الحقيقة لا يدركها العقل كاملة ويمكن أن تشعر بها الروح الهيجيلية


يعرض فيصل دراج في نصه «مرآة الوطنية: عبد القادر الحسيني المثقف المختلف» مسار عبد القادر الحسيني وتجربته الذاتية التي تؤكد ان المقاومة هي حالة اختبار وجودي للذات، بمعني ان مرجع الانسان الحر داخله وان كيانه ملك ذاته، لذا بحث عبد القادر عن المعرفة والمعنى ولم يبحث عن اللقب والموقع، فالانسان مرجعه من داخله لا خارجه، من جوهره وقيمه وممارستها. وهذا ما جعله يستغني عن الشهادة الجامعية ويحتفظ بعلم الكيمياء الذي استفاد منه بصنع المتفجرات.

وهذا كله انتج مقاتلاً حقيقياً حوّل المعرفة الى ممارسة عملية محاربة قوامها القتال بالسلاح. السؤال الذي أثاره دراج ما الذي تبقي من ملامح المثقف الجامعي في شخصية قائد يعايش المقاتلين ويعايشونه؟ هو المعرفة العلمية التي تقتصد الطاقة الانسانية والتي جعلت من المتفجرات أساساً، غير أن المتبقي الحقيقي هو غموض الروح المتمردة. التساؤل هل الروح المتمردة غامضة؟ أم أنها حالة الوضوح المطلق، فهل هناك أوضح من وضوح القتال؟ رغم هذا الوضوح لماذا من الصعب علينا فهم الروح المقاومة؟ ربما جمالية المقاومة في ديالكتيك الغموض والوضوح، لعل الغموض هو الاشد وضوحاً.

كيف يصل الإنسان إلى
مرحلة يهزأ فيها من الموت،
كيف يتم حسم ذلك؟

استغنى الحسيني عن الشهادة وصنع السلاح وذهب للمعركة، واستغنى خضر عدنان عن حاجة أساسية هي الطعام لاستخدام جسده كسلاح في معركة ضد دولة مدججة بأسلحة عاتية تمتلك رابع أقوى جيش في العالم، يقول ضباطها وجنرالاتها بيننا وبين خضر عدنان معركة تكسير عظام! أين هي القوة لهذه الدولة المارقة التي تريد الانتصار على أسير سلاحه جسده وقوته في حقه وعدالة مطالبه ضد اعتقال اداري تعسفي جائر. لقد حمل على عاتقه هذه المعركة لاثارة الظلم والقهر الذي يعيشه المعتقلون الاداريون الذين استنزفهم هذا الاعتقال الجائر. لقد شد عدنان الحبل على آخره وانتصر بكل المعطيات منذ قرر المواجهة في اللحظة الأولى للإضراب، ولقد انهزم هذا الكيان العنصري الفاشي الذي يحمل نقيضه ونهايته داخله حتى لو تمكن بالوسائل المادية وبحركته الاستعمارية من تجسيد فكرته الصهيونية، فالخلل بنيوي في جوهر الفكرة التي لا بد أن تنهار يوماً ما لأنها فكرة مهزومة وغير إنسانية.
هذا التحدي للماكينة الاستعمارية بمثابة تجسيد لمقولة غرامشي تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة. تشاؤم العقل بمعنى محدوديته وعدم قدرته على الخروج كلياً عن البنى المهيمنة للوصول الى الخلاص، أما تفاؤل الارادة الطاقة الكامنة في الانسان التي تساعد العقل في تغطية هذه المحدودية لفعل الانعتاق. وبذا تصبح الارادة قوة رافدة للعقل تحفزه وتبث فيه الأمل للاستمرار. ومهما وصل الانسان المقاوم الى درجات من اليأس ينهض من جديد لأنه يمتلك شحنة الارادة. العقل المقاوم بطبيعته متفائل لأنه يؤمن بالقدرة على تغيير الواقع رغم أي فشل. كتب روجيه دوبريه «الفشل بالنسبة للثوري هو نقطة الانطلاق، وهو مصدر الهام له أكثر من الانتصار لأنه يجمع بين التجربة والمعرفة»، وكان غيفارا ينظر الى المصاعب على انها تحديات وهذه ميزة رافقته في حياته منذ كفاحه مع داء الربو، فقد أصبح رياضياً رغم نوبات الربو التي كانت تجعله يترك ملعب كرة القدم ليتناول الدواء. كان عنيداً لا يتوقف، رحالاً لم يتوقف إلا عندما كان لا يقوى على التنفس.
كان يلفظ الكلمات لاهثاً من دون تذمر، فكان الأمر تحدياً غير أن سخرية القدر عندما قرر الاطباء انه غير صالح لأي نوع من الخدمة العسكرية! إلا أن هذا الانهيار حفز روح النضال والقتال عند غيفارا، وراح يجوب القارات وكان كل ما يحتاجه ليصبح ثورياً كاملاً، هو ولادة ثورة أخرى.
الإرادة تفعل المستحيل وتحقق النجاح، ونحن الفلسطينيين لسنا بحاجة إلى روايات فشل، بل بحاجة لنموذج ناجح يذكره التاريخ والوعي الجمعي. خضر عدنان بجسده الهزيل وإرادته الفولاذية يؤسس نموذجاً ثورياً فريداً في ظروف إضراب قاسي طوّر خلاله أدوات مقاومته حتى يتمكن من تحدي الظلم والطغيان وكسر الغطرسة الاستعمارية التي لن يهزها سوى نموذج ثوري حقيقي يعيد الاعتبار لإرث الاضراب الفردي، ويعيد اصلاح الخلل بسبب تلاعب الاحتلال بها لتصفيتها وتمييع راديكاليتها. اضراب خضر عدنان مختلف عن اضرابه الأول من حيث تصعيده وتطوير أداوات مقاومته التي نستطيع ان نلحظها أولاً بمقاطعته المحاكم العسكرية، فقد كان يطالب في بداية اضرابه الاول إما حريته أو محاكمته وانهاء اعتقاله الاداري الظالم. هذه المرة قاطع المحاكم تماماً منذ البداية، وأوصى المحامين بعدم الدفاع عنه سواء بحضوره أو غيابه بهدف كسر سياسية الاعتقال الاداري الجائر وهز منطقها من الاساس. من التصعيدات الاخرى، تقصير طول الاضراب برفضه تناول الملح مع الماء واية مدعمات وفيتامينات ستقصر بالضرورة من عمر اضرابه وتشكل ضغط أكبر على دولة العدو مما أدخله مرحلة الخطر.
«عاملوني كإنسان ثم افحصوني»، هذا ما قاله خضر عدنان حين رفض الخضوع للفحوص الطبية وهو مقيد بالأصفاد. رفض اجراء اية فحوصات طبية بعد أن اجبروه على الذهاب إلى المستشفى بعد تدهور حالته الصحية، وقررت ادارة المستشفى ان تقدم لطلب عقد «لجنة اخلاقية» لاجباره على اجراء الفحوصات خصوصاً بعد خطورة وضعه الصحي. وبعد تدخل واجراء اتصالات مع مصلحة السجون تمت ازالتها. الانتصار الصغير في المعركة سيقود حتماً الى انتصار كبير. من الواضح أن خضر يقاوم حتى في التفاصيل والأمور الصغيرة التي تعكس حالة نضالية استثنائية فيها تحدٍّ وصمود نابع من وعي مقاوم أصيل.
لقد شكّوا بموته السريري لأنّه لا يعطيهم حتى فرصة معرفة معلومات عن صحته، واستدعوا محاميه لخطورة وضعه، ولكنه يبتسم بهدوء ما يثير استفزاز الغطرسة الاستعمارية ويقول لمن استعجل موته أنا حي أرزق ومصرّ على طريقي، ولن يطول الاضراب... إما حراً أو شهيداً. وبعد تحركات من جانبهم، قام رئيس نقابة الأطباء في إسرائيل وأطباء مؤسسات حقوق الإنسان بزيارته لاقناعه بالفحص الطبي لكنه رفض العرض وأصر على شرب الماء فقط من دون أي مدعمات. المعركة أصبحت معركة إرادات: دولة العدو هدفها كسره خصوصاً أن لديها رغبة بالانتقام والثأر كونه مفجر ثورة الإضرابات الفردية ولن تتحمل هزيمة أخرى بعد إضرابه الأول، وهو مصمم على عدالة مطالبه وسحب وإبطال قوتها وغطرستها من خلال مقاومته الباسلة المتميزة.
وبعيداً عن أسطرة خضر عدنان والتغني بإضرابه البطولي وصموده وإرادته الصلبة من مقولات وشعارات وتنظيرات، أتساءل بيني وبين نفسي وأنا أتابع أخبار اضراب خضر، يا ترى كيف يستطيع هذا الإنسان تحمّل هذه التجربة؟ يبدو أن هناك غموضاً وسراً ما من الصعب أن نفهمه في ما يقوم به خضر.
هل نحن نستطيع أن نفهم هذه التجربة الوجودية القاسية والفريدة التي يعيشها خضر «الإنسان» لا «البطل»؟ هذا الإنسان الذي يتألم ويضعف ويقوى... كيف يتعامل مع آلام الجسد؟ كيف يستنهض قوته الداخلية لتتعامل مع آلام وذوبان الجسد؟ ماذا يقول لنفسه في اللحظة التي يتقيأ فيها المادة الخضراء من معدته ويدوخ؟ ماذا قال لنفسه في الليلة التي قضاها يتقيأ بشكل متواصل مع بروز نقاط الدم هذه المرة؟ كيف يتعامل مع ذاته في لحظة العذاب الجسدي وفي ذروة هذا الألم؟ هل نستطيع أن نفهم دوافع التجربة تماماً مثلما يفهمها ويعيشها هو لدرجة الاستعداد للتضحية بذاته بعيداً عن تنظيراتنا وشعاراتنا؟ هل نستطيع أن نفهم منبع القوة الكامنة داخل خضر التي يستحضرها لتعطيه القدرة على تحمل هذه التجربة؟
يا ترى كيف يعيش خضر هذه اللحظات الطويلة والقاسية بين حدود الحياة والموت؟ كيف يتعامل مع عامل الزمن؟ كيف يمر الزمن عليه في الفترة الطويلة الممتدة للإضراب؟ الجنود المقاتلون في المعركة لا يستمر قتالهم مدة طويلة متواصلة تصل إلى خمسين أو ستين يوماً. والاستشهادي يفجر نفسه سريعاً. ورغم أن لحظة الاستشهاد قاسية ولكنها لامعة وسريعة، ولكن زمن معركة الإضراب طويل وممتد وفي كل ثانية ودقيقة الجسد يتألم ويعاني ويذوب ويأكل بعضه مع الأيام. كيف أخضع خضر الزمن إلى قوته الذاتية وكيف يستنهضها لتنتصر على المعركة مع الجسد الذي يخذلنا رغماً عنا؟
كل إنسان يعيش تناقضات وصراعات مع ذاته، ما هي الصراعات التي يعيشها خضر الإنسان مع ذاته؟ البطل بالنهاية إنسان والانسان كما قلت بطبيعته يتألم ويقوى ويضعف، والبطل تصنعه بالدرجة الأولى الإنسانية، على الأدق تصنعه إنسانية التجربة، فكلنا أبطال قبل التجربة، ولكن التجربة هي المحك التي تكشف لنا ذواتنا ومدى قوتها وضعفها، وتكشف إلى أي مدى نحن أبطال انسانيون. يا ترى كيف صنع خضر هذه البطولة؟ ومن أين جاء بهذا الجلد والصبر والإرادة لتحمل نزف هذه التجربة؟ خصوصاً أنه يعرف آلامها كونه خاضها سابقاً في الإضراب الاول، لا بد أن هناك شيئاً أقوى منه دفعه لأن يأخذ قرار الإضراب الثاني ليكمل هذا الطريق المؤلم. لا بد أنه يعرف قوته لأنه قرر أن يعيد تجربة خاضها، ولكن هل كان يعرف أنها ستكون بهذه الصعوبة؟ وكيف اختلفت عن الإضراب الأول؟ ماذا اكتشف خلالها في نفسه؟ هل وجد ما يكفي من بنائه الذاتي الكامن ليساعده في أن يكمل هذا الطريق القاسي؟ ها هو يكمل هذا الطريق القاسي من دمه ولحمه.
لا بد أن هناك شيئاً غامضاً لا يعرفه سوى خضر، ولا يستطيع أحد منا لم يعش التجربة أن يفهمه، وحتى من عاش تجربة أي إضراب لا يستطيع أن يفهم تجربة خضر فكل إنسان عالم مختلف وتجربة مختلفة. هذا الشيء الغامض الذي لا نفهمه هو ما جعله يتصالح مع الموت ولا يخشاه لا بل يحتقره كما قال انجلز في جملته الشهيرة: «احتقار الموت». كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يهزأ فيها من الموت، كيف يتم حسم ذلك؟ هناك سر ما في منبع هذه القوة التي يمتلكها خضر، كيف صنع إرادته الصلبة ليتحمل أن يعيش لحظات طويلة مؤلمة ونازفة بين حدود الحياة والموت بلا خوف ولا رهبة وبهذا الهدوء النفسي بابتسامة تقول لمن استعجل موته وأشاع خبر موته السريري: «أنا مازلت حراً وحياً»، وأن «الإضراب لن يطول إما حياً أو شهيداً». ما الذي يوجد تحت ابتسامتك يا خضر؟ وما هي البراكين التي تغلي داخلك وكيف تستطيع أن تغطيها بهذا الهدوء النفسي؟ ما هي التيارات التي تجرى تحت سطح النهر؟
ربما، هذا الشيء الغامض أساسه هو أن خضر يستطيع أن يرى شيئاً نحن لا نراه، لديه رؤية استطاع خلالها أن يحقق هذا الكشف. يبدو أن خضر مزروع فيه رفض للقهر والظلم وهو جزء من بنائه الذاتي وتركيبته النفسية، وهذا القهر يعذبه هو ولا يعذبنا لأننا مفرغين من شيء موجود عنده. نحن فقط نتعامل مع الحدث ونحاول أن نفهمه ونتعاطف معه ولكن خضر يتوحد مع الحدث ويعيشه. المقاومة حالة توحد الإنسان مع الحدث إلى درجة يصبح هو الحدث نفسه. هنا لا يحسب المقاوم حساباً لشيء سوى أن يكون، وقد يصل الموت لكنه يشعر أنه بالموت يكون. يكون المقاوم هو التيار نفسه كما تقول المقولة الصوفية الشائعة لجلال الدين الرومي: «لا تكن مع التيار، بل كنت أنت التيار». هذه جماليات لا يراها حتى الصوفيين، هي لحظة الكشف المبنية أو القائمة على ما هو أعمق من الحضور المادي بل الروحي. ليس بوسعنا نحن كشفه مهما حاولنا، ولكن العبرة في المحاولة ومن هنا الحضور الذهني والموقف من الحياة بعلاقتك مع هذه التجربة وفهمك لها.
لا بد أن خضر رأى قهراً وظلماً لم نره، لقد اضرب في المرة الاولى ليس فقط بسبب الاعتقال الاداري، ولكن أيضاً لأنه تم التحقيق معه بطريقة مشينة تمثلت بشد لحيته، ومسح غبار حذائه ووضعه على لحيته، ووضعه بزنزانة مليئة بالحشرات، وقام المحققون بتهديده بمنع زيارة الاهل نتيجة امتناعه عن الكلام. لا بد أن خضر يشعر ويعي شيئاً لم نَعِه، تقول لي زوجته عندما يكون مع أطفاله في المتنزه ويرى المستوطنات يقول لهم: «انظروا هذه أرضنا التي سرقها الاحتلال» بألم وحرقة. نحن نمر على المستوطنات مرور الكرام لأننا وصلنا لمرحلة من استدخال، حتى إضراب خضر أصبح عادياً للبعض، بل عبء يثقل الكاهل، كيف لا ونحن نشهد تضامناً مخجلاً لا يليق بمستوى الحدث.
يبدو أن خضر وحده الذي يعذبه القهر والظلم المزروع فيه، وحده يعرف المعنى الحقيقي للكرامة والحرية كونه مستعداً لأن يموت من أجلها على رغم حبه للحياة ولأطفاله وزوجته، وكما قال مالكلوم اكس إن كنت غير مستعداً للموت من أجل الحرية، فألغِ تلك الكلمة من قاموسك.
نحن مفرغين مما يملكه خضر، لذا من الصعب أن نفهم تجربته، لا يفهم معنى الكرامة والحرية إلا من يمر من جانب المستوطنة ويتألم. يبدو أنه يتعذب لدرجة انه يقوم بفعل ثوري يسميه البعض بالجنون. وحده الثائر المجنون من يستعد للموت من أجل الحرية، وحده الثائر المجنون الذي يحتقر الموت لأنه يحتقر الذل والمهانة. خضر يقوم بذلك لأنه غير عقلاني مثلنا، وربما لأننا عقلانيون لا نستطيع أن نفهم حقيقة تجربته ونرى فيها غموضاً صعباً... عقلانيتنا تفشل في فهم جنون ثورة خضر، ولولا هذا الجنون لما قام بما يقوم به.
لا يضرب خضر فقط عن الطعام ولكن يضرب عن المهانة والذل، فالخبز موجود أمامه وهو الذي يصنعه كونه يعمل خبازاً في بلدة عرابة قرب جنين، ولكن وعيه وروحه الثائرة واحساسه بالقهر أوصلته إلى مقولة بسيطة مفادها ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. الحرية أهم من الطعام ليست مجرد شعار بل حوّلها إلى فعل وجود ليثبت لنا أن الحرية هي أهم من الحياة نفسها. تضحية خضر تقول لنا ليس إنساناً من يعيش على الخبز وحده. هل هذا يعني أننا مفرغون من إنسانيتنا؟
بقينا نتفرج على موت خضر عدنان أمام أعيننا ولا نحرك ساكناً، إلا أن معركته تثير تساؤلاً وجودياً لا بد أن نسأله لأنفسنا: من نحن في هذا الوجود؟ ومن هو خضر بالنسبة لنا؟ وهل يجب على خضر أن يموت ويدفع حياته ثمناً حتى يثير فينا السؤال عن إنسانيتنا؟ هل صحيح نحن مفرغون من انسانيتنا؟ وان كنا بالفعل كذلك هل سنكتشف ذلك؟ ومتى سنكتشف؟ ربما لن نكتشف لأننا بحاجة الى حالة اختبار وجودي للذات ليكشفنا على حقيقتنا. تجربة خضر الوجودية ساعدته في ان يكتشف فيها حقيقته وذاته وانسانيته. يا ترى ماذا اكتشف خضر؟
لقد وصل إلى مرحلة حسم فيها مسألة الموت، كيف لا وهو يقول: انا احب الحياة ولكن اذا استشهدت فأهلاً بالشهادة. هم يريدون كسره وهو جاهز ليموت لأنه لا يريد ان ينكسر ولذا كتب من دمه ولحمه تجربة صمود اسطورية أسس بها نموذجاً ثورياً بامتياز. يقول محاميه إنه «الآن غير مكبل بالأصفاد كما جرت العادة لغاية اليوم، وقد يكون ذلك مؤشراً على اقتناع المسؤولين الإسرائيليين بخطورة وضعه الصحي، وتجنباً منهم لحرج دولي في حال استشهاده وهو مربوط بساقه ويده». وتؤكد زوجته أن «سماح سلطات الاحتلال لعائلة الشيخ بزيارته اليوم بعد محاولات عدة لاستخراج تصريح زيارة كانت تواجه بالمنع دليل واضح على أن الحالة الصحية للشيخ في خطر شديد». من كل قلوبنا نتمنى الحرية القريبة لخضر عدنان لأن لديه الكثير ليعطيه الى الشعب الفلسطيني. البعض يعتقد ان اسرائيل غير مكترثة باستشهاده، لكن حريته هي أهون الشرين رغم انها تريد الثأر منه لان استشهاده يعني انه تمكن من كتابة تاريخ ثائر للمقاومة الفلسطينية في السجون الاسرائيلية على غرار نموذج بوبي ساند ورفاقه، عدا عن احتمال اندلاع ثورة في السجون كما فجرها اضرابه الاول بحريته فما بالكم باستشهاده، خصوصاً أن أوضاع الأسرى على وشك الانفجار في ظل الظروف القاسية التي يعيشونها. كما ان حركة الجهاد تهدد وتتوعد. يعتقد الاستعمار انه يمكن قتل روح المقاومة التي يزرعها المقاومون في الناس ولكن النتيجة تكون عكسية حيث ستزداد حدة الثورات ويتحول المقاومون الى نماذج حياة للمقاومة وللقضية التي يموتون من اجلها... المقاومة لا تموت وتزرع بذورها بعد كل موت.
خضر عدنان مقولة صمود للمقاومة الفلسطينية، وتجربة نضال فريدة وقاسية في هذه المعركة الجبارة. هذا العناد والثبات والاستعداد للتضحية حالة سمو مدهشة تبث الامل في نفوسنا، وتنقذنا من حالة اليأس والتشاؤم. فاذا كانت الحالة النضالية مهزوزة ومهزومة فإن هؤلاء المقاومين امثال خضر عدنان هم عنوان المواجهة الذين يثبتون لنا ان شحنة المقاومة موجودة وكامنة داخلنا. هولاء المقاومون هم الشموع التي تحترق وتذوب لتضيء لنا الطريق في هذا الظلام الدامس.
ملاحظة: أنهي كتابة هذا المقال بذرف دموع الفرحة على وقع الخبر الذي يقول الاحتلال يرضخ لمطالب الشيخ خضر بالإفراج عنه ليلة القدر التي توافق 12/7 كما أراد، وذلك بعد ان حاولت شرطة الاحتلال منع الشبان المتظاهرين من الوصول إلى غرفة خضر في مستشفى صرفند.
* باحثة فلسطينية