تبدو مثل حرب أهليّة كبيرة. تلعب فيها الهويّات عاملاً حاسماً. سبع هويات دينيّة تتقاتل في الشرق الأوسط وتتبادل الدم بالدم.

ثلاث نسخ من الإسلام الشيعي: الاثنا عشري (إيران العراق وحزب الله)، الزيدي (حوثيّو اليمن) والعلوي (سوريا)؛ تتقاتل في غير مكان مع أربع نسخ من الإسلام السنيّ: السلفية الجهاديّة (القاعدة وداعش)، السلفيّة التقليدية بشقيها الجامي والعلمي (السعودية والخليج)، الإخوان (مصر وبقية أفرع تنظيم «الإخوان» الدولي كإصلاحيي اليمن وسوريا)، والسنية البراغماتية (تركيا وقطر).

على أطراف هذه الحرب تضيع فارق عملة أقليات مثل المسيحيين الأقباط والأكراد والدروز والإيزيديين، وما تبقى من شلل العلمانيين واليسار والليبراليين، والتي هي في كثير منها تتطابق مع واحدة أو أكثر من النسخ السبع السابقة. وفي صميمها تتعرّض للسّلخ المريع حواضر تاريخيّة عريقة: سوريا والعراق واليمن ومصر. وتتحلّل دول: ليبيا. تغذي أطراف دوليّة كبيرة وصغيرة هذا الصراع أو تستفيد منه.
التحيّزات والاتجاهات العامّة بشأن كلّ ذلك متشكّلة بشكل صُمّ نهائيّ، ولا يمكن تعديلها أو إحداث أيّ خرق فيها. لذا يتعذّر معها وجود رأي عام؛ إذ من عادة الرّأي العام التغيّر لا الاستقرار. وتبعاً لذلك يغيب الحوار وتحضر الشماتة والتشفّي والعنف الرمزي والساديّة. كذلك يغيب الاحتكام إلى مثل عقلانية كحقوق الإنسان. قتلى طرف «فطائس» و«مجوس» يتم «الدّعْس» عليهم؛ وقتلى طرف «دواعش» كلهم لا استثناءات، وجارية عمليّة «إرسالهم إلى الجنة» التي يريدون.
ليس كلّ هؤلاء سواء. يتفاوت مستوى التطرّف والمنطلقات ومشروعية القضايا. هل تضع هذا في قبال هذا؟ هذه أرقى مستويات الحِجاج التي تصادفها بشكل يومي. لكنّهم كلهم يوظّفون الدين. اللغة المستخدمة في النقاشات مشبّعة بالإشارات والرموز الدينيّة. صار من العاديّ جداً رؤية تقدّمي أو ليبرالي جديد يتحدّث عن «روافض ونواصب»، أو أكاديميين عرب درسوا في أحسن الجامعات ومغاربة تلقّوا تعليماً علمانياً يعيدون إنتاج أدبيّات خير القرون «نحن أمة وهم الطائفة»، وفقه «الصائل» و«الجهاد الصحيح»، بعدما تمّ استقطابهم في جامعات الخليج وتشرّبوا اللوثة.


صار من العاديّ جداً
رؤية تقدّمي أو ليبرالي جديد يتحدّث عن
«روافض ونواصب»


العدميّة من سمات هذا النوع من الحروب. مثلاً لا أحد يفكر على الإطلاق في أن يعلن الهزيمة أو يريح أتباعه أو يستأنف في المستقبل بشكل آخر. المنتصر منتصر؛ والمهزوم منتصر أيضاً. المنتصر ينتصر موضعيّاً والمهزوم لا يأتي إلى خيمة. تصعب رؤية ملامح واضحة لآليات عمل السياسة المتعارف عليها أو سياسيين يتعاطون مع عوامل الربح أو الخسارة. الجميع يريد القتال إلى آخر حجر؛ بيتاً بيتاً شارعاً شارعاً. «ينتصر أو يستشهد»!
مشهد مثل الاستسلام على متن بارجة عسكريّة كما حدث عند استسلام اليابان، أو تجرّع كأس السم الذي أنهى به الخميني حرب الخليج الأولى، أو اتفاق خيمة صفوان الذي أنهى حرب الخليج الثانية، يبدو من مخلّفات الماضي عربياً. ما دمت على حق فهذا يعطيك الحق كي تقاتل وتحمل السلاح في حرب عدميّة إلى الأبد. كائناً ما كان ويكون.
إنها نوع من حروب القرون الأولى الدينية؛ حرب الألف سنة. هي خاتمة حزينة لدولة الاستقلال الفاشلة بأنواعها الملكية والجمهورية والقبلية التي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، وبشتّى المشروعيات التي تعاقبت عليها القومية واليساريّة والبعثيّة والإسلامية. إنها خاتمة بنفس القدر التي هي بداية. لكنّها بداية طويلة طويلة.
* كاتب من البحرين