لندن | أثار تصاعد العمليات العسكريّة الروسيّة في سوريا، وإعادة بسط الحليف السوري سيطرته على ذلك الجزء منها الذي كان اختطفه المسلحون منها بدعم غربي لا محدود، ومن ثم الأنباء عن إعادة فتح الجبهة الأخرى ــ هناك في شرق أوكرانيا ــ وكذلك اندلاع حروب التصريحات بين روسيا والولايات المتحدة حول تدخل روسي مزعوم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة، وقرار الرئيس بوتين في أكتوبر الماضي بالانسحاب من معاهدة تخفيض مخزونات البلوتونيوم (عام ٢٠٠٠)، إلى إطلاق جدل واسع في الأوساط السياسيّة حول عودة ما سمي بأجواء الحرب الباردة بين الدولتين العظمتين.


واندفع البعض إلى تشبيه الأزمة الملتهبة حول معركة تحرير حلب بأزمة الصواريخ الكوبيّة في عام ١٩٦٢، تلك الأزمة التي كادت بسبب رعونة الإدارات في البلدين تأخذ الكوكب إلى هولوكوست نووي يقضي على شكل الحياة البشريّة المعروفة.
الحقيقة أن استدعاء الأحداث التاريخية الماضية لتفسير الواقع أمر ربما لا غبار عليه لفهم جذور الأزمة، لكن اعتبار أن التاريخ يعيد نفسه هنا يظل أقرب إلى السذاجة منه إلى الاحتراف النظري، فالتدقيق في أزمة صواريخ كوبا ١٩٦٢ ومعطيات الأمور على مستوى التحليل الاستراتيجي الكلّي، تشير إلى أن مدخلات منظومة الأزمة اليوم مختلفة بالكليّة عن تلك التي توفرت في ١٩٦٢، وأن ما يجمع الحالين هو في معظمه مفهوم التأزم المتصاعد لا أكثر، في إطار استمرار للحرب الباردة ذاتها التي بدأت فعلياً منذ انتصار الثورة الروسيّة واستمرت ــ بشكل أو آخر ــ منذ ذلك الحين بما فيها فترة الصراع الكبير خلال فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حتى لتبدو معها مرحلة بوريس يلتسين في المشهد العام بمثابة انقطاع مؤقت للكهرباء لا أكثر.
يقول جون لويس جاديس ــ وهو من أهم مؤرخي الحرب الباردة ــ إن الكثير من المعلقين لا يعلمون الأسباب الحقيقية التي دفعت بالزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف إلى إرسال دفعة الصواريخ التكتيكية إلى الجزيرة الثائرة، كوبا. الدافع لم يكن في الحقيقة سوى إظهار الدعم لكوبا، تشجيعاً لثورات شيوعية أخرى محتملة في أميركا اللاتينية. لقد كانت القيادة السوفياتية شديدة السعادة بانتصار كاسترو ورفاقه من دون تدخل يذكر من طرفهم، أقله مقارنة بالتكلفة الباهظة للاحتفاظ بالأنظمة الشيوعيّة في شرق أوروبا. لكن بحساب المنطق البارد، فإن كوبا كانت بعيدة جداً عن موسكو، وهي منطقة نفوذ أميركي بحكم الجوار والحتميّة الاستراتيجية، وبالتالي فإن الروس لم يكونوا ليعبأوا كثيراً لو أن الجزيرة سقطت في وقت ما. ولو تركت الأمور لموسكو، لعادت كوبا جمهوريّة موز أميركيّة أخرى منذ عدة عقود، لولا عناد الثوار الكوبيين، وقيادتهم الشديدة العنفوان.


روسيا الأمة نفسها اليوم ليست الاتحاد السوفياتي البائد

الأمور في حلب ٢٠١٦ مختلفة تماماً عن كوبا ١٩٦٢. الروس في سوريا اليوم (وهم كذلك في أوكرانيا بالطبع) يدافعون عن حدودهم ومصالحهم ومناطق نفوذهم المباشرة، وهم عازمون فيما يبدو على إفشال قيام أنظمة موالية للغرب على بواباتهم الشرقية أو الجنوبية مهما كلّف الأمر.
ليس ذلك فقط، فسيكولوجيا القيادة الروسيّة اليوم مختلفة تماماً عنها أيام الاتحاد. الرئيس فلاديمير بوتين ليس الرفيق خروتشوف القصير النفس والمتسرع والعاطفي، بل هو زعيم قومي قوي داخلياً، لديه ثقة عالية بالنفس، ويواجه الغرب وفق منظور استراتيجي مدروس، ويبدو أقرب إلى أن يكون قيصراً جامحاً من سلالة رومانوف أكثر منه أن يكون لينين جديداً.
روسيا الأمة نفسها اليوم ليست الاتحاد السوفياتي البائد. الأخير كان ديناصوراً أيديولوجيّاً قد بدأ يهرم ويقترب من نهاية عمره بعد التجربة الستالينية العقيمة. روسيا اليوم دولة رأسماليّة فتيّة، لها تدخلات لا حصر لها في منظومة التشبيك الخاصة بالاقتصاد الرأسمالي المعولم، وهي أعادت بناء طبقتها الوسطى وثقافتها القوميّة، وبنت مصادر قوة عسكريّة واقتصاديّة متنوعة منطلقة في مسار جديد طموح. بل، يعتقد مراقبون أن العقوبات الاميركية والأوروبيّة على موسكو ــ وإن أثرت اقتصادياً سلباً على المدى المباشر والقصيرــ، فإنها وعلى المدى الطويل ربما تكون حققت للروس فرصة لاستكمال بناء أدوات الاستقلال الذاتي، وتعميق الاستغناء عن المستوردات الاستهلاكيّة من السوق الأوروبيّة، والانكفاء إلى الشرق لبناء علاقات أكثر منطقيّة مع محيط متعطش للمزيد من التعاون الإقليمي (الصين وإيران).
الإدارة الأميركية اليوم أيضاً ليست إدارة جيه. إف. كينيدي ــ الرئيس الشديد الشعبية ــ والمندفعة نحو بناء الإمبراطوريّة بلا تريث، والإدارة المستقرّة بعد تسلمها السلطة منذ وقت قريب، بل هي مرحلة فقدان الوزن بين إدارة راحلة لا تريد التورط بالتزامات طويلة المدى، وإدارة طامحة لا تريد التسرع بالتزامات أثبت الزمان أنها باهظة الثمن على الجميع.
التدخل العسكري الروسي في حلب ٢٠١٦ ليس أيضاً الصواريخ المنشورة في كوبا ١٩٦٢. هنا الروسي متورط حتى ذقنه في القتال، وقواته موجودة على الأرض (وفي السماء والبحر والبر) مباشرة وسقط له قتلى وجرحى، وأعطبت له طائرات ومعدات.
الصورة الكليّة تشير إلى أن العالم يقف على بوابة مرحلة مختلفة من صراع متصاعد، هذه المرّة بين إمبراطوريّة فتية تتحدى، وإمبراطورية أخرى نقيضة. لم يعد الحديث عن إمبراطوريّة قطب واحد أو منظومة عولمة نهائية قد حققت نهاية التاريخ، ولن يسهل بالتالي إنهاء الأزمة بالانتصار، ولا حتى بتبادل التنازلات الرمزية التي تحفظ ماء وجه الطرفين كما حلّت الأزمة الكوبية وقتها.
ولعل تململ شعوب شرق وجنوب أوروبا بسبب الأزمة الرأسماليّة المستمرة منذ عقد تقريباً، وحنين المواطنين في دول الكتلة الشرقيّة السابقة إلى أيام المنظومة السّوفياتية القديمة وفق أحدث استطلاعات الرأي، وما يقابله من تصعيد أوروبي غربي مدروس ضد موسكو سيمثل مناخاً مثالياً لتجديد العمل بمفاعيل الحرب الباردة رسمياً. حلب ٢٠١٦ ستدخل التاريخ لا كمرحلة مهمة في مسار تطور الأزمة السورية وانكسار المشروع الأميركي في المشرق فحسب، بل ستسجل كنقطة تحول جذرية في شكل النظام العالمي الذي يعاد تكوينه مع تلاشي الحلم الكاذب لما توقع الجميع بأنه سيكون قرناً أميركياً بامتياز. من قال لكم إنّ الحرب الباردة انتهت أصلاً؟
* كاتب عربي