات كنت أملكها حول هذا الموضوع أصبحت قديمة وغير نافعة لمرور الزمن وتغير الكثير من الأمور منذ تاريخ قطع علاقاتنا مع إسرائيل سنة 1985، فلماذا هذا التلميح وكأنه استباحة لدمي. أطمأنك أن دمي أعطيه من دون سؤال ومجاناً لكل ما ينقذ بلدي اليوم من الانقسام والبغض، فليتك تساعدني في الحفاظ عليه لهذه الغاية.
عزيزي الدكتور أسعد أبو خليل، بدلاً من أن نتراسل كلبنانيين عبر صفحات الصحف والإعلام لنكئ الجراح، تعال نفكّر ونبني المستقبل معاً في ما هو أفضل وأنجع لوطننا. تعال نتعلم من الماضي وننقذ المستقبل خيراً من أن نستغله لمزيد من الانقسام. وإن كان من ثمن يجب أن ندفعه عن أعمالنا خلال الحرب وما تلاها من سنين دعنا ندفعه كلنا وليس فقط أول شخص اعتذر بكل صدق عن ماضيه وكأنه وحده المسؤول عن الحرب الأهلية.
تعال معاً نكتب التاريخ... كل التاريخ ومهما تعددت وجهات النظر لو لم نتفق عليه لنفهم أننا كلنا أخطأنا، وعلينا جميعاً أن نتحمل مسؤولية كتابة المستقبل مستفيدين من أخطاء الماضي. نعم بشير الجميل نقطة خلاف كبيرة لأن قسماً من اللبنانيين لا يزال يعتبره بطلاً قاوم الاحتلال الفلسطيني (ولو كان الثمن غالياً ومؤلماً)، ولولاه لكان لبنان اليوم ذا وجه آخر، كما أن قسماً آخر يعتبره خائناً لا بعدها خيانة. وهذا مثل من أمثلة مواضيع التاريخ الشائكة. نكتب وجهتي النظر وندع القارئ سنة 2100 يبني لنفسه رأياً معيّناً.
عزيزي الدكتور أبو خليل، تعال معي ندعو اللبنانيين إلى أن ينتقلوا من وضع الضحية إلى وضع المسؤول. تعال ندعو كل لبناني يحلم بالتغيير إلى أن يبدأ التغيير في نفسه وأعماله. المستقبل هو ما نكون عليه نحن اليوم.
أنا أريد أن أحبك، وأريد أن أعمل معك... فماذا عنك؟